دين مختارات مقالات

أنيس الأصحاب من سورة الأحزاب  – الحلقة 1

بقلم أ. إياد خندقجي – فلسطين

قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ۱ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ۲ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ۳)

 سورة الأحزاب

سورة الأحزاب مدنية، عدد آياتها ثلاث وسبعون، ترتيبها من حيث النزول التسعون، وترتيبها في المصحف الثالثة والثلاثون، بدايتها في نهاية الجزء الحادي والعشرين وتتمتها في الجزء الثاني والعشرين

ختمت سورة السجدة وهي السورة التي سبقتها باستعجال الكافرين للفصل بينهم وتيئيسهم من كونه نافعا الا بإيمانهم.. لتفتتح الأحزاب بالأمر بتقوى الله، والنهي عن طاعة الكفار والمنافقين

وسميت السورة بهذا الاسم لأنها تحدَّثت عن غزوة الأحزاب وأشارت إلى الأحزاب صراحةً في قوله تعالى: “يحسبونَ الأحزاب لم يذهبوا..” الاية٢٠

ومن أهم مقاصد السورة:

الأمر بتقوى الله والنهي عن طاعة الكافرين والمنافقين

قصة غزوة الأحزاب

بيان بعض أحكام الطلاق

ذكر لبعض خصوصيات زوجات النبي صلى الله عليه وسلم

وجوب الحجاب

حرب الشائعات

الحساب وقيام الساعة

خلافة المسلم للأرض وحمل امانة التبليغ

سبب نزول الآيات

نزلت في أبي سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبي الأعور وعمرو بن سفيان السلمي، وذلك أنهم قدموا المدينة فنزلوا على عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين بعد قتال أحد، وقد أعطاهم النبي – صلى الله عليه وسلم – الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وطعمة بن أبيرق، فقالوا للنبي – صلى الله عليه وسلم -، وعنده عمر بن الخطاب: ارفض ذكر آلهتنا، اللات والعزى ومناة، وقل: إن لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربك، فشق على النبي – صلى الله عليه وسلم – قولهم، فقال عمر: يا رسول الله ائذن لنا في قتلهم، فقال: إني قد أعطيتهم الأمان، فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه، فأمر النبي – صلى الله عليه وسلم – عمر أن يخرجهم من المدينة فأنزل الله تعالى: (يا أيها النبي اتق الله)

التفسير

بين يدي الآيات نطالع هذا الخبثَ المستكن في قلوب المنافقين وكيدَهم الرامي للنيل من تقوى المؤمن بغض النظر عن كفره من عدمه.. المهم أن يشككه في دينه

تبدأ السورة بأمر للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته..(يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين) أي اثبت يا محمد على التقوى ولا تلتفت لما يقول الكفار والمنافقون فالله عليم بما قالوا حكيم في تقدير الاحكام معهم

ثم بعد التخلية (لا تطع) تاتي التحلية بالأمر باتباع القرآن والتوكل على الله الذي سيكون سلاح المتبع حين يواجه الابتلاء لثباته واتباعه المنهج القويم

أنيس الأصحاب

في الآيات التي بين أيدينا لطائف ودروس نذكر منها:

البداية بيا أيها الذين آمنوا وكما يقول المفسرون بداية لشد الانتباه فما بعدها اما نهي واما امر

ولكن البداية بنداء النبي (يا أيها النبي) فيها فائدة مركبة.. ففيها تأكيد التكليف بشخص الرسول عليه الصلاة والسلام… فما أُمِرَ به الرسول صلى الله عليه وسلم، ستكون أمته اولى به

والخلاصة ان بداية السورة يوحي بأهميتها وكأنه تقريظ لها واهداء للمؤمنين.

يتساءل أحدهم: اتكون طاعة المنافقين والكافرين ضد التقوى؟.. ام ان النهي عن طاعتهم له معنى آخر !!؟

حين نقول لا تطع الكافرين.. فإن من البديهي ان يكون ضده أطِع الله.. وحين تقول (اتق الله) فمن البديهي ان يكون ضد ذلك (اجتنب الكافرين..)

اي ان المتبادر لذهن السائل معقول جدا.. وهو

لِمَ لم يقل الله (اجتنب) في مقابل (اتق)!؟

نقول.. إن طاعة الكافرين والمنافقين غير مستوعبة في حق الرسول صلى الله عليه وسلم وامته فما بالنا باجتنابهم !!

كما ان الرسول قد اتقى ربه وامر وامته بالثبات على التقوى

هي مقابلة لطيفة إذ الضد لما بعد واستحال عدل عنه لما هو اقرب او محتمل.. واحتماله في ما قد يكون في صورته طاعة وليس طاعة اصيلة

انه الأدب القرآني في تقدير الرسول صلى الله عليه وسلم ومراعاة مقتضى الحال.

وقد تساءل آخر.. هل لتقديم الكافرين على المنافقين فائدة في (ولا تطع الكافرين والمنافقين..)

نقول… هذا مما لا شك فيه فكلام الله ليس فيه احتمال… كل كلمة لا تحل محلها اخرى وكل جملة لها موقعها الذي لا يتطرق اليه التبديل

ان تقديم الكافرين اتى بالرغم من ان المنافقين اخطر لان كفرهم الظاهر يجعل من اوامرهم اكثر واشد وضوحا… ولما كان ذلك كذلك صار تقديمهم في النهي عن الطاعة اشد استيعابا

بينما في النساء مثلا (ان الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا)

وقد طلب أحدهم التفريق بين لفظ (الكافرين) و (الكفار) وهل في سياق الآيات ما يمنع من ذكر كفار بدل كافرين؟

قلت.. إن الكافرين جمع كافر والكُفار جمع كَفّار وهو المبالغ في الكفر

يكثر استخدام الكفار كصفة عامة للكافرين المعاندين وللمشركين وعبدة الاوثان فيما الكافرون جمع كافر منكر لمعلوم من الدين بالضرورة او آمر بكفر او معاند

وعليه فان الجمع (كفار) عام للمنافقين والمعاندين وعبدة الشمس والاوثان والعلمانيين والملحدين وووو بينما الجمع (كافرين) يأتي في سياق المجادلين بالحجج الواهية بالأخص

وعليه فان الكافرين في مطلع الأحزاب جاءت في محلها حيث ان سبب النزول بين ان مشركين ومنافقين قد تعرضوا للرسول صلى الله عليه وسلم

ولو ان لفظ (كفار) قد استخدم لاغنى عن المنافقين الذين هم نقطة تركيز ايضا في هذه الآيات

وهل في التعبير بصيغة المضارع في (ما يوحي اليك من ربك) فائدة؟ يقول أحدهم !!

قلت.. إن المضارع يعني التجدد والاستمرار فحتى لا يظن ظان ان المقصود هو اتباع ما اوحي به دون ما سيوحى جاء المضارع ليبين ان محمدا عليه الصلاة والسلام وامته مطالبون باتباع الوحي كله في الوقت كله والمكان كله

وقد يتساءل قوم حول صيغة الخطاب الفردي (اليك من ربك..).. لنقول ان ذاك من أعظم العناية بالرسول وتوقيره.. وكأن الرب رب له وحده وما هو كذلك..

ويستمر الاصحاب في السؤال.. اما كان يكفي ان يقول تبارك وتعالى ما اوحي من ربك دون (اليك) فهذا يكفي لبيان المقصود… قلت: ويحكم.. لا والله لا يكفي فالرب يريد ان يجذب عناية الرسول لما تمت العناية به لأجله وليس مجرد بيان الوحي… ليكون متشوقا متهيجا بصورة اكبر للاداء والتبليغ

وقد راق لي طلب المقابلة بين تذييل الآيتين الاولى والثانية (ان الله كان عليما حكيما) و (ان الله كان بما تعملون خبيرا)

قلنا.. إن الآية الاولى تحدثت عن امر بالتقوى ونهي عن طاعة الكافرين والمنافقين وهذا مناسب لصفة العلم حيث لا يخفى عليه سبحانه ما عليه الكافرون وللحكمة في التشريع ب افعل ولا تفعل

اما الثانية ففيها امر باتباع عام يستلزم خبرة في رصد الوحي (ما كان منه وما يكون وسيكون وهل نفذ ام لا وكيف تم تنفيذه وهل هو مقبول من بعد او ليس….) وكل هذا من معاني اسمه تعالى (الخبير)

فإن قال أحدهم من بعد: لم عدل السياق عن صيغة المخاطب المفرد للجمع ثم رجع للمفرد في (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ۲ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه..) اتبع – اليك – ربك (وهذا مفرد) ثم تعملون (وهذا جمع) ثم توكل (وهذا مفرد)

قلت.. ان الالتفات مظهر جمالي للفت الانتباه وهذا لا يخفى على أحد.. ولكن مع جمال في الكتاب لا بد من معنى زائد وقيمة مضافة

وهي هنا بيان ان الخطاب ليس لمحمد صلى الله عليه وسلم وحده بل لامته ايضا

وفي ذاك ايضا ذاك التأدب مع شخص الرسول صلى الله عليه حيث ان الأمر بالاتباع لما انزل اليه من ربه قد خوطب به مباشرة ولما كان ما يفهم منه انه قد يكون هناك تقصير قال (تعملون) والمراد امته.

أعظم ما استفدت

إن ما تركنا من تساؤلات الأصحاب ربما زاد عما اجبنا عنه

وربما كان من أعظم ما استفدت من خلال عرض الآيات الثلاث الاولى من هذه السورة العظيمة هو تلك الحبكة في علاج محاولات الكافرين والمنافقين للنيل من الرسول وامته

وتتمثل في التشديد وعدم التراخي مع القادة لإيصال الحرارة للرعية.. وكذا عدم اهمال خبث المستترين (المنافقين) فهم والكافرون سواء

والحديث بقية إن كان في العمر بقية 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

One Reply to “أنيس الأصحاب من سورة الأحزاب  – الحلقة 1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.