أدب و تراث مقالات

طريق آخر للفرح

بقلم/ ماجد الصالح خليفات

من ثلاثة عشر عاما تقريبا، أذكر بوضوح جلسة مع صديق عزيز، قضينا خلالها ساعات طويلة في ترتيب خطة مناسبة لفريق عمل برنامج تلفزيوني، تقوم فكرته -أي البرنامج- على لمّ شمل حبيبين من بلدين مختلفين بالزواج. علما بأن البرنامج قد اختار قصّة صديقي للقاء حبيبته في بلد أوروبي. حبيبته التي تعرّف عليها قبل سنوات على جلستنا عبر موقع محادثة إلكتروني.

فقد كان مضمون القصة التي أرسلها الصديق مرفقة بطلب لمّ الشمل: بأنه يقيم في الأردن بلا جنسية، وبأن طلبه بالحصول على تأشيرة “الشنغن” للدخول إلى أوروبا قد رفض عدة مرات، وبأنها -إي حبيبته- لم تعد تطيق الحياة من دونه.. إلخ. إلا أن اعتراض فريق البرنامج كان بأنها قصة تقليدية قد عرضها سابقا وعلينا أن نحبُك شكلا مبتكرا لقصة جديدة. بالإضافة إلى إصرار الفريق على إدخال عنصر المفاجأة في الحبكة.

فكان أن خرجنا بعد تلك الجلسة بقصة تقول بأن حبيبته لا تعرف شيئا عن محاولاته المستميته للوصول إليها، ولا تعرف بأنه قرر أن يحمل شنطته على ظهره وأن يرتحل إليها ولو مشيا من عمّان إلى شرق أوروبا مرورا بدبي حيث سيلتقي في مطارها بمندوب فريق الإعداد؛ الذي سوف يسلمه التأشيرة الأوروبية، وتذكرة الرحلة، بالإضافة إلى مبلغ مالي يعينه على لأواء* السفر وسوء المنقلب إن ساءت الأمور فوق ما هي سيئة، بحسب القصة المختلقة.

وأكملنا بأنه سوف يصل إلى مطار مدينة حبيبته بلا استقبال حار، إلا من كاميرا تماشيه حيث مشى، بدء من باب الطائرة مرورا بالجوازات وإلى التاكسي الذي لم ينتبه سائقه إلى وجود (الكاميرا مان) وهو يسأل صديقي عن وجهته بابتسامة من لا يعرف شيئا عن شيء. ومن ثم ينقله إلى بيتها في ضواحي العاصمة، فيراها حبيبها من بعيد ساهية لاهية تنبش حاكورة بيت أبيها العجوز؛ بهندامها النظيف المرتب، على عادة أهل القرى في تلك البلاد الوادعة، التي تشبه بجمالها عالم السنافر.

ومن ثم ينادي عليها من بعيد باسمها الذي ينطقه بخشونة ولكنة عربية مميزة، فتأخذ الكاميرا المختبئة صورة متحركة لملامحها وهي تسمع اسمها مكسّرا، فتختلج وجنتاها وتتهتز شفتاها من الصدمة؛ فتترك الوردة التي كانت بيدها لتركض إليه… إلخ (انتو بتموتو في الكلام ده).

أعتقد بأنه لو تم القبول* لهذه القصة رغم الاستحسان الذي لاقته، لدارت الكاميرا بعد ما حدث بين أهالي المنطقة المتفاجئين حالهم حال الحبيبة التي أجادت دور الصدمة؛ فتسألهم عن شعورهم بهذا الجمع الوديع، ولسألَت والدا المحبوبة عن شعورهما، وعن وقع المفاجأة عليهما وسوف تتراوح إجابات الجميع بين غير مصدّق ومؤمن بأن القادم أجمل.

أستذكر الواقعة أعلاه للتنويه إلى أن جميع -جميع حرفيا- البرامج التي تقوم على عنصر المفاجأة والإحسان بصوره بالدرجة الأولى، هي برامج معدّة بجميع تفاصيلها مسبقا، تماما كمباريات المصارعة التي صدقناها ببلاهة ونحن صغار. وهذا لا يُقصد به اللمز إلى نوايا هذه البرامج ومقاصدها. إنما يشير بوضوح إلى أن أهدافا أخرى عديدة تقف أمام عمل الخير فيها وتجعله ثانويا.

بقي أن أقول بأن الله قد يسر لصديقي طريقا أهدأ وأكثر رسمية ومقبولية إلى حبيبته التي تزوجها منذ اثني عشرة عاما ويعيشا معا إلى الآن. بلا حاجة لإشهار تلفزيوني على رؤوس الأشهاد.

_________
*كتبنا على الورق: مشقة. وليس لأواء وسوء المنقلب ففريق الإعداد لا يريد تعقيدا على حد تعبيره.
* لم تُقبل لأن اشتراطات الموافقة على هذه الإجراءات في الدولة شرق أوروبية معقدة وطويلة.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
ماجد الصالح خليفات
ماجد الصالح خليفات؛ كاتب أردني في الموضوعات الإنسانية والأدبية، وحاصل على درجة البكالوريوس في القانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.