سياسة مقالات

تأملات في اللاقانون الجديد

بقلم/ أ. عبد الكريم لمباركي – المغرب

باحث في الفلسفة، جامعة محمد الخامس بالرباط

تحاول الدولة المغربية اليوم انطلاقا من أغلبية حكومتها القضاء على آخر متنفس يجد فيه المغاربة نوعا من الحرية، فانطلاقا من هذا القانون الذي وضعته سوف تتحكم نوعا ما في وسائل الإتصال الإجتماعي التي أصبحت تؤرقها وتفضح الممارسات غير الأخلاقية التي تقوم بها، فالفضاء الأزرق تحول من وسيلة للإتصال الإجتماعي إلى وسيلة للإحتجاج على الوضع الذي يتخبط فيه كل فرد من أفراد المجتمع، ذلك لأنه الفضاء الوحيد الذي يتميز بنوع من حرية التعبير التي افتقدها المجتمع في الفضاء العام، وإذا إنحزنا قليلا عن العاطفة وحاولنا رؤية الأمور بنوع من الجدية، فإننا سنلاحظ بأن هذا التصرف هو تصرف بديهي بالنسبة لكل كيان سياسي يسعى الى الإستمرارية وتوطيد حكمه. وتوطيد الحكم لا يتأتى إلا عن طريق توطيد التحكم في الأفراد وجعلهم أداة ووسائل لتحقيق الغايات المثلى للدولة.

ولكي تتحقق هذه الغاية التي لا علاقة لها بالدولة الإيجابية وجب أن يفرغ الفرد من جل المميزات والإمكانيات التي تجعل منه مواطنا، فالمواطنة الحقة هي التي تتأسس عن طريق الإعتراف بفاعلية الفرد داخل المجتمع عن طريق إحترام قراراته وإختياراته الشخصيه، لا على المستوى العقائدي ولا على المستوى الإجتماعي والإقتصادي.

لهذا فالدولة التي تجعل الفرد ينصهر ويقبل بقوانين لم يشارك في سنها هي دولة جائرة وخاذعة بكل ما تحمل كلمة خذاع من ذئبوية، لأنها لم تحترم المبادئ الأساسية التي أنشئ على إثرها التعاقد الإجتماعي في أول وهلة، لقد أجبرتنا حالة الطبيعة على التنازل عن جزء كبير من حريتنا لكن في سبيل تحقيق غايات إنسانية مثلى تتمثل في إخراج الإنسان من حالة الطبيعة إلى حالة التمدن، لكن على حين غرة منا وجدنا أنفسنا متنازلين على جل حقوقنا، لكن هذه المرة ليس بإرادتنا وإنما عن طريق الإخضاع والإكراه.

للأسف الشديد تركنا حالة الطبيعة إكراها فاعتنقنا في مقابل ذلك عالما أشد قساوة منه، إنه عالم لا نستطيع أن نحافظ على بقائنا فيه كما هو الحال في العالم الأول، ففي حالة الطبيعة كنا أمام حرب مباشرة يمكننا أن نواجهها وندافع على أنفسنا، لكن السلطة السياسية اليوم طورت من أساليب تعنيفها، فالعنف الرمزي والإديولوجي أكثر خطر من العنف المادي، لأنه يتسرب لنا وبطرق غير مباشرة، وحينما نسعى إلى التحرر منه نزيد الطين بلة عن طريق تكريسه أكثر فأكثر، وبالتالي فالقوانين التي تؤسسها الدولة وتغير فيها بالطريقة التي تراها هي مناسبة دون مشاركة الفرد فيها؛ ليست بقوانين وإنما هي أوامر تفرضها من أجل الحفاظ على مصالحها الذاتية، لأن كلمة قانون تدل على التنظيم (نوموس) الذي يحترم جوهر الديمقراطية الحقة، ولا يمكن أن تتحقق هذه الأخيرة إلا انطلاقا من احترام حرية التفكير التي يتميز بها كل فرد، وإذا اختلت فنحن إزاء اللاقانون بطريقة مباشرة.

هي إذن آلية لحماية مصالح مكونات الدولة، والحفاظ على سير الإقتصاد الإقطاعي لكل شخص منهم، لأنه في اللحظة التي يتخلخل فيها الإقتصاد آنذاك تهدد مشروعية الدولة والأحزاب التي تمتلك رأسمال حقيقي، ليس هذا فقط إنها تسعى في الوقت نفسه إلى إحقاق مؤامرة مفادها القضاء على قيمة الأحزاب اليسارية التي لطالما إستمدت مشروعيتها من الشعب الذي انبتقت إنطلاقا منه، لهذا فمن الغباء أن تشار أصابع الأتهام لوزير العدل، فهو جزء من الكل كما أنه ضحية مؤامرة بين حزب إسلامي يريد أن يكتسح المجال السياسي عن طريق عقلية سلفية لا تمث للحداثة والتقدم بصلة؛ وسبب ذلك طبعا هو الإختلاف الإديولوجي بينه وبين الأحزاب اليسارية. وحزب ثاني مرجعيته الأساس ذات صبغة إقطاعية محضة، ويهدف إلى إكتساح مجال السياسة عن طريق ترصيص الرأسمال المادي وتقويته، وسبب هذا الأخير هو إختلاف يضرب في عمق التاريخ، إنه صراع منذ بداية الثورة الفكرية والميدانية التي قام بها كارل ماركس كرجل يساري ضد كل الإقطاعيين والبرجوازيين بغية كشف حقيقتهم.

لو تأملنا قليلا لإكتشفنا أنها حملة إنتخابية سابقة لأوانها وهدفها زعزعت الثقة التي لا يزال الفرد المغربي يحملها إتجاه الأحزاب اليسارية والتقدمية، والنتيجة كما هو معتاد ترأس حزب إسلامي المشهد السياسي في الظاهر، بيد أنه سيسير وفق منطق ورغبة الحزب الإقطاعي وبطريقة خفية، وكما قلت من قبل؛ في غياب الإقتصاد تغيب الدولة ومشروعياتها، ولكي لا نكون أغبياء، وجب أن نعي بأن القانون لم يسرب، وإنما هي طريقة لمعرفة ردة فعل المغاربة، فإن لم يحركوا ساكنا سيمرر ويتأجرأ، وإن عورض بالرفض فسوف يعدل فيه قليلا لكن سيحافظ على مراميهم الشخصية.

إذا كان هذا القانون سيحقق مشروعية الدولة من جانب أنها ستوطد حكمها أكثر فأكثر، فإنها وللأسف الشديد ستخسر رهانها لكي تكون دولة حديثة، فالدولة الحديثة هي دولة إجابية تحترم حرية الفرد وإختياراته الفكرية أيا كانت، لكن ما تقوم به دولتنا ماهو إلا دليل على أنها دولة سلبية لا تزال بعيدة سنوات ضوئية على مرتكزات الدولة الحديثة وهذا أمر خطير جدا لأنه يكشف حقيقتها أمام الدول التي تجاوزت مثل هذه الحروب الفكرية الطاحنة، والتي لا تشرف بأي كيان سياسي.

أخلص إلى القول؛ بأن تلك الأحزاب وللأسف الشديد لن تتحقق غاياتها التي تتمثل في تكسير الثقة في الأحزاب اليسارية، لأن اليسار له تاريخ يشهد له والكل يعرفه ويعرف مواقف اليساريين، وما تعيشه الأحزاب اليسارية اليوم، خصوصا التي يوجد أعضائها في الحكومة ، ما هو إلا نتيجة لعدم إمتلاك نفوذ التقرير في شأن التسيير لأنهم لا يشكلون الأغلبية، علاوة على ذلك فإن هذا الفعل بدل أن يفقد الفرد الثقة في اليسار، سيفقده الثقة في المؤسسات ككل، وبالتالي فهو قرار ضد الدولة ذاتها، لأن المجتمع وإن طال الزمن سيكتشف أنه مغتصب فكريا ولا حرية له، وسيتمنى مقبل ذلك الرجوع إلى القبيلة لأنها تتحقق له نوع من الحرية.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.