دين مختارات مقالات

الحلقة الخامسة من سلسلة أنيس الأصحاب من سورة الأحزاب

بقلم/ أ. اياد خندقجي – فلسطين

قال تعالى (‫يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا 9 إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أسفل مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ 10 هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا 11) .

التفسير

“يذكر تعالى عباده المؤمنين، نعمته عليهم، ويحثهم على شكرها، حين جاءتهم جنود أهل مكة والحجاز، من فوقهم، وأهل نجد، من أسفل منهم، وتعاقدوا وتعاهدوا على استئصال الرسول والصحابة، وذلك في وقعة الخندق.

ومالأتهم [طوائف] اليهود، الذين حوالي المدينة، فجاءوا بجنود عظيمة وأمم كثيرة.

وخندق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، على المدينة، فحصروا المدينة، واشتد الأمر، وبلغت القلوب الحناجر، حتى بلغ الظن من كثير من الناس كل مبلغ، لما رأوا من الأسباب المستحكمة، والشدائد الشديدة، فلم يزل الحصار على المدينة، مدة طويلة، والأمر كما وصف اللّه: { وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ} أي: الظنون السيئة، أن اللّه لا ينصر دينه، ولا يتم كلمته‫” (السعدي).

أنيس الأصحاب

‫في رحلة صيد برية توقفنا نتذاكر آي الكتاب ومضينا في التعرف على بيانه وبلاغته في هذه الآيات:

– ‫ان (نعمة الله) مفرد والذي كان في الحقيقة في عزوة الأحزاب أكثر من نعمة فما سر التعبير بالمفرد في سياق الامتنان على اهل الخندق؟

‫ان النعمة هنا اسم جنس او مصدر ومهما كانت النعم في الغزوة فان (نعمة الله) تحويها، وقد عبر بالمصدر لأنه اشد دلالة على المقصود وهو التذكير بنعم الله…

– ‫” إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم نروها ” قد كثر الكلام فيها وما فهمت تاويلها.. هل الريح من الجنود؟ ومن او ما هي الجنود الاخرى؟

‫كما ذكرنا في سبب النزول ان الجنود التي جاءت المدينة كانت من قبائل العرب والمشركين من فوق ومن تحت المدينة وكذلك اليهود وتدخل المنافقين أيضا.

‫حين خطط هؤلاء جميعا لحصار المدينة ما كان يخطر ببالهم تدخل السماء ولا جند الله.. لذا فانهم كانوا مطمئنين للنصر

‫جاءت حينها الريح فقلبت القدور وقلبت موازين الأحزاب.. ثم انزل الله الملائكة مثبتين ينادون بالتكبير ويؤازرون في القتال..

‫لذا فان (ريحا) جاءت منفصلة عن (جنودا لم تروها).. لبيان انهم من جنس آخر غير الريح فهم ملائكة لا نراهم.

– ‫عن تذييل الآية ب (وكان الله بما تعملون بصيرا) فان ما جرى في غزوة الأحزاب من افعال تمت في جنح الليل وغارت قلوب المؤمنين في ظلام الشك والخوف.. ناسبه ان يختم بصفة من صفات الكمال الرباني (البصير)

– ‫اذ جاؤوكم…. واذ زاغت… كل معطوف على الفعلين جاء في حيز (اذ)… فما فائدة ذلك؟

‫ان مجيء الاعراب والمشركين واليهود من أسفل المدينة ومن فوقها هو بيان حال الفريق المهاجم

‫وان زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون هو بيان حال المؤمنين

‫ان هذا التفصيل وهذه المقابلة في بيان قوة الكفار الى البلاء الذي حل بالمؤمنين ليشعر بقيمة هذا التصريف الالهي لجند السماء والأرض.

‫وما ذاك الا ليستشعر المؤمن لطف الرب وكرمه ورعايته من بعد.

– ‫ان كان اهل مكة (من فوقكم) واهل نجد (أسفل منكم) فاين ذكر اليهود والمنافقين في الآيات؟

‫قلت.. سؤال عظيم.. سيأتي تفصيله في الحلقات القادمة فقد اجمل الرب فيمن خطره اقل ممن فصل بشأنهم وهم المنافقون واليهود

– ‫ما وجه التشبيه او البلاغة في (زاغت الابصار) و (بلغت القلوب الحناجر)؟

‫معنى زاغت اي شخصت او مالت.. وهذا اللفظ يعطي الايحاء المناسب لمن تردد وتناوشه الاعداء من كل صوب

‫ومعنى بلغت القلوب الحناجر اي انها من شدة اضطرابها طارت من مكانها حتى بلغت الحناجر

‫وهذا يعطي الانطباع المناسب عن حالة الخوف التي انتابت هؤلاء المؤمنين

‫وقد قرانا وسمعنا لطائف مفصلة بخصوص هذا التعبير (بلغت القلوب الحناجر) يستأنس به ونرجع اليه للفائدة

‫ومن ذلك

– وهل بلغ الخوف بالمؤمنين ليظنوا بالله الظنون!؟ وما هي تلك الظنون؟

ان الذي حل بالمؤمنين من كرب في الأحزاب جعلهم يصلون الى درجة فطرية من الخوف جعلتهم يناجون أنفسهم..

عَنْ ‫أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قُلْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ مِنْ شَيْءٍ نَقُولُ، فَقَدْ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ؟ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ‫” نَعَمْ، قُولُوا: اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا ” . قَالَ: فَضَرَبَ وُجُوهَ أَعْدَائِهِ بِالرِّيحِ، فَهَزَمَهُمْ بِالرِّيحِ.

ثم ان المنافقين الذين هم في ظاهرهم مؤمنون قد ظنوا ان المسلمين قد انتهوا وفرحوا لذلك كما سيأتي

لم يكن الظن الا من خوف فطري ليس الا..

– (هنالك) في قوله تعالى (هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا) ما يدعو للتوقف.. فكيف نفهمها..؟

(هنالك).. ظرف زمان للدلالة على ذلك الزمان الذي زلزل فيه المؤمنون.

أو هو ظرف مكان للدلالة على ذلك المكان الخاص الذي ابتلي فيه المؤمنون.

وذكر الزمان والمكان في سياق الابتلاء ينبه لدروس واحترازات عسكرية لمن درس الواقعة من بعد او اراد النظر فيها بعد انقضائها.

– نلاحظ هنا انه بالرغم مما سبق من الخوف الشديد المفضي ل(تظنون بالله الظنون) الا انه تعالى قد سماهم مؤمنين (ابتلي المؤمنون).. لذا اقتضى التنويه

أعظم ما استفدت

‫إن الذي يستهين ببلاء المجاهدين ويجلدهم لمجرد خوف بسيط او تعبيرات ربما دلت على جزع.. لم يقرا الكتاب قراءة فهم وتدبر..

‫ان مما ينبغي للمسلم ان يومن به هو ان يقول اللهم انا نومن بقضائك ونسألك اللطف فيه

‫اللهم يا مثبت القلوب والابصار ثبت قلوبنا على دينك

‫ثم يدعو لمن ابتلاهم الله ويحسن الظن فيهم .

‫وللحديث بقية ان كان في العمر بقية.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.