دين مختارات مقالات

آيات القتال في القرآن .. غزوة بدر نموذجًا

القتال وغزوة بدر في القران الكريم

بقلم ا. محمد عبد العاطي – مصر

يتقابل قارئ القرآن الكريم مع وقائع غزوة بدر في سورة آل عمران؛ ثاني سور القرآن ترتيبا بعد سورة البقرة. وهي أول معركة في تاريخ المسلمين، وأول ذكر لموضوع الحرب والقتال في القرآن، وبعدها توالى ذكر هذا الموضوع في عديد السور بعد ذلك، وبخاصة في سورتي التوبة والأنفال. فما قصة غزوة بدر، وكيف نستفيد في عصرنا الراهن من هذه الواقعة التاريخية التي مر عليها ١٤ قرنا؟

بداية ما الفرق بين الغزوة والمعركة والسرية؟

المعركة عموما هي الحرب والقتال بين طرفين. أما الغزوة فهي معركة من حيث المفهوم العام لكنها سميت بذلك لاشتراك النبي محمد (ص) فيها قائدا ومحاربا. وأما السريَّة فهي المعركة التي أناب الرسول فيها أحدا غيره ليقود القوات المحاربة.

وخلال الفترة من ٢ إلى ٩ هجرية (مات الرسول في العام الحادي عشر من الهجرة) وقعت قرابة ٢١ غزوة، أي بمعدل غزوتين ونيّف في العام الواحد؛ منها غزوات: بدر، أحد، الخندق، بنو قريظة، بنو النضير، بنو قينقاع، بنو المصطلق، حنين، الحديبية، فتح مكة..إلى آخره.

ورغم أن الرسول لم يشترك بنفسه في غزوة مؤته التي كانت بين المسلمين ووالي البصرة التابعة آنذاك للحكم الروماني فإن المؤرخين أطلقوا عليها غزوة،ولا يُعرف بدقة سبب ذلك، غير أن بعضهم قال ربما لأهميتها حيث كانت أول مواجهة بين المسلمين والرومان.

وبالعودة إلى غزوة بدر نرى أنها وقعت على مرتين، الأولى مناوشات حاول فيها المسلمون اعتراض طريق قافلة لقريش كانت عائدة من الشام ومحملة بالبضائع، لتعويض بعض خسائرهم التي خلّفوها وراءهم بمكة أثناء هجرتهم، كما يقول بذلك من أرخوا لهذه الغزوة. وسميت تلك المناوشات ببدر الأولى، أما المعركة الحقيقية فسميت ببدر الكبرى ووصفها القرآن بيوم الفرقان (يوم التقى الجمعان). وكان ذلك بعد أقل من عامين من استقرار النبي وأتباعه في المدينة.

وكما هو شائع أيضا فقد كان عدد المقاتلين المسلمين ثلث عدد المقاتلين غير المسلمين تقريبا، حيث كانوا ٣١٤ مقاتلا على وجه التقريب، مقابل من ٩٠٠ إلى ١٠٠٠ (وربما ١٣٠٠ عند البعض).

وبدأ القتال عند بئر بالقرب من المدينة يسمى بئر بدر فاكتسبت الغزوة تسميتها منه.

وتذكر سورتي آل عمران والأنفال أن الملائكة شاركت في هذه المعركة بمهمتين؛ الأولى تثبيت قلوب المسلمين وإشعارهم بمعية الله، والثانية القتال الفعلي بضرب البنان (الأطراف) والضرب فوق الأعناق (الرؤوس والرقاب).

[آل عمران: 123-126]

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾.

[الأنفال: ١٢]

﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾.

وانتهت الغزوة بانتصار المجموعة المسلمة وهزيمة خصمها، حيث قُتل من المسلمين ١٤ ، ومن مقاتلي مكة نحو ٧٠ شخصاً، منهم زعامات كبيرة مثل أبو جهل عمرو بن هشام، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة. كما أسر المسلمون نحو سبعين آخرين، افتدوا بعضهم بالمال، وبعضهم الآخر بتعليم المسلمين القراءة والكتابة، كما صدر عفو عن أسرى آخرين فقراء ليس لديهم ما يمكّنهم من افتداء أنفسهم به. في حين تشتت بقية القوات وعادت جماعاتٍ وفرادى إلى مكة.

وكان من نتيجة هذه الغزوة، أن حصل المسلمون على غنائم كانت بمثابة دعم اقتصادي لهم بعد قرابة ١٩ شهرا في المدينة يعانون الفقر والعوز.

كما أنها لفتت أنظار ساكني شبه الجزيرة العربية ومن جاورها بوجود قوة وليدة(المسلمون)، وأنها عازمة على زيادة نفوذها وتأثيرها، خاصة تجاه المناطق الي تمر منها قوافل التجارة، مما استثار بقية القبائل التي تخشى هذه القوة وجعلها تقرر الدخول في حلف لقتالها مجددا. كان هذا الحلف مكونا من مقاتلين من مكة وقبائل أخرى ناصرتهم، ومن بين هذه القبائل قبائل وعشائر يهودية من داخل المدينة نفسها، مثل بنو قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع وغيرهم، كما كان منهم مجموعات سكانية قبلية تعيش في البوادي والفيافي المحيطة بالمدينة يسمون الأعراب، وفي مقدمهم قبيلة بنو سليم، وقد اجتمعوا في العام التالي وحاربوا المسلمين وانتصروا عليهم في غزوة أحد لأسباب كثيرة من بينها مخالفة رماة الأسهم والرماح الحارسين ظهر الجيش المسلم أوامر قائدهم، النبي محمد (ص) القاضية بعدم الهروع إلى الأسفل لجمع الغنائم ما لم يصدر إليهم أمرا بذلك، وهو ما سيأتي بيانه مفصلا في مقال آخر.

هذه إذن هي غزوة بدر الكبرى التي وقعت في ١٧ رمضان من العام الثاني للهجرة الموافق ٦٢٤ للميلاد.

وهي كما نرى اشتباك عسكري بين مجموعتين قليلي العدد جدا سواء بمقاييس ذلك الزمان أو بمقاييسنا الآن، إذ لم يتجاوز كل المقاتلين في الميدان من الطرفين ١٥٠٠ مقاتل. لكتها اكتسبت أهمية في تاريخ المسلمين لكونها أولى المعارك، وللنصر الذي حققه المىسلمون وكسبوا من ورائه اقتصاديا وسياسيا، ولتوثيق القرآن وقائع وتفاصيل ما جرى فيها، واستفاضة كتب السير والمغازي في تبيان دقائقها.

ويلفت النظر في تلك الغزوة مشاركة الملائكة في القتال ليس لتثبيت قلوب المسلمين فقط بل لقطع رؤوس وأعناق وأطراف خصومهم أيضا. وربما هي المرة الأولى والأخيرة التي نقرأ في القرآن بهذا الوضوح اشتراك الملائكة في قتال من هذا القبيل، حيث لم يرد مشاركتهم في غير ذلك من غزوات على كثرتها، بحسب ما علمي.

والحق أن قتال الملائكة ليس جديدا في البيئات الدينية، ففي العهد القديم نرى عديد المرات التي اشتركت فيها في القتال، ولعل أشهرها حينما غزا الملك الآشوري سنحاريب (705 – 681 ق.م) يهوذا والبلدات المجاورة وقتل من بني إسرائيل قرابة ٢٠٠ ألف نسمة كما نقش ذلك بنفسه على بعض المعابد والقصور، فاستغاث النبي حزقيال بالله، وطلب منه المدد والمعونة، فأرسل الله (يهوه) ملاك الرب فقتل منهم وهم عائدون إلى ديارهم ١٨٥ ألف جندي، وتحول انتصارهم إلى هزيمة:

وهنا ” صَلَّى حَزَقِيَّا أَمَامَ الرَّبِّ وَقَالَ: أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ، الْجَالِسُ فَوْقَ الْكَرُوبِيمَ، أَنْتَ هُوَ الإِلهُ وَحْدَكَ لِكُلِّ مَمَالِكِ الأَرْضِ. أَنْتَ صَنَعْتَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ. أَمِلْ يَا رَبُّ أُذُنَكَ وَاسْمَعْ. اِفْتَحْ يَا رَبُّ عَيْنَيْكَ وَانْظُرْ، وَاسْمَعْ كَلاَمَ سَنْحَارِيبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ لِيُعَيِّرَ اللهَ الْحَيَّ. وَالآنَ أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهُنَا خَلِّصْنَا مِنْ يَدِهِ، فَتَعْلَمَ مَمَالِكُ الأَرْضِ كُلُّهَا أَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ الإِلهُ وَحْدَكَ” (سفر الملوك الثاني 19: 15-19).

فأرسل إشعياء النبي، وكان معاصرا لمزقيال يطمئنه أن الله استجاب لصلاته وأرسل ملاكه وأهلك من جيش سنحاريب 185 ألفا : “وَكَانَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ خَرَجَ وَضَرَبَ مِنْ جَيْشِ أَشُّورَ مِئَةَ أَلْفٍ وَخَمْسَةً وَثَمَانِينَ أَلْفًا. وَلَمَّا بَكَّرُوا صَبَاحًا إِذَا هُمْ جَمِيعًا جُثَثٌ مَيْتَةٌ” (سفر الملوك الثاني 19: 35)

إذن من المنظور الديني فمحاربة الملائكة أمر ليس بمستغرب، وليس الملائكة فقط هي التي يمكن أن تتدخل لتغيير مسار المعركة بل لله جنود آخرين كثير يمكنه إرسالهم لفعل الأمر نفسه، من ذلك الريح التي قلبت قدور مشركي مكة واقتلعت خيامهم في غزوة الأحزاب (الخندق) في العام الخامس للهجرة ٦٢٧ للميلاد. وهي ذات الريح ما إن أشار موسى بعصاه على صفحة مياه البحر الأحمر حتى هبت وشقت الأمواج وفتحت طريقا يابسا لعبور موسى ورفاقه ناجين بأنفسهم من ملاحقة فرعون وجنوده.

ومنها الشمس التي يتدخل الله فيأمرها بعدم المغيب لحين حسم معركة تنشب بين مؤمنين وغير مؤمنين، كما حدث مع يشوع في معركته ضد الجبعونيين: ” حِينَئِذٍ كَلَّمَ يَشُوعُ يَهْوَهَ يَوْمَ أَسْلَمَ يَهْوَهُ ٱلْأَمُورِيِّينَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ،‏ وَقَالَ أَمَامَ عُيُونِ إِسْرَائِيلَ:‏ يَا شَمْسُ ٱثْبُتِي عَلَى جِبْعُونَ،‏ وَيَا قَمَرُ عَلَى مُنْخَفَضِ وَادِي أَيَّلُونَ، فَثَبَتَتِ ٱلشَّمْسُ،‏ وَوَقَفَ ٱلْقَمَرُ،‏ حَتَّى ٱنْتَقَمَتِ ٱلْأُمَّةُ مِنْ أَعْدَائِهَا. (سفر يشوع ١٠: ١٢-١٣)

وشيئ قريب من هذا حدث للنبي محمد (ص) أورده صاحب شرح الشفا في باب فيما أظهره الله للنبي من معجزات وشرفه به من الخصائص والكرامات ص ٥٩٥: لما أُسري برسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر قومه بالرفقة والعلامة التى في العير، قالوا: متى تجئ؟ قال يوم الأربعاء. فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون وقد ولَّى النهار ولم تجئ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزيد له في النهار ساعةً وحُبست عليه الشمس.

فالأمر إذن يدخل في سياق ما اعتاد الناس على تسميته معجزة وهي بالنسبه لله جنود وأدوات ووسائل، يستعملها سبحانه وفق مشيئته في الوقت والزمان الذي يحددهما، كما لا يستعملها إذا اقتضت مشيئته ذلك، ولهذا، وربما يكون ذلك هو الإسقاط الواقعي لتلك الأحداث التاريخية على زماننا الراهن؛ أننا نستعد لكسب المعارك التي تفرض علينا بكافة أنواع الاستعداد، المادي والمعنوي، ثم بعد ذلك وفي أثنائه نطلب مزيد المدد والعون من الله، فربما أرسل جندا من جنوده لمعونتنا، لا نعرف كنهه ولا طبيعته. قد يكون ملاكا وقد يكون ظاهرة طبيعية بتغيير المناخ فجأة أو بإثارة رياح وعواصف أو بتسليط وباء أو أي شيء، حيث لا يعلم جنود ربك إلا هو.

بالطبع، هذا كله حديث ذوي العقليات المؤمنة بالغيبيات أما غير المؤمنين إلا بالمحسوس فيرفضون ذلك كله، ويرجعون “كل” عوامل النصر والهزيمة إلى الحسابات البشرية الصرفة.

بقيت مسألة أخيرة قبل أن نختم حدثنا عن غزوة بدر يمكن التعبير عنها بجملة من الأسئلة وسنؤجل الجواب عليها لنهاية تدبرنا لآيات القتال في القرآن الكريم خلال هذا الشهر:

⁃ ما معنى القتال وهل هو الجهاد كما ورد في القرآن؟

⁃ متى يكون القتال مشروعا ومتى يكون جريمة؟

⁃ ما آداب الحرب والقتال في القرآن (قواعد الاشتباك)؟

⁃ هل المسلمون مأمورون شرعا بقتال غير المسلمين فإما يُسلموا أو يعطوا الجزية ويبقوا على دينهم؟ هل هذا الحكم ينطبق على من يعيشون داخل البلدان ذات الأغلبية المسلمة أم هو حكم عام يسري على غير المسلمين في قارات العالم أجمع؟

⁃ كيف نفرق بين حرب دفاعية وأخرى لأهداف سياسية دينية توسعية؟

⁃ هل غنائم المسلمين في الحروب التي خاضوها صدر الإسلام وبعده من أراض وأموال وجواري وسراري وإماء وعبيد وملك يمين .. حصلوا عليها من البلدان التي غزوها شرقا وغربا .. هل هذا يتماشى مع قيمتي العدل والرحمة التي تأسس عليهما الإسلام وحث القرآن أتباعه على إعلائهما.

هذه الأسئلة وغيرها هي ما نستصحبها ونحن نتبدر آيات القتال في القرآن خلال رحلتنا التتابعية القادمة بإذن الله.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.