فكر مقالات

المرايا المقعرة والمحدبة والمستوية

كتبب عبد الله ابو شرخ:

ليس هذا مقالا في الفيزياء بل في الفلسفة والفكر ..

المرايا المقعرة كان عنوان كتاب من تأليف الأمريكي ” جون سوايكر ” وقامت بترجمته مشكورة وزارة الثقافة الكويتية ضمن سلسلة عالم المعرفة .. تقوم فكرة الكتاب بطرح أنواع مختلفة من العقول البشرية .. فمنهم من ينظر إلى الأمور بمرآة مستوية تظهر المشكلة أو القضية على حقيقتها كما هي دون زيادة أو نقصان . هذا النوع من البشر أسوياء أكثر من غيرهم .. بينما المرايا المحدبة والمقعرة تظهران صورا مكبرة أو مصغرة يختلف حجمها عن الجسم الحقيقي .. فبعض البشر ينظر لمشكلة صغيرة بمرآة محدبة فيراها مشكلة ضخمة ثم يبدأ في نقل ما رآه أو تخيله إلى دائرة المعارف والأصدقاء .. ( ثمة مثل عربي يقول يجعل من الحبة قبة ) .. ثم لدينا النوع الأخير وهو صاحب المرآة المقعرة التي تصور الجسم الضخم بصورة صغيرة خيالية وغير حقيقية .. هذا النوع بالذات هو الأغلبية !!!

كلا النوعين ضار وينقل صورة زائقة عن الواقع .. إما يضخمون حادثا صغيرا أو تافها .. أو يصغرون حادثا ضخما ومؤلما وفاجعا !

حتى الفساد وهدر المال العام وسوء استغلال السلطة وغياب الديمقراطية والشفافية لم تعد أمورا ضخمة تقرر مصير حياة شعوب تعدادها نصف مليار نسمة ما بين المحيط والخليج .. رغم أن هذه القضايا أطاحت بدولة عظمى كانت تحتل نصف الكوكب .. المرآة المقعرة تمتلك القدرة على تصغير القضايا المعقدة والمهولة .. ارتفاع مستوى البطالة وانتشار الفقر والتسول بسبب السلب والنهب المنظم لم تعد قضايا ضخمة بل مشكلة يتأقلم معها عامة الناس !!

الهزيمة الحضارية الشاملة للأمة العربية أمام الأمم الأخرى هي مجرد قضية تستنفر بعض المفكرين والمثقفين الذين يعيشون الترف والنقاهة في بلاد الثلج .. المفكرون والمثقفون يرون بمرآة مستوية فيقدرون القضايا المصيرية كما هي .. مؤلمة ومحزنة وفاجعة .. فلا عدو يعتد به أمام الجهل .. ولا مأساة أمام الفقر .. ولا فاجعة كالمرض .. هذه هي الحقيقة كما هي بمرآة مستوية .. لكن يبدو أن أمراض العرب قد جعلت سياسة صناعة الجهل وتعليمه وتلقينه تؤدي إلى تركيب المرابا المقعرة التي تصغر فيها عظائم الأمور !!!

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.