دين مختارات مقالات

أنيس الأصحاب من سورة الأحزاب – الحلقة 2

بقلم أ. ايام خندقجي – فلسطين

‎قال تعالى (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أمهاتكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ٤)

سبب النزول

‎نزلت في جميل بن معمر الفهري، وكان رجلا لبيبا حافظا لما سمع، فقالت قريش: ما حفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان، وكان يقول: إن لي قلبين أعقل بكل وأحد منهما أفضل من عقل محمد. فلما كان يوم بدر وهزم المشركون، وفيهم يومئذ جميل بن معمر، تلقاه أبو سفيان، وهو معلق أحدى نعليه بيده، والأخرى في رجله، فقال له: يا أبا معمر، ما حال الناس؟ قال: [ قد ] انهزموا، قال: فما بالك أحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟ قال: ما شعرت إلا أنهما في رجلي، وعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده “.

التفسير

‎بعد أن أمر الله باتباع شرعه ونهجه والتوكل عليه شرع في بيان أحكام خاصة مهد لها بقوله (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه)

‎فقد همست الآيات بحكم الظهار والتبني وكأنها تشير الى حقيقتين هامتين.. تأسيسا على حقيقة ان الرجل له قلب وأحد فلا يستوعب أكثر من اجراء في وقت وأحد

‎وكذلك التبني.. فالابن لن يكون له أبان أو أمان

‎والظهار ايضا يقود لأُمَّين لرجل وأحد

‎ان هذا التعدي بدعوى ام غير الام الحقيقية لرجل او ادعاء ابن لغير اب او ام حقيقيين لهو تعد صارخ وكانه يخرج من الافواه الفاغرة كناية عن عظمه في الاستنكار والقبح والاثم

‎وبالنظر في سبب النزول نجد ان التوطئة ب (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) وهو حدث في بدر ناسب ان يكون في سورة عرضت لغروة زلزلت الحناجر والصفوف حتى كاد المسلمون يظنون بالله الظنون

‎انه التثبيت والتذكير بان ما حصل في بدر رغم قلة الرجال والعدة درس لكل من اهتز قلبه.. ان الله مع المؤمنين

‎ثم ان الآية بينت حكمين في سطر بكل بساطة وهما:

–  حرمة الظهار وهو قول الرجل لامرأته انت علي كظهر أمي وذلك لما فيه من ظلم واحتقار للمرأة وتعد على حق الام في التفرد بابنها ومن قبل على سنة الله في الخلق والتدبير… فالله خلق امك لك ولن يحل محلها اي مخلوق وان على سبيل الاستبعاد

–  حرمة التبني وقد جاء موجزا هنا قبل بيان بأخصر عبارة (وما جعل أدعياءكم أبناءكم) حتى وان كنتم ادعيتم ابناء ليسوا ابناءكم لكم فالله ما اقر هذا ولم يجزه

‎ان القول الذي ينبغي ان يتبع هو قول الحق ذاك الذي لن يقوله الا الحق فالله هو الحق وهو الهادي لأحسن سبيل

أنيس الأصحاب

‎بينما نحن جلوس في زاوية هناك نقرأ هذه الآية اذ تنادى القوم يتدارسونها فتساءلوا وأجابوا

–  قال أحدهم.. ما بال الرجال هكذا ! هم فقط يملكون قلبا وأحدا ثم تلا (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه).. فهل هذه الآية عامة تشمل النساء ايضا؟؟

‎قلنا.. إن سبب النزول جاء في رجل عرف بأنه يستوعب كل شيء فيحفظه والآية نفت ذلك عنه وعن كل الرجال

‎وكذلك لفظ (رجل) لا يغني عن المرأة كما تذكير الصفات ك (مؤمن وصادق وكاذب وو) فالرجل شيء والمرأة شيء آخر..

‎بينما تغلب العرب الذكورية عند ذكر الصفات فقوله تعالى (يا ايها الذين آمنوا) شمل قطعا النساء فيما لو قيل (يا رجال) لن يأبه لهذا النداء امرأة…

‎فهل يمكن ان يجعل الله لامرأة قلبين؟؟ وبأي معنى؟!

‎نقول..

‎ان القلب مسؤول عن التفكير والمشاعر وقد قال تعالى (لهم قلوب لا يفقهون بها) الاعراف

‎وقال (فتكون لهم قلوب يعقلون بها) الحج

‎وان نفي القلبين عن الرجل لا يعني نفي ذلك عن المرأة من وجه ثابت وآخر محتمل

‎فالاول: كون المرأة تحمل وحين تحمل فان امكان القلبين والثلاثة بحسب عدد الاجنة محتمل

‎والثاني: من حيث المشاعر والتفكير وهذا ربما كان واضحا بالمعاينة فالمرأة بحسب تكوينها يمكن لها ان ترعى طفلها وهي تكتب مثلا وكذا تسمع او تتابع درسا وهي تطبخ وربما فعلت اصعب من ذلك.. وهي في هذا قد تشترك مع بعض الرجال كما كان من معمر قبل ان يشرف على الهلاك.. ولكنها بعد المعاينة والملاحظة تبين انها اقدر من الرجل على الجمع بين تفكيرين او فعلين في نفس الوقت

‎ان الثابت وهو كون المرأة تحمل يقودنا للتركيز على هذا البيان الذي لا يتخلف ولا يمكن ان يكون فيه قصور.. فكل كلمة في مكان لا يحل مكانها غيرها

–  ثم قال آخر.. وهل هناك فائدة من (في جوفه)؟؟ الم تكن (من قلبين) كافية لبيان المقصود؟

‎ان النفي المقصود به تقريب معنى استحالة امَّين لنفس الولد لن يكفي فيه ان يقال من قلبين فقط.. فالمقصود بيان الاب والام الاصيلين لا مجرد ام او اب حكما او للاحترام مثلا

‎ثم ان الطب تكلف عناء لم يجد اذ وصل لقلوب خارج الجسد لمرضى القلب.. وعليه فان الاية لو لم تذكر (في جوفه) لكانت ناقصة وحاشاها

–  ثم تساءلت… فما سر تكرار (وما جعل)؟ في النفي لثلاث جمل.. ولو كانت.. ما جعل الله.. ولا ازواجكم… ولأدعياءكم… ربما كان أخصر !!

‎فكان أن وصلنا لأن الجمل الثلاث غير متكافئة فالأولى مثال والثانية والثالثة احكام منفصلة.. لذا كان لا بد من تكرار (ما جعل) لكل جملة

–  فإن قيل ما الفرق بين اللائي في قوله تعالى (وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون..) و اللاتي.. قلت ان اللاتي تأتي وجوبا جمعا ل التي.. فيما تأتي اللائي جمعا للتي والذي..

‎وهنا لا بد من البيان اذ ان اية الأحزاب نفت ان يجعل الله (الازواج) اللائي.. ولفظ الازواج يحتمل الذكورية بخلاف لو قيل الزوجات..

‎اللفظ في الآية اذن للجنس.. جنس الازواج لا لكونهن نساء لكن لكونهن ازواجا.. فكيف تظاهر يا فلان زوجا وتجعلها كأمك !!! هي كزوجة لا تستحق هذا الاذى وامك لا تستحق هذا العقوق

–  سأل أحدهم.. ولم قال الله (ذلكم قولكم بأفواهكم..) ولم يقل هذا قولكم.. مع العلم بان قولهم قريب..

‎قلت ان (ذلكم) اسم اشارة للبعيد وهو هنا بعد مكانة لا مكان… فالاشارة هنا لبعد هذا القول في القبح وان كان قريبا

–  ثم قال.. اليس اللسان هو آلة الكلام؟ قلت بلى.. قال.. ففيم قال (قولكم بأفواهكم)؟؟

‎قلت: ان التعبير بالافواه عن الكلام فيه ما لا يخفى من المبالغة في القبح تماما كما جاء في النور حول الافك (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم) الاية ١٥

–  ثم ناقشنا قوله تعالى (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل) وبينا ان عطف الجملتين بهذه الصيغة مع امكان حذف (هو) لتأكيد اختصاص الله بالهداية مع قوله الحق الذي لا يشبهه حق فهو لا يقول حقا بل (الحق) الذي لا يتطرق له الاحتمال.. ثم انه (هو) الذي يهدي السبيل…

–  قد يقول غيره سبحانه حقا وقد يهدي غيره سبيلا.. لكن (الحق) و (السبيل) اللذان لا يتطرق اليهما احتمال فهذا من خصوصيات الرب سبحانه

‎ أعظم ما استفدت

‎إن تنكب الفطرة التي خلق الله الناس عليها من أشنع الكفر وأقبح الصفات التي يمكن لبشري ان يحتملها.. ان كل عمل يصادم الفطرة لن يكتب له النجاح ولن يوفقه الله تعالى.. ناهيك عن كونه محرما اصلا

‎وللحديث بقية إن كان في العمر بقية

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.