اجتماع مختارات مقالات

العنف الرمزي وإعادة الإنتاج

بقلم ا. سمية الشتيوي – المغرب

تقوم أطروحة “بيير بورديو” (Pierre Bourdieu) على سوسيولوجيا نقدية للعالم الإجتماعي، حيث عمل من خلالها على تحليل ومعالجة الظواهر الرمزية ضمن منظور مادي، خاصة فيما يرتبط بوظيفة التربية والنسق التعليمي.

ف بورديو ليس مختصا في التربية، وإنما يتخد التربية كمجال للدراسة. يروم من خلالها إلى صياغة نظرية سوسيولوجية للسلطة الرمزية (pouvoir symbolique).

وقد خصص في هذا الصدد كتاب بعنوان “إعادة الإنتاج” (La Reproduction) مع الباحث جون- كلود باسرون (Jean-Claude Passeron) معتبرا أن المدرسة تقوم على إعادة إنتاج التفاوت الإجتماعي وقائمة على العنف الرمزي.

ومن أجل تسليط الضوء على مفهوم العنف الرمزي الذي إشتغل عليه بورديو من خلال أعماله السالفة مثلما إشتغل على مجموعة من المفاهيم مثل الحقل- المجال الإجتماعي، رأس المال، الهيمنة، الهابتوس والإنعكاسية….إلخ.

وفي إطار معالجة هذا الموضوع معالجة علمية، يقتضي منا الإنطلاق من طرح بعض الأسئلة الإشكالية وهي كالتالي:

كيف يلعب العنف الرمزي دور إعادة إنتاج النظام الإجتماعي القائم بين مختلف الطبقات الإجتماعية داخل المؤسسة التعليمية؟ هل العنف الرمزي يمارس بشكل جزئي ميكروسكوبي يتمثل في العلاقات و التفاعلات الفردية أم يتخذ أشكال عامة تدخل ضمن إطار مؤسسات ماكروسكوبية؟

اتخد كتاب إعادة الإنتاج، رؤية جديدة داخل السياق النظري، للأبحاث المرتبطة بالأنظمة التعليمية، التي كانت تقوم على دراسة خارجية للنظام التربوي. ومن ثم أضحت الكثير من الإشكالات والقضايا التي تهم التربية والتعليم. على سبيل المثال اللاتكافؤ على مستوى التحصيل الدراسي، إشكالية استيعاب الثقافة المدرسية، محتوى البرامج والمقررات الدراسية، آليات الإنتقاء والإقصاء المدرسيين.

كلها إشكالات تتطلب ضرورة مساءلة الميكانيزمات المتحكمة في إنتاج وإعادة إنتاج الفوارق والتفاوتات الإجتماعية.

تتمثل أطروحة بورديو و باسرون في تمحيص وظيفة العنف الرمزي، التي تتجلى أساسا داخل المؤسسات التعليمية؛ حيث يقوم المدرس بممارسة فعله البيداغوجي، انطلاقا من موقعه الإجتماعي المزود بسلطة رمزية تمنحها له المؤسسة بشكل عام. كما يتجلى في مضامين البرامج والمقررات والمناهج الدراسية التي تمرر للتلاميذ بتعبير بورديو بشكل إعتباطي.

هذا الإعتباط (Arbitraire) يتخذ شكلا عفويا، إتفاقيا يتم تمريره وتكريسه عبر الممارسة التربوية وعن طريق العادة الإجتماعية، فهو بناء إجتماعي يتخد أشكالا ممارساتية ترتبط بثقافة الفرد التي تلقاها من قبل البيت، الأسرة، المدرسة… إلخ.

تنطوي النظرية الصراعية النقدية الجديدة مع بورديو. على ترسانة مفاهيمية تتمثل في توظيف مفهوم “العنف الرمزي” (Violence symbolique). فهو عنف خفي مرئي، مجهول من قبل ممارسيه وضحاياه في آن واحد. يتجلى هذا العنف في ممارسات قيمية ووجدانية، أخلاقية وثقافية، يوظف أدواته الرمزية، مثل اللغة، الصورة، الإشارات والدلالات والمعاني. وكثيرا مايتجلى هذا العنف في ظلال ممارسة رمزية ضد ضحاياه .

ثم إنتقل بورديو في كتاب “أسباب عملية” (Raisons pratiques)، بتعريف العنف الرمزي باعتباره العنف الذي يطرح خضوعا من دون أن يدرك كخضوع، وذلك بالإعتماد على توقعات جماعية واعتقادات يغرسها المجتمع في أذهان الأفراد.

فالغرض من هذا التعريف هو تبيان الطريقة التي يتم من خلالها فرض عبارات ومقولات تفكير وثقافات معينة على أفراد مجتمع يوجدون في وضعية مهيمن عليها، تقوم بإستدماج بنيات لا واعية للهيمنة الثقافية التي نجدها في العادات الإجتماعية اللاواعية للأفراد.

أما مفهوم “الفعل البيداغوجي” (Action Pédagogique) هو عبارة عن عنف رمزي يمارس من طرف كل الفاعلين التربويين لجماعة معينة أو من طرف مؤسسة لها وظيفة تربوية، جزئية أو كاملة، علنية أو مضمرة. يفرض مكوناته المتمثلة في إعادة الإنتاج بطريقة تجعل منه موضوعيا عنفا رمزيا.

عملية الفرض هذه حسب بورديو و باسرون تتم حسب نمط تعسفي فيه نوع من الإكراه والإلزام، وهذا النمط هو التربية.
يحقق تأثيره الخاص على الأفراد عن طريق علاقة تواصل، وأيضا عن طريق الضبط والتطبيع الإجتماعي.

رهان بورديو َو باسرون يتمثل في أن المدرسة من خلال العملية التربوية والفعل البيداغوجي، والتي تقوم على فرض ثقافة الطبقة المهيمنة على تلاميذ الطبقات الأخرى بصورة اعتباطية. هذه الثقافة ملزمة ومفروضة على الجميع، تعمل على طمس باقي الثقافات الأخرى، رغم التنوع والإختلاف الثقافي الناتج عن اختلاف الجماعات الإجتماعية التي يتبناها كل مجتمع.

في ظل تكريس مبدأ التفاوت الطبقي والإجتماعي، فالثقافة التي تحدث عنها بورديو و باسرون. هي الثقافة التي تقوم على تمرير وتلقين مضامينها عبر الأجيال مع إخفاء أساسها الإجتماعي، هدفها الحقيقي هو الحفاظ على النظام القائم على علاقات الهيمنة داخل المجتمع.

ومن ثمة يمكن أن نستنتج بأن بورديو و باسرون، قاما بالكشف عن الدلالة التي يحيل إليها العنف الرمزي وأهم تجلياته على المستوى التربوي بشكل خاص، والثقافي والإجتماعي بشكلهما العام، فالمدرسة أو المؤسسات التربوية تعمل من خلال آليات ذكية، خفية رمزية على إعادة إنتاج التفاوتات الإجتماعية بين مختلف الطبقات المجتمعية عن طريق الممارسة التربوية.

● المراجع المعتمدة :
– La Reproduction, Éléments pour une théorie du systéme d’enseingnement, par Pierre bourdieu et Jean-Claude passeron paru en 1970 aux éditions et minuit .

– Bourdieu, P., le sens pratique, Paris, coll. “le sens commun”. Minuit 1980 .

– Bourdieu, P., Raisons pratiques, sur la théorie de l’action, Paris, Seuil, 1994 .

– المحيفظ محمد، الزاهي نور الدين، المدرسة، البيداغوجيا وإعادة إنتاج العنف الرمزي، مجلة الجدل، العدد السابع، ص52.

– احجيج حسن، نظرية العالم الإجتماعي قواعد الممارسة السوسيولوجية عند بيير بورديو، الطبعة الأولى، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع، الرباط، المغرب، 2018م.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.