سياسة مختارات مقالات

أزمة المثقفون؟ أم المثقفون الأزمة؟

الكاتب السياسي مجدى منصور يكتب عن أزمة المثقفين ومثقفي الأزمة

إن العلاقة بين المثقف والأمير أو الفكر والسلطة علاقة قديمة تحكمها التجاذبات وتملى عليها الضرورات من الظروف والاستثناءات أحكامها وهناك كتابان مصريان يلمسان بجرأة وحرفية ذلك الموضوع الأول «المثقفون والسلطة في مصر» للدكتور غالى شكري ، والثاني «معركة بين الدولة والمثقفين» للصحفي والروائي فتحي غانم ، الاثنين أبناء المشروع الناصري ، فغالى كان أحد أعمدة المشروع الثقافي الناصري وكذا غانم الذى تولى رئاسة تحرير جريدة (الجمهورية) وهى المعبرة عن وجهة نظر الثورة وتنظيمها السياسي الوحيد وقتها الاتحاد الاشتراكي.

يُلقى شكري في بداية كتابه المثقفون والسلطة في مصر بقنبلته التي يضعها  في سؤال:

هل يمارس المثقفون صناعة الحلم أم شرعية الهدم؟

ثم يطرح شكري في كتابه عدد من النقاط والاسئلة:

عن علاقة النهضة بالثقافة؟ وتعريف المثقف؟ وعن ماهية الإطار المرجعي للمثقف والسلطة؟ ، كما يتحدث عن رؤى عدد من المثقفين الكبار أمثال ماكس فيبر ولوكاش وجرامشى وجان بول سارتر للثقافة والمثقفين.

ويضرب شكري أمثلة منها: “رفاعة الطهطاوي” المثقف الذى اختلف مع الدولة ولكنه لم يخرج أبداً على السلطة.

كما يتحدث عن محمد عبده المثقف الأقرب (للدولة) والأعيان و جمال الدين الأفغاني المثقف الأقرب (للثورة) والفلاحين.

ويرصد شكري بعبقرية عن لحظة (انتقال) مركز الثقل والثورة والتأثير والنفوذ فيما بعد في مصر من المؤسسة الشرعية «الأزهر» إلى المؤسسة العسكرية «الجيش» بعد خروج عرابي ورفاقه من الثكنات العسكرية للقصور الخديوية أمام توفيق.

لحظة انتقال مركز الثقل من المؤسسة الشرعية (الأزهر) للمؤسسة العسكرية (الجيش)

إن شكري في كتابه الرائع يربط بحرفية عالية تاريخ مصر من خلال العلاقة بين المثقف والحاكم بين الفكرة و السلطة بين الحرية الطليقة والزنزانة السحيقة بين قلم المثقف وإسار السجان بين الكلمة والرصاصة بين القوة و المعرفة. بين (رفاعة الطهطاوي و زكى مبارك و عبدالله النديم و محمد عبده و جمال الدين الأفغاني ، على عبد الرازق وأحمد لطفى السيد و قاسم أمين و طه حسين و عباس محمود العقاد و توفيق الحكيم و محمد حسنين هيكل) وبين (محمد على باشا و الخديوي إسماعيل و الخديوي توفيق و الخديوي عباس حلمي والسلطان حسين كامل و السلطان فؤاد والملك فاروق  وسعد زغلول ومصطفى النحاس وجمال عبد الناصر وأنور السادات).

ويصف شكري نتيجة جهد كلاً من المثقف الإصلاحي من داخل السلطة والمثقف الثوري من خارجها فيقول:

«إن المثقفون من داخل السلطة يحاولون الاصلاح ، ومن خارجها يحاولون الثورة. وفى الحالتين تنتهى محاولاتهم عند حائط الاعدام أو المنفى أو السجن».

وهو بعد ذلك يقيم حوارات مع عدد من الشخصيات في مطبخ السلطة ورجال الشارع السياسي مثل: فتحي رضوان ، خالد محيى الدين ، على صبري ، توفيق الحكيم ، لويس عوض ، زكى نجيب محمود.

وهو بعد الحوار يُحلل موقف كُلاً منهم على ضوء الحوار ، فيقول بعد حواره مع أحد أعمدة النظام الناصري السيد على صبري (رئيس الوزراء الأسبق).

«إن على صبري أراد أن يخرج من صيغة العسكري البرجماتى لينتسب لصيغة المثقف الداعية».

ويضيف د. غالى شكري تعليقاً ووصفاً له دلالة ومعنى حينما يضيف:

«هكذا يصبح المثقف الثوري في هذا الهيكل قناعاً لرجل الأمن ، وظيفته ليست ابداع الثورة ، بل إكساب سلطة الدولة شرعية الأيديولوجية الواحدة والتنظيم الواحد. ولا سبيل لذلك بغير القمع».

على صبري (رئيس وزراء مصر الأسبق)

وهو يصف د. لويس عوض بعد حواره معه:

« بأنه من الصعب أن نجد عند لويس صياغة متسقة لأفكاره السياسية والاجتماعية». ويعلل شكري ذلك بقوله: « ربما لأنه فنان أراد ارتداء قناع المفكر». 

لويس عوض 1915 – 1990 مفكر ومؤلف مصري ولد في المنيا عام 1915. حصل على دكتوراة في الأدب من جامعة بريستن عام 1953، وعمل مدرسا مساعدا للأدب الإنجليزي ثم مدرسا ثم أستاذا مساعدا في قسم اللغة الإنجليزية، كلية الآداب، جامعة القاهرة (1940 – 1954م) ثم رئيس قسم اللغة الإنجليزية، عام 1954م وقام بالأشراف على القسم الأدبي بجريدة الجمهورية عام 1953م.

ثم يتحدث شكري عن الفرق بين المصطلحات في عهد عبد الناصر وعهد خلفه أنور السادات فيقول:

«إن شعار الوطنية المصرية قد انتقل في ظل أنور السادات من أيدي أطراف الحركة الوطنية المصرية إلى أيدى أعداءها ، وشعار (مصر للمصريين) الذى كان يرفعه المناضلون ضد الاحتلال الأجنبي ، وكان مقصدهم من (المصرية) نفى الهيمنة الاستعمارية العسكرية كانت أو سياسية أو اقتصادية.

أما في ظل أنور السادات فإن الشعار القديم يُطل على استيحاء مرفوعاً ضد الانتماء المصري للوطن العربي. هو نفسه يرتفع بأيدي من يفتحون الأبواب للهيمنة الأجنبية الاستعمارية على مصر.

لقد اختلف السياق فانعكس مضمون الشعار ، وبعدما كان مقصوده نفى التبعية للاستعمار صار مقصوده نفى الانتماء العربي عن مصر».

أما الكتاب الثاني معركة بين الدولة والمثقفين لفتحي غانم ، يتحدث فيه فتحي غانم بأسلوب الروائي عن مجموعة مشاهدات له عن المناخ الثقافي والسياسي من خلال تواجده فى بلاط صاحبة الجلالة(الصحافة)  في عصر عبد الناصر والسادات.

فيبدأ كتابه بنكتة يقول أن مطلقتها هي كوكب الشرق أم كلثوم في أوائل ثورة يوليو1952:

«كانت النكتة المشهورة التي أطلقتها أم كلثوم: أنها تنصح أي أب حريص على مستقبل ابنه أن يسعى لإدخاله الكلية الحربية ، وسيتخرج بعدها الطالب ويعمل في أي عمل يشاء طبيباً جراحاً، أو مهندساً، أو مدير بنك ، أو كاتباً أو رئيس تحرير ، أو قاضياً يصدر الأحكام على الناس»!!

فاطمة بنت الشيخ المؤذن إبراهيم السيد البلتاجي وتعرف أيضاً بكُنيتها المشهورة أُم كَلثوم، تُعرف بعدة ألقاب منها: ثومة، الجامعة العربية، الست، سيدة الغناء العربي، شمس الأصيل، صاحبة العصمة، كوكب الشرق، قيثارة الشرق، فنانة الشعب. ولدت في محافظة الدقهلية بالخديوية المصرية في 4 مايو 1908م، وتوفيت في القاهرة بعد معاناة مع المرض في 3 فبراير 1975م.

ويضيف أما مجلة روزا اليوسف بعد قيام الثورة كانت لها أسلوبها في التهكم على فكرة قيام العسكريين بكل مهام البناء ، فعندما كان يرُد العسكريين بأن هناك مدنيين ومثقفين داخل السلطة والحكم من غير ضباط الجيش مثل الشيخ أحمد حسن الباقوري. كانت روزا اليوسف تقول أن اسمه أ.ح  الباقوري ، أي (أركان حرب الباقوري)!! ولهذا شارك معهم في الوزارة.

ثم يستشهد فتحي غانم بمقولة ابن خلدون «إن قيام الدولة يبدا بالسيف فاذا قامت الدولة انطلق البناء بالقلم وتراجع السيف».

ثم يتحدث عن مشاهداته للرقابة في العهد الناصري فيصف الرقيب «بالرجل الخائف» ، ويتكلم عن النكات التي سمعها الصحفيين (أمثال محمد التابعى و مصطفى امين ومحمد حسنين هيكل) من الرئيس عبدالناصر كدلالة على اهتمام الرئيس عبد الناصر بمعرفة كل كبيرة وصغيرة في البلد.

وهو يصول ويجول في كُتيبه عن مشاهداته فى بلاط صاحبة الجلالة (الصحافة) في العهد الناصري خلاصته أن الأمن كان طاغياً في ذلك الوقت ، وتحديداً في الفصل الخامس بعنوان (تاهت الحرية بين اليسار واليمين والإخوان).

ثم يشرح غانم بأسلوبه الأدبي رؤى الاشتراكية عند الصحفيين الكبار وقتها وعند التيارات الموجودة فيقول:

«الاشتراكية عند أحمد بهاء الدين هي علميه ، وعند احسان عبد القدوس موقف من السلطة وتأييدها كصاحب خبره في السياسة ، و عند مصطفى وعلى أمين خطر داهم ، وعند محمد حسنين هيكل طريق جديد مفتوح سوف يكون أول من يحمل أخباره إلى القارئ بتفسيراته وشروحه الصحيحة ، و الاشتراكية عند أغلب الشيوعيين بونابرتية تعبر عن طموح وجموح فردى لعبد الناصر وهي عند أخرين رأس مالية دولة ، وهي عند الاخوان المسلمين انحراف عن الصراط المستقيم».

ثم يروى غانم واقعة حدثت له بعد نكسة يونيو فيقول:

في 19 يونيو١٩٦٧ نشرت مقال في جريدة الجمهورية بقلم الأستاذ سعد الخيال بعنوان (القوات المسلحة والعلاج الجذري) جاء فيه:

قواتنا في موقف بالغ التعقيد بعد أن ضمن العدو لنفسه التفوق بل التفرد في الجو منذ البداية ، والجيش نفسه لا يمكن أن يلام على ما حدث بل على العكس فإننا ندرك موقفه البالغ الصعوبة والمتاعب والآلام المادية والمعنوية التي احتملها.

وحذار أن نقول أن المسألة مسألة أشخاص يخلفون أشخاصاً.

ثم هاجم الأستاذ سعد الخيال نظرية أن الجيش هو الشعب منظماً ، والتي على أساسها تكررت عمليات الاستعانة برجال الجيش في نواحي الحياة المدنية.

هذه النظرية أدت إلى تسرب الحياة المدنية بأساليبها وسلوكها وتطلعاتها إلى الجيش مما أضعف الحدود الفاصلة بين ما هو عسكري وما هو مدنى ، وصرف كثيراً من الاهتمام إلى مجالات أخرى ، حتى أصبح القفز إلى هذه المجالات ينازع روح التخصص العسكري.

ويضيف الخيال قائلاً: إن نذر الحياة للجيش ، والبطل المحارب الذى يستعذب التضحية ويحتضن الواجب العسكري. والحرب هي أشق ما يحتمله الإنسان ، والتنعم آفة المحارب ، والامتيازات هي كالسوس توهن قوة الاحتمال ، وتنمى روح المحافظة بدلاً من الروح الثورية.

ثم ختم سعيد الخيال مقاله قائلاً:

إن النفوس مهيأة ، وعزيمة الشعب حديد ، والظروف ملحة في وجوب سرعة العلاج الجذري مع الحكومة وأمل الشعب معقود على قائده جمال عبد الناصر.

ويكمل غانم قائلاً:

وصباح يوم صدور الجمهورية كان منير حافظ (مدير مكتب سامى شرف) يتصل بي من مكتب سامى شرف (مدير مكتب الرئيس للمعلومات ووزير شئون رئاسة الجمهورية بعدها) ليطمئن على قواي العقلية ، إذ كيف أسمح بنشر مقال كهذا؟ ، ويضيف: الا تعلم أن مائة لمبة حمراء قد أضاءت في مائة مكتب تدرس نتائج هذا المقال وتأثيره في مواقع كثيرة؟

ويعلق غانم على كلام منير حافظ:

لقد كان يتحدث عن الأمن لأنه أهم بكثير من الوصول إلى فهم ما حدث ، أو مناقشة الهزيمة ، وإذا كان لابد من دراسة ، فليس أمام الجماهير وبعيداً عن العقول المصرية خارج نطاق الأمن وسيطرته.

ويضيف:

وجاء العصر ليتصل بي محمد حسنين هيكل (رئيس مجلس ادارة وتحرير جريدة الأهرام وقتها) ليقول لي نفس ما قاله منير حافظ ، ويضيف بلهجة ساخرة: «أنى المسئول عن سيف الرقابة الذى هبط على الصحافة من جديد»!

ولأن الصحفي فتحي لا يستطيع أن يبتعد عن الأديب غانم! ، فهو يصف الأجواء وقتها ويجسمها بذكر مشهد من روايته (تلك الأيام) الذى نشرها عام 1962 فيقول:

تذكرت ما كتبته في رواية تلك الأيام ، وفيها شخصية أستاذ التاريخ سالم عبيد والذى كان عضواً في لجنة كتابة الميثاق الوطني يراجع في خواطره حديث استاذه في جامعة السوربون مسيو لافارج ، وهو يقول له:

«إن بلدك أضعف من أن يتحمل الحقيقة. إن كل ما تستطيع أن تفعله هو أن تدرس تفاصيل الأحداث ، ثم تقف في قاعة المحاضرات بجامعة القاهرة لتختار التفاصيل المناسبة اللائقة وتسردها أمام الطلبة .. لا شيء أكثر من هذا يا عزيزي.. أو السجن.. نصف الحقيقة وتحيا .. كل الحقيقة والمقصلة يا عزيزي»

ثم يورد فتحي غانم بعين الأديب مشهد له دلالة ومعنى لمن يبتعد عن السطح و يدقق ويغوص في العمق ، فهو يقول:

أنه بعد بيان 30 مارس1968 جرت انتخابات جديدة للجنة التنفيذية العليا ، وحصل على صبري على أعلى الأصوات وكان هذا يؤهله لأن يرأس اللجنة السياسية ، وفوجئت بأنور السادات يتصل بي ويطلب أن تقف الصحافة إلى جانبه ، وكان يشكو من أن الأهرام والأخبار تتعمدان اهمال أخباره. وطالب السادات من الجمهورية أن تهتم باجتماع اللجنة السياسية ، وقال انه يريد ان نستعد بمصور لأنه سوف يُبكر في الحضور إلى قاعة الاجتماع ويجلس في مقعد الرئيس ، وعندما يأتي الأخرون ومن بينهم على صبري سيضطرون إلى الجلوس على المائدة من حوله ، وبذلك تصبح قضية اختيار أو انتخاب رئيس للجلسة ثم رئيس للجنة السياسية محسومة بالأمر الواقع!!

عصر أنور السادات

و من الفصل العاشر يتحدث الكاتب عن عهد أنور السادات بعنوان: (الرقابة على طريقة السادات) وفي بدايته يتحدث عن الصراع بين الصحافة والسياسة وعن الكاتب الأول للنظام الناصري الأستاذ محمد حسنين هيكل، فيقول:

أنه في بداية عهد السادات كان سؤال الوسط الصحفي هل سيظل الأهرام ومحمد حسنين هيكل متفرد ومحتكر لأخبار الدولة المصرية أم سيتغير الحال مع الرئيس الجديد؟ كما لاحظ الجميع في الوسط الصحفي أن هناك معارضة لموقف هيكل الذى أعلنه في مقالاته في الأهرام عن ضرورة تحييد أمريكا في الصراع العربي الإسرائيلي.

ويكمل غانم : أنه تصدى لمقالات هيكل في الجمهورية ، كما جاءه عدد كبير من رجال التنظيم الطليعي يطلبون نشر مقالاتهم في الجمهورية وكان في مقدمتهم الدكتور فوزى منصور ، ودكتور إبراهيم سعد الدين و دكتور لبيب شقير وصبري مبدى. وجميعهم يهاجمون هيكل ، ولم يتدخل الرقيب لمنع أي مقال يهاجم هيكل. وبدا للقارئ أن الهجوم على هيكل كاتب عبد الناصر الأول أمر مثير للدهشة ، وله دلالته على أن مناخاً جديداً يسود البلاد.

وفى واقعة ثانية يقول غانم:

أنه في اجتماع لرؤساء مجالس ادارات الصحف دعاء اليه ضياء الدين داود  ووصلت متأخراً فوجدت هيكل يجلس بالقرب من الباب عند طرف المائدة الطويلة التي يجلس في طرفها الآخر ضياء الدين داود ، وجلست بجوار هيكل ، وهمس وملامح وجهه تفيض بالسخرية: هل صحيح أن ميزانية الإعلانات تصل إلى خمسة وعشرين مليون جنيه ، ما هو الرقم عندك في الاعلانات المصرية؟ قلت له مليون ونصف المليون. فقال بضيق: إنهم يرددون كلاماً غير صحيح ، ويذكرون أرقاماً لا صلة لها بالواقع.

وفى اجتماع أخر ، قال لي وهو خارج كلمات قاسية عن ذلك الذى يحدث في هذه الاجتماعات ، وكان واضحاَ أنه يعترض على ما يقال ويرى أنه كلام لا صلة له بالصحافة أو الاعلام أو السياسة. ونقل لي الإحساس بأن الصراع قائم ويوشك أن يُكشر عن أنيابه ، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة المكاشفة التي تجعل هيكل يقاطع هذه الاجتماعات ، وكان حضوره ومشاركته في اجتماعات الاتحاد الاشتراكي تعنى ان الظروف تغيرت ، فلم تعد القرارات تصدر من الرئاسة ويعرف بها هيكل قبل غيره.

ويكمل غانم فيقول:

بعدها بعدة أيام اتصل بي سامى شرف وقال لي أن السادات يطلب منى ايقاف نشر مقالات أعضاء التنظيم الطليعي وكذا مقالات على صبري ولبيب شقير وصبري مبدى.

وفجأة وبلا مقدمات ظهرت الرقابة صارمة حازمة مع تعليمات وتحذيرات لا لبس فيها من سامى شرف الا أخبر أحداً بأن تلك تعليمات الرئيس!!

وفى مكان أخر يقول غانم بآسي بالغ:

لقد طبق السادات «استراتيجية الأمن فوق الرأي» ، وهو يقول أن الدكتور محمد حسن الزيات سأله عن تفاصيل رحلته في موسكو وأنه عندما علم منه أن بعض المسئولين السوفييت قالوا له أنكم يجب أن تعتمدوا على أنفسكم ، اندهش وقال : «لو صح هذا .. فالبلد سيحكمها المشايخ»!!

ويعلق غانم على مقولة الزيات فيقول: إنني أسجل هذه الكلمة على مسئوليتي ، وإن كنت لا أعرف مدى علمه بخطة السادات عندما استخدم الدين في السياسة لضرب خصومه من اليسار عامة والناصريين خاصة.

السادات يُقيل غانم من الجمهورية

وبعد فترة قليلة استدعى وزير الاعلام الجديد د. عبدالقادر حاتم فتحي غانم ليقول له بلهجة رقيقة أن الظروف السياسية اليوم تقتضى أن يترك غانم رئاسة مجلس ادارة وتحرير الجمهورية.

الرقابة على طريقة السادات!

ويكمل غانم بمرارة: بعد عدة أيام على تركى لموقعي أرسلت مقالة للجريدة التي كنت أتراسها ، وبعد يوم جاءني في الليل بعض العمال ومعهم بروفة المقال ، وما زلت أحتفظ بها. وقالوا لي:

«عرفنا أنهم اخبروك أن العمال رفضوا جمع المقال ، وهذا كذب. ها هو المقال تم جمعه وتصحيحه. لكنهم يمنعون النشر ولا يريدون الاعتراف بذلك».

ويعلق فتحي غانم على كلمات العمال:

«ابتسمت. كنت أعلم أن هذه هي الرقابة على طريقة السادات».

ويقول غانم قبل الختام أنه بعد حرب أكتوبر حاول عبدالرحمن الشرقاوي وكان أصبح المسئول عن روزا اليوسف أن يعيدني على مسئوليته ، ويكمل غانم بمزيج من الآسي والشجن:

« ولكن ثبُت أن ما يستطيع كاتب أن يفعله على مسئوليته في عهد عبد الناصر لا يستطيع أن يفعله أحد على مسئوليته في عهد السادات فقد فشل الشرقاوي في محاولته». 

ويختتم غانم فصول كتابه بفصل عنونه ب: أسئلة الثلاثين عاماً ، قال فيه:

«تتلخص تجربتي ككاتب في عهدي عبد الناصر والسادات في أن السلطة السياسية كانت تتعامل مع حرية التعبير باستراتيجية محددة ، وهى أن الأمن أهم من الثقافة ، وحماية النظام تبرر تقييد الحوار ، وإن اختلف أسلوب التعامل من عهد عبد الناصر إلى عهد السادات».

ويضيف غانم في موضع أخر قائلاً:

«إن استراتيجية الأمن لا تحقق أمناً إذا ما كانت قيداً على حرية الرأي ، وإذا تدخلت في حوار المثقفين لتفرض عليه مساراً معيناً يرضى عنه النظام أو يرتاح له الحاكم ، وأسبقية الأمن على حرية الفكر لم تحقق الأمن للنظام الناصري في يونيو67 ، ولم يتحقق الأمن للحاكم في المنصة  أكتوبر1981»

ويختتم غانم كتابه بالقول:

«إن استراتيجية الأمن وحده قد أفلست منذ سنوات وماتت دون أن يُعلن أحد وفاتها ، بينما الأحداث تؤكد كل يوم أن نور العقل هو الوحيد القادر على فتح طريق السلامة أمامنا ، وبغير العقل نمضى في طريق الندامة. إن أجهزة الأمن لا تحمى الثقافة ولا تصنعها ، والأمن القادر على تأدية وظائفه يحتاج إلى الثقافة ترشده وتُنير له الطريق».

وأخيراً فإن تحولات السلطة وتحولات المثقف لا تتوقف ، وأعيد طرح سؤال د. غالى شكري من جديد:

هل يمارس المثقفون صناعة الحلم أم شرعية الهدم؟

وأضيف عليه سؤال من عندي: هل يمارس الحكام من خلال السلطة خلق المشروع أم هواية اغتيال الحلم؟

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.