دين مختارات مقالات

أنيس الأصحاب من سورة الأحزاب –  الحلقة 3

بقلم ا. اياد خندقجي – فلسطين

قال تعالى (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما ٥، النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا)

سبب النزول

نزلت في زيد بن حارثة، كان عبدا لرسول الله –  صلى الله عليه وسلم –  فأعتقه، وتبناه قبل الوحي، فلما تزوج النبي –  صلى الله عليه وسلم –  زينب بنت جحش، وكانت تحت زيد بن حارثة، قالت اليهود والمنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه، وهو ينهى الناس عنها ! فأنزل الله تعالى هذه الآية.

التفسير

بعد أن بين الله حكم التبني بإيجاز (وما كان أدعياءكم أبناءكم) نفر منه وفصل في هذه الآيات

فإن كنتم ايها المؤمنون مأمورين بنبذ التبني وادعاء الأبناء فما عليكم الا ان تدعوهم لآبائهم الحقيقيين حتى ان قمتم برعايتهم والاعتناء بهم

وان لم تعلموا من هم آباؤهم فليكونوا اخوة في الدين او من الموالي التابعين لكم..

وان حصل خطأ في ادعاء الأبناء غير متعمد كأن تكونوا قد نسبتم أبناء لغير آبائهم الحقيقيين دون علم او قبل نزول التحريم فالله لا يؤاخذكم ويرفع الحرج عنكم

ثم تشرع الآيات ببيان الدروس المستفادة والاثار التي ترتبت على تحريم التبني بالقدوة حيث ان سبب النزول أخبرنا ان اول من طبق عليه الحكم هو زيد بن (محمد) من قبل نزول التحريم ليعود زيدا بن حارثة

زيد كان زوجا لمن صارت زوجة للنبي صلى الله عليه وسلم… وهذا عزز تقبل الناس لتحريم التبني اذ لن يكون مستساغا ابدا (حتى في عرف الأولين) ان يتزوج الرجل زوجة ابنه

ومن بعد… تقرر الآيات احكاما خاصة:

–  النبي اولى بالمؤمنين من أنفسهم.. اي انه بمثابة ابيهم.. اليه يرجعون حين كرب او طلب علم او حتى قضاء دَين كما ان حب المؤمنين له عليه الصلاة والسلام ينبغي ان يفوق حب الاباء والأبناء.. وهكذا تقفل الآية ما كان بخصوص زيد.. فكما ان خصوصية قربه من الرسول جعلته تطبيقا لتحريم التبني فان خصوصية في الرسول جعلته ابا لكل المؤمنين لا لزيد وحده

–  وازواجه أمهاتهم.. اذ إنهن كالأمهات لا يجوز ان يتزوج بهن أحد من المؤمنين ولهن من الاحترام ما للأمهات ولكن دون خلوة او تكشف كما الأمهات.. فالاية توضح جانب الاحترام والتوقير ليس الا

–  اولو الارحام اولى بالميراث من الاخوة في الدين وذاك ان المهاجرين آخوا الانصار حتى صاروا يتوارثون ويقتسمون كل شيء.. لذا فانه كان لزاما بيان الحق وتثبيت المطلوب في سياق الأحزاب.. ولا تنسوا ايها الانصار المعروف بينكم فنزع التوارث لا يعني ذهاب المعروف

الآيات في العموم وضحت حكم التبني وما يتعلق به ومن بعد المجتمع المسلم وما يختص بالعلاقة بين القائد واهله من جهة وبين المجتمع من جهة اخرى

أنيس الأصحاب

في ليلة جميلة خرجنا في رحلة سمر الى حديقة وارفة نسمع اصوات الطيور ونتلو اي الكتاب.. وكنا قد ناقشنا الآيات معا:

–  ما سر التعبير ب (أقسط) في سياق النهي عن التبني؟! اليس هناك ما يمكن ان يوصف به من نسب الى الاب الحقيقي اقرب من القسط !!

ربما نظر أحدهم للشخص الذي ادعى ابنا له فوجد ان تركه لهذا العمل ايثار او عمل خير او احسان.. فيما لو نظرنا للطفل واهله لوجدنا انه لا تغني كلمة عن (اقسط) والتي تدل على تمام العدل والانصاف اذ الولد ينسب لابيه مهما كان فلن يتحمل وزرا او يكسب اجرا بمجرد الانتساب فيما المتبنى لو علم ابوه الحقيقي وكان مجرما مثلا سيكون من الظلم نسبته للمتبني وكذا صرف المسوولية عن الاب

–  ازواجه أمهاتهم… كيف نفهمها؟ هي تبدو كاللغز !

ان ازواج النبي صلى الله عليه وسلم هن في الاحترام والقرب كالأمهات فلا يجوز لأحد ان يتزوج بهن

دون ما للأمهات من احكام في العورة والميراث والنفقة وو

فقط في الاحترام..

قال صديقي.. هذا مفهوم ولكن… ما بال النساء؟ هل هن أمهات المؤمنات ايضا؟؟

توقفت هنا.. ومكثت مليا حتى وقفت على قول لعائشة رضي الله عنها تبين فيه (لسنا أمهات النساء) فاتضح حينها ان الاية سيقت لبيان حكم خاص في تحريم الزواج بهن.. والا فالاحترام مطلوب في كل حين ومن كل الناس لأمهات المؤمنين

–  لقد مر بنا ان احكام التوارث بين المؤمنين قد كانت قرآنا ونسخت ثم ان اية الرجم للشيخ قد نسخت.. وكلها آيات في الأحزاب.. فكيف نفهم نسخا في قرآن؟

لن نطيل كثيرا في شبهة لا زالت منذ الازل تحكى لكنني اقول.. حتى ان كانت الآيات المنسوخة اكثر في هذه السورة او غيرها..

هو قرآن ونسخه قرآن ونسخ معناه قرآن ونسخ تلاوته قرآن.. مادام كل باق ثابتا بالتواتر.. فليس من باس ان راعت الآيات قوما عاشوا لزمن ثم نسخت..

نعم النسخ وارد ومكانه في علوم القرآن بالتفصيل..

–  تساءلنا.. لم قال الله (فان لم تعلموا آباءهم) في سياق بيان ان لم تعلموا من آباؤهم؟؟

ان قوله تعالى (تعلموا آباءهم) يدخل فيه علمهم بمن هم وما صفاتهم وفيم تركوا أبناءهم وهل هم احياء ام انهم ماتوا و… كل هذا لن يغني عنهم قولنا.. تعلموا من هم آباؤهم

وبالنظر لسياق الآيات التي تبين ان المقصود هو العلم بحال آبائهم ومن هم لكون ذلك هو المفيد في رعايتهم واخوتهم من بعد اذ ليس المهم هو ان نعرف ان فلانا هو ابن فلان لنرعاه بل معرفتنا بحال الاباء هو الذي سيعين…

 أعظم ما استفدت

ان الابوة الروحية للقائد ترقى بالمجتمع الى حيث السمو والتقدير للمجتمع وللدولة.. وان ابوة النبي للمؤمنين والقادة هي التي جعلت الامة في مقدمة الأمم.. فلما تنكبنا لهذا الدور وابتعدنا عن تمثله بتنا كما نرى ونتابع .

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.