سياسة فنون مختارات مقالات

مسلسل أم هارون بين ضجيج النقد وضرورة المناهضة

“الإعلان لدعاية المسلسل أخذ النصيب الأكبر،
لترويج الحبكة أكثر من الإنفاق على تسويقه”

 

بقلم/ رزان السعافين – فلسطين

يتبادر إلى ذهني عند حدوث أي فيضان مجتمعي حول ظاهرة ما، سؤال حول زمن انتهاء ضجيج الجدل القائم بخصوص هذه الظاهرة أو القضية أو القصة المتداولة.

هذا ليس يأساً أو هروباً من واقع الخوض في نقاش الأمر، بل مصارحة عن طبيعة هيجان الناس حول أمر ما وسرعان ما تهدأ الأمور ويهدأ الناس وكأن هذه القضية لم تحدث البتة !

على مستوى أوسع، وأكثر عالمية كانت صفقة القرن، لو يتذكر كل أحد منا يقرأ سطوري الآن لعلم مغزى رسالتي التي أتكلم فيها؛ لأثبت فيها أننا شعوب تثور وقت تنفيذ الأمر المخطط له من سنوات، ويمر الأمر كما الكثير ويحقق أهدافه المرحلية الحاملة لغايات مستقبلية عظمى على مستوى استراتيجي يخلو من العشوائية.

والكثير من الأمور التي حدثت وشغلت العالم بأسره، واجتاحت ردات الفعل كل البقاع سواء بالسلمية أو بالحروب، بدءا من قضية اجتماعية عابرة حدثت في أحد شوارع مدينة عربية ما، إلى قضايا أكثر شمولية كالثورات العربية، بتكرار نفس الحدث ونفس النتيجة ونفس ردة الفعل، وهكذا.

قصة أم هارون، التي تحولت إلى قضية شغلت الرأي العام، ووسائل الإعلام، وأقلام الصحفيين والنُقاد والكتاب وغيرهم، هي عمل ناجح بامتياز، ليس على صعيد المحتوى الباطل والمضمون الملفَّق في الادعاء التاريخي، بل نجح في إحداث الضجيج المدروس والمعلوم مسبقا لدى صانعي المسلسل وحابكي قصته المنسوجة بدقة في كل لقطة تصوير بلا شك كما عشرات بل مئات ما يتم عرضه على الشاشات الأجنبية والعربية حول صراع الخير والشر، ومنها قضيتنا الفلسطينية المُغيبة.

والحقيقة المرة في واقع المؤامرات أن ردات الفعل يتم دراستها بعناية قبل الانطلاق في تنفيذ شيء، فهم يعلمون تماما أن الأوساط العربية لن تناهض الأمر ولا المسلسل بشكل فعلي، أو دفاعي؛ بل ستثور كلامياً ويحدث ضجيج بكائي درامي من نوع آخر حول القضية، ولن يتصرف أحد ليتم محو الأمر أو مناهضته مادام الوعي الجمعي يتصرف بذات العقلية كما يحدث بشكل عام حول الكثير من القضايا في طبيعة ردات الفعل.

ولعل أكثر ما أود التنويه له أن الجدل القائم لن يحرك ساكنا كالعادة، وإن حرك فسيكون في نطاق محدود مؤقت غير جذري، ولا غرو أن أكثر وسائل الإعلام وخاصة القنوات الفضائية العربية يمتلكها أو يمولها رجال أعمال صهاينة ويتحكمون في سياساتها الموجهة بشكل مباشر للتغلغل في عمق ذهن المشاهد العربي جيلا بعد جيل، ولا عجب أن القضية الفلسطينية مهما تضامنت معها وسائل الإعلام العربية فهي قضية تعاطف إنساني عن لاجئ مشرد، تحتضنه وتأويه البلدان التي تشرف على تلك القنوات، وأما عدا ذلك فالمعروض خطابات رنانة وشعارات، وللحديث بشكل موضح سنحتاج دك عروش المناهضين والمطبعين علَّنا في الآونة الأخيرة مع الاحتلال الإسرائيلي، وكشف حقيقتهم المزعومة لمناصرة القضية في سنوات مضت، وكيف أصبحوا الآن يتباهون بالمجاهرة بسوء التطبيع، فلا اعتبار لتاريخ أو جغرافيا ولا حتى لروابط إنسانية قد ضُربت يوما في جذور هذا الوطن المسمى بـ “العربي”.

ولعل ذلك يظهر بشكل واضح  في عرض مسلسل “أم هارون” والذي يركز على حكاية طبيبة يهودية كانت تعيش في الكويت في الأربعينات من القرن الماضي، وعانت من اضطهاد نفسي وضغط مجتمعي بسبب ديانتها.

ومن الواضح أن المسلسل يتم عرضه مزامنة مع اشتداد حمى التطبيع العربي مع الاحتلال الإسرائيلي بعد نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والإعلان عن صفقة القرن في الآونة الأخيرة، بدليل تسخير أسلحة الإعلام لصالح حقبة تاريخية جديدة ومهمة على الشأن الإٍسرائيلي التوسعي والتغلغلي في كيانات العرب بكل بساطة، وهذا ما أشار إليه افيخاي ادرعي بتعليقه على المسلسل موجهة رسالته أنهم لم يعودوا ضعفاء أو مساكين كما قبل؛ مُقولبا رسالته للضالين عن الحقيقة المتأثرين به والجوعى فكريا في واقع الأمر!

إن نجاح المشروع الصهيوني، وتطويع الديانة اليهودية في صالح المشروع، لن يكتمل إلا بالإعلام وعلى رأسه الإنتاج الفني أو ما نسميه بالحرب الناعمة؛ حيث إنها الأكثر أثرا ومدى من العسكرية المؤقتة والمحدودة التأثير.

لقد صرح الحاخام راستورون لمن اجتمع معهم في تحضيرات عقد مؤتمرهم الصهيوني الأول في بال بسويسرا عام 1897م بقوله “إن المال إذا كان هو القوة التي يستطيعون من خلالها السيطرة على العالم، فإن الإعلام لا يقل عنه قوة”.

ويكمن ذلك الأمر بشكل واضح كهدف استراتيجي لإنجاح مشاريعهم الثعبانية منذ عقود طويلة، باللعب على وتر الوعي ليكون إيقاعه ممنهجا رنانا على مدى الأجيال المتعاقبة بمنتهى الاحترافية، فحينما قامت الحركة الصهيونية على يد المفكر اليهودي “ثيودور هرتزل” صرح في أول مؤتمر صهيوني عام 1897 في مقرراته عن ضرورة العمل على نشر الروح والوعي بين يهود العالم وتعزيزهما من أجل دفعهم للهجرة إلى فلسطين.

وبناء عليه، فإن الضجة القائمة حول مسلسل “أم هارون” كان مباشرة بسبب التصريح المتعمد في الحلقة الأولى بإعلان دولة إسرائيل بعد الانتداب باستقلالها على أرض إسرائيل، وليس فلسطين؛ وكأن التاريخ النضالي، والقضية الفلسطينية، والكفاح الشعبي، والسجال السياسي، والثورات والمناهضات والحروب والانتفاضات كلها ضربت بعرض الحائط وكأنها لم تجدي نفعا لاسترداد أرضنا المسلوبة!

ومختصر رسالة المسلسل اتضحت من عنوان فاتحتها بمعنى: (فلتبحثوا أيها الفلسطينيون عن أرضكم الحقيقية، فالإسرائيلي هو المضطهد تاريخيا بالفعل بسبب تكهنات العرب وعدم تقبلهم للتعايش الديني، وفقا للمغزى المشار إليه في التاريخ بزعامتهم المضللة، فنحن هنا في أرض إسرائيل، ونروي حكاية تاريخ!).

وعليه الإدراك التام بأن الأساليب المضللة واللعب بالحقائق هو استراتيجية الإعلام الصهيوني ومشروعه المؤقت زمنيا في تعاقب الأجيال، وبالتالي هو ذات استراتيجية الإعلام العربي المطبع معه في موالاة سخيفة يخجل منها التاريخ !

وفي خضم هذا الأمر، فإن الإعلان لدعاية المسلسل أخذ النصيب الأكبر لترويج الحبكة أكثر من الإنفاق على تسويقه، فالجدل القائم وحده دون العمل على مناهضته هو الخطأ الأكبر منا في عدم الوعي المباشر والبديهي تجاه الأمر، فإنجاحه بهذه الطريقة هو مدروس مسبقا ليلاقي صدى في مختلف الأوساط والعوالم.

وفي الحقيقة هو ترويج للإنسان اليهودي وتحسين صورته في أذهان كل النفوس الركيكة والطالعة من هذا الجيل الجديد، بأن اليهودي مسكين مضطهد في الأوساط العربية، رغم حاجتهم له، حيث تتجسد الحاجة للإنسان اليهودي بدور الممثلة “حياة الفهد”، كطبيبة مطلوبة بين الناس وهم بحاجة لها وتخدمهم بشكل إنساني، وبنفس الوقت تعاني من نبذ المجتمع لها بسبب ديانتها، وهي بريئة من عقلية عدم التعايش مع الدين اليهودي رغم عطائها وخدمتها لهم !

هي مجرد تجسيد رمزي لحكاية تاريخية مزعومة، ودلالات لا أصل لها، وبغض النظر عن الأقليات الدينية، ومنها اليهودية في مختلف البلدان بمختلف الحقب الزمنية، فالقصة هي ترويج صهيوني تسلقا على أكتاف الدين اليهودي، بل الترويج له باسم التعايش والمحبة والسلام، تعزيزا لوجوده، وتمهيدا لسيطرة توسعية أكبر لمشروع دولة إسرائيل.

فالخلاف القائم حول البروباغندا الصهيونية والترويج لها هو –بالأصل- جزء من صراعنا الفكري مع الإحتلال، وهم يعلمون بذلك حجم وعظم ما يبذلونه إعلاميا بأساليب باتت واضحة لكل من يركز نظره وعقله كأسلوب السيطرة، وإحداث الجدل، وفرض الأمر الواقع، والمباشرة والتصريح للفكرة المنوط بها، بعد أساليب الغموض، والإبهام، والمسكنة، والافتراء، والتلميح وعدم المباشرة في أي عرض إعلامي يخصهم في القرون التي مضت، وهنا نشير إلى مرحلة جديدة حرجة إن لم ندركها بسرعة فالقضية الفلسطينية أصبحت معدومة إن لم تناهض بنفس المستوى الفعلي والأدوات.

لقد نجحت إسرائيل في ترويج روايتها عبر العالم إعلاميا منذ أن بدأت الصهيونية تزرع نباتها الشائك في مشروع السيطرة العالمية، والآن هي مستمرة مع اختلاف الأساليب في تسلسل الزمن، من عالم التستر إلى عالم الجهر بأحقيتها بعد كتمانها لأساليبها الممنهجة في الخفاء سابقا.

إلى هنا أقف على عتبة نقدية للمسلسل ربما بعد انتهائه إن وُفقت في ذلك، فأما طرحي العتابي هذا لواقعنا المأزوم والمشؤوم حول ردات الفعل المكررة لذاتها بقالب نمطي بائس تجاه ما يحدث في العالم حول ما يثار بأي شأن في قضيتنا وآخرها مسلسل “أم هارون”، بدل منهجة الأساليب وفق المتغيرات الجديدة لمناهضة كل شيء دخيل أصبح واقعا في حياتنا.

فالإعلام سلاح قوي، مسخر للجميع، ومهما امتلكت رؤوس أمواله “رؤوس حكم العالم”، فالوعي في رأس العربي الحر لن يملكه سواه إذا خرج بشكل جمعي تعاوني بين الشعب والمؤسسات والحكومات، لصناعة المال الموجه من أجل مناهضة الروايات الخاطئة والمكذوبة على الأجيال.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.