دين فكر مقالات

لا إكراه في الدين

آيات الحرب والقتال في القرآن الكريم

بقلم أ. محمد عبد العاطي – مصر

حتَّمت ظروف نشأة الإسلام ألا يكون مجرد دين يتعبد أتباعه إلههم في السر أو في العلن ثم ينصرفون إلى حال سبيلهم، فمنذ الأيام الأولى لإعلان النبي محمد (ص) أنه مبعوث من ربه وبداية حديثه عن الإله الواحد وسط بيئة وثنية وهو يواجه صدودا، تصاعد إلى حد الحصار ومنع الغذاء عنه وعن أتباعه في شِعب أبي طالب بمكة.

ثم حينما هاجر إلى المدينة مع القليل الذين آمنوا به استمر العداء يلاحقه، وأضيف إليه عداء يهود المدينة لما استشعره كبارهم من خطر على نفوذهم الديني والأدبي والاقتصادي، في تكرار لتجربة العداء الذي ناصبه أقرانهم في فلسطين للمسيح عليه السلام.

وإزاء وضع مضطرب كهذا؛ ملاحقات وعداوات وتشنيع واتهامات (ساحر، مجنون، يتلو أساطير الأولين، ممسوس من الجن.. إلخ) وبعد أولى محاولات الرسول (ص) تعويض أتباعه عن بعض ما خلَّفوه وراءهم في مكة من أموال وممتلكات في غزوة بدر، فُرضت الحرب عليه وعلى أتباعه، فلم يكن أمامهم حينذاك بد من الدفاع عن أنفسهم، وحماية أرواحهم وأعراضهم وحريتهم في اختيار الدين الذي يريدون والإله الذي يعبدون.

في هذا السياق؛ سياق الدفاع عن النفس تُقرأ الحرب في الإسلام، إبان عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يبدأ النبي حربا للاستيلاء على ممتلكات الآخرين، ولم يُغر على قبيلة لأنها ليست على دينه، والقول بأن الإسلام طلب من أباعه أن يحملوا السلاح ويهاجموا شعوب العالم شرقا وغربا حتى يكرهونها على الإسلام، قول غير صحيح، والمعيار الذي نقيس به رأينا في هذه المسألة ليس معيارا عاطفيًّا أو إحساسا بضغط شبهة يُراد الرد عليها، وإنما هي آيات القرآن الكريم الواضحة.

فقد أعلن القرآن صراحة أن الحرية الدينية مكفولة ولهذا فيستحيل عقلا أن يأتي سلوك منسوب إلى الإسلام يتناقض مع هذا المبدأ ويكره الناس على الدخول فيه.

ومن الآيات العديدة نكتفي ببعض الشواهد والأمثلة للتدليل على ذلك:

يقول الله عز وجل ( لا إكراه في الدين ) [البقرة: 256] ثم يبرر ذلك بأن من سنة الله في الحياة أن خلق الناس مختلفين في كل شيء؛ في اللون والعرق واللسان، ومختلفين كذلك في الأديان والمعتقدات، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس مطالبا بأن يكره الناس حتى يكونوا مؤمنين، والتأكيد على أنه حتى ولو كان حريصا على ذلك فلن يستطيع ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ( [هود: 1118] ، ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) [يوسف: 103]

فإذا كانت القاعدة “لا إكراه في الدين” لأن الله أراد أن يكون الناس مختلفين، وأن الصيغة التقريرية في الآية تقول إن أكثر الناس ولو حرص الرسول على أن يكونوا مؤمنين فلن يكونوا مؤمنين، فإن ذلك، حتى من باب التمني، إنما هو أمر غير واقعي، بل مخالف للمشيئة الربانية (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( [يونس: 99] فمن باب التناقض إذن الزعم أن الإسلام يأمر المسلمين أن يحاربوا الناس عبر العالم ليجبروهم على اعتناقه.

وبعد أن ينفي القرآن هذه المهمة من جدول أعمال النبي عليه الصلاة والسلام يحدد له بوضوح لا غموض فيه وبدقة لا تقبل الزيادة أو النقصان مهمته وهي أنها فقط التذكير بالله ووعظ الناس بالتي هي أحسن ( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ) [الغاشية: 21، 22]، ولم يحدد القرآن من الرسول التذكرة ويتركها دون تبيان لأساليبها حتى لا يأتي مِن بعده أناس يتوسعون فيها ويحولونها إلى أساليب ضغط وإكراه بحجة أنهم مأمورون بالتذكرة والموعظة فيُدخِلون ما يتصورونه أمرا بالعروف ونهيا عن المنكر ثم ينجرون إلى العنف إذا لم يجدوا استجابة ممن يأمرونهم وينهونهم؛ لم تترك الآيات ذلك دون ضبط وتخصيص إذ قالت ( ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) [ النحل: 125].

بل إن القرآن أوصى المسلمين ألا يتعرضوا بكلمة نابية أو عبارة تجرح الشعور الديني لأصحاب الديانات الأخرى حتى لا يبادلونهم سباً بسب وجرحا بمثله (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: 108].

وإذا اضطرت الظروف المسلمين أن يجادلوا أهل الكتاب من اليهود والمسيحيين فليجادلوهم بالتي هي أحسن (اسم تفضيل) ( وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) [العنكبوت: 46].

فإذا كان الأمر كذلك: القرآن ينص على كفالة الحرية الدينية لبني البشر، ويقر أن إرادة الله أن يكونوا مختلفين، وأن الرسول ليس مأمورا لا هو ولا أتباعه بأن يغيروا عقائد الناس، وإنما مأمورون فقط بالوعظ والتذكير بالله باللين (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك)، وعدم الحديث عن عقائد الآخرين بسوء حتى لا يتم استفزازهم فيتحدثوا عن إله المسلمين (رب العالمين عز وجل) بسوء.. إذا كان الأمر كذلك فهل ثمة مسوّغ في القرآن لشن حروب على الشعوب والأمم والدول والبلدان المجاورة هنا وهناك بغرض توسيع النفوذ السياسي وبسط الهيمنة “الإسلامية” ونشر “الدين الإسلامي”؟

الحق أن القرآن لم ينص على أي ذلك، بل إنه جعل ما يسميه البعض هيمنة ونفوذا من الصفات المرذولة التي يجب التخلص منها ( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) [القصص: 83] فيقف القرآن بذلك موقفا حاسما إزاء الرغبة الاستعمارية وتوسيع دوائر النفوذ والهيمنة السياسية والاقتصادية والدينية تحت أي ذريعة من الذرائع حتى ولو كان الشعار المرفوع “جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد” ، “وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله” “، حتى لا يُعبد في الأرض غير الله” ، كي لا يكون في الحياة “طواغيت يحكمون بغير ما أنزل الله” ، من أجل “ألا تسود راية الكفر والضلال” وغير ذلك من أقوال سيقت في غير مناسبتها وتنزلت على غير واقعها إما لجهل وإما لأغراض أخرى.

فإذا كانت آيات القرآن الكريم سابقة الذكر واضحة إلى هذا الحد فما هي الحرب التي شرعها القرآن إذن وحث أتباعه على التضحية في سبيلها بأنفسهم وأموالهم وقال لهم إنهم إن فعلوا ذلك فازوا بالنصر أو الشهادة؟ ما هي هذه الحرب؟ كيف نعرفها؟ وما شروطها؟ وما قواعد الاشتباك فيها؟

هذا ما نتعرف عليه بإذن الله في المقالة القادمة من هذه السلسلة الصغيرة التي تتحدث عن آيات الحرب والقتال في القرآن الكريم الذي نتدبره في هذا الشهر الفضيل.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.