اجتماع تنمية مجتمع مختارات مقالات

المبادرات المجتمعية في ظل الأزمات

النهج الإنساني والمسؤولية الأخلاقية والروح الإيجابية للمبادرات المجتمعية خلال أوقات الأزمات

إعداد/ د. محمد عوض شبير
دكتوراه الإدارة التربوية

يُجمع علماء الاجتماع على أن الإنسان مدني بطبعه أي لا يمكنه العيش بمعزل عن بقية بني البشر حيث يعيش في جماعات يؤثر ويتأثر، يألف ويُؤلف، يُغير ويتغير بناءً على عملية التطبيع الاجتماعي التي يعيشها داخل جماعته البشرية، وتحتوي عملية التطبيع الاجتماعي على سياقات ثقافية مختلفة ترتبط بفلسفة تلك الجماعات، إلا أن هناك ثمة اجماع لدى كل الجماعات على أن الإنسان لابد وأن يكون خَير وإيجابي في الظروف الاستثنائية التي تعيشها تلك الجماعة والتي قد تهدد كينونة تلك الجماعات، وقد باتت تُعرف تلك الظروف الاستثنائية (بالأزمات) كمصطلح وارد من علوم الإدارة الحديثة حيث تم اسقاطه على ما تعانيه الدول والمجتمعات من مشكلات مفاجئة تتهدد تلك المجتمعات، وقد تختلف مصادر تلك الأزمات فقد تكون من مصادرها طبيعية كالزلازل والبراكين والأوبئة، أو من صُنع البشر كالحروب والنزاعات.

وأيٍ كانت مصادر تلك الأزمات فإن مواجهتها تتطلب تكاتف الجميع، وتضافر الجهود، والتعاون بين مختلف الأُطر المجتمعية والمؤسساتية الرسمية منها وشبه الرسمية لمواجهة تلك المخاطر المحدقة بالمجتمعات.

وتكشف الأزمات دوماً عن المعدن النفيس للمجتمعات والروح الإيجابية لأفراد هذه المجتمعات عبر التدخلات التي يقوم بها أفراد هذا المجتمع لحماية أنفسهم وقت الأزمات. وقد أُصطلح حديثاً على تلك التدخلات بمفهوم (المبادرات المجتمعية) والتي تُشكل في مضمونها عملية متعددة الجوانب تُفضي في نهاية المطاف إلى تشكيل حماية آنية، ودرع واقي للمجتمع من خطر الظروف الصعبة والتي قد ينشأ عنها خسائر بشرية أو مادية.

وفي السرد التاريخي للموروث الثقافي للمجتمعات نجد أن المبادرات والسلوك المبادر يرتبط بروح التطوع لدى أبناء المجتمعات حيث تُعتبر قيم التطوع قيم إنسانية أصيلة تُمارس من خلال الاحساس الإنساني بالمسؤولية الأخلاقية لأفراد المجتمع تجاه بعضهم وتجاه مجتمعاتهم، وهي قيم نبيلة ذات دلالات إيجابية حيث نرى أن مبدأ (الفزعة) أو (العونة) هو عادة مجتمعية قديمة مارسها الأجداد وتوارثها الأبناء حتى يومنا هذا فيذهبون بشكل فردي أو جماعي لتقديم المعونة والمساعدة لمن يحتاجها من أبناء القرية سواء في وقت الحصاد وجمع الثمار، أو في وقت المحن والخوف، وهذا يُعبر عن مدى التضامن الاجتماعي والإنساني بين أفراد المجتمع وكذلك التكافل الاجتماعي والروح التشاركية في مواجهة الظروف بمختلف أبعادها.

وبالانتقال إلى يومنا هذا نرى أن العالم اليوم يقف بشكل جماعي ودون استثناء أمام جائحة كورونا (كوفيد19) ذلك الخطر الذي بات يتهدد كل دول العالم بخطورته القاتلة، ومواجهته الصعبة، فقد فرض على دول العالم ظروفاً استثنائية كادت تنهار معها مجتمعات تتسم بالهشاشة حيث إنها غير مهيأة لمواجهة تلك الكوارث وهذا النوع من الأوبئة نظراً لضُعف امكانياتها، وقلة جهوزيتها للتعامل مع تلك الظروف الطارئة والخطرة.

ولكن الحس الإنساني على المستوى الدولي، والمجتمعي دفع بالكثير للتدخل الإنساني عبر المبادرات المجتمعية للتخفيف من آثار ذلك الخطر عبر تقديم الخدمات للناس والتي تمثلت في شكل مبادرات مجتمعية مثل المبادرات المتعلقة بـ: الخدمات الصحية، والخدمات التعليمية، وتقديم المعونات الغذائية، وخدمات التعليم والدعم النفسي، وخدمات التوعية والتثقيف، ورعاية كبار السن، وحماية المرافق العامة، وخدمات النظافة العامة وصيانة البيئة، ومساعدة الأسر الفقيرة.

وتكشف هذه المبادرات عن قيم الاحساس بالآخرين في ظروفهم الصعبة، والأدوار الأخلاقية الإنسانية للفرد تجاه مجتمعه الصغير والمجتمع الإنساني الكبير، ولكون الكوارث الطبيعية لا تعترف بالحدود الجغرافية، والتقسيمات السياسية فإن مواجهة تلك الكوارث يتطلب التضامن الدولي عبر مبادرات إنسانية دولية بعيداً عن الخلافات والنزاعات السياسية والاهتمام بصورة جماعية بمواجهة ما يتهدد العالم من مخاطر، وهو ما يُعرف حالياً (بدبلوماسية الكوارث) حيث تطرح دول العالم خلافاتها جانباً، وتتضامن بشكل جماعي في مبادرات دولية للوقاية من آثار تلك الأزمات والكوارث.

و تعكس المبادرات المجتمعية الإدراك الحقيقي للدور المجتمعي لفئة الشباب والمتطوعين المبادرين في مساعدة مجتمعاتهم على الوقاية من خطر الأزمات، وكذلك الاستثمار في قدرات وطاقات هؤلاء الشباب كونهم الأقدر على العطاء في الظروف الصعبة، حيث يشكلون خط دفاع متقدم في المبادرات المجتمعية، ويساهمون مساهمة فاعلة في حماية مجتمعاتهم وبنائها، ومشاركين في إدارة الأزمات ومعالجة آثارها، ويأتي هذا كله بدافع من الإيمان العميق للشباب بقيم العمل المشترك والتعاون ومساعدة الآخرين وهي كلها مبادئ أصيلة لثقافة التطوع النابعة من صميم الموروث الثقافي، والديني للمجتمعات الإنسانية.

ولكي نستطيع التعامل بصورة مهنية مع المبادرات المجتمعية بحيث تكون فاعلة وتؤتي أُوكلها بشكل سليم ينبغي الاستثمار في هذه المبادرات عبر بناء أجهزة مجتمعية حاضنة للمبادرات المجتمعية لتُشكل جهاز اسناد للجهود الرسمية الحكومية وقت الأزمات، كما يتطلب الأمر زيادة الوعي لدى الشباب بأهمية دورهم الفاعل في زمن الخطر بحيث يكونوا فاعلين وإيجابيين تجاه مجتمعاتهم بشكل دائم من خلال تحمل مسؤولياتهم ورفع جاهزيتهم من أجل حماية المجتمع ووقايته من الأخطار، وكذلك تأهيل المبادرين من أفراد المجتمع للتعامل مع الظروف الصعبة وأي تحديات مستقبلية عبر تدريب المبادرين من الشباب والمتطوعين بالصورة التي تراكم من خبراتهم، وتُصقل مهاراتهم، وتزيد من قدراتهم على الوقوف أمام تلك التحديات، وهذا يتطلب من كافة المؤسسات وأجهزة الدولة جعل المبادرات والسلوك المبادر ممارسة أخلاقية لكافة أفراد المجتمع بحيث لا تتوقف تلك السلوكيات المبادرة على ظروف الأزمات فحسب بل يتعدى هذا الأمر لأن يُصبح ممارسة حياتية يومية لأفراد المجتمع يؤمن بها الجميع بدافع من المسؤولية الأخلاقية تجاه المجتمع، وكذلك الإيمان الحقيقي لكل فرد في المجتمع أنه مناط به أدوار مجتمعية لابد أن يقوم بها لحماية مجتمعه.

وختاماً:

فإننا نرى أنه في ظل الأزمات والظروف الاستثنائية تقل المسافة بين الفرد ومحيطه الاجتماعي وذلك لأن مصير الفرد يرتبط ارتباط وثيق بمصير الجماعة التي يعيش معها فيظهر الاحساس الجمعي والتعاوني للأفراد داخل المجتمع الذي يعاني من مخاطر تتهدده، لذلك يسلك أفراد المجتمع مسارات تخفف من مخاوفهم للحفاظ على حالة التوازن والاستقرار النفسي من خلال بث مشاعر الطمأنينة والأمل والتفاؤل لدى الناس، والظهور بمظهر يدعو لاستمرار الحياة عبر تنفيذ المبادرات المجتمعية التي تُسهم في الحفاظ على استمرار الحياة، وعليه فإن المبادرات المجتمعية في ظل الأزمات تُعبر بشكل صريح عن النهج الإنساني السليم، والمسؤولية الأخلاقية، والروح الإيجابية للمجتمع وأفراده تجاه بعضهم البعض.

ولعل أهم تلك المبادرات بمختلف مجالات اختصاصها هي التي ينعكس خيرها على المجتمعات المنفذة فيها تلك المبادرات، وتستطيع تقدّيم قيمة مضافة في إطار الخدمة المجتمعية، وكذلك تقدم حلولاً مبتكرة وإضافات مبدعة للمشاكل التي تعاني منها هذه المجتمعات أو التحديات التي تواجهها.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.