أدب و تراث مختارات مقالات

البروفيسور الاسطة يكتب عن الست كورونا وسواقو العمومي

الست كورونا وسواقو العمومي

بقلم ا.د. عادل الاسطة

لم أخرج هذا النهار من البيت ، لا لأنني قررت أن ألتزم التزاما تاما بنصائح الحكومة منذ بداية الحجر الصحي ، ولا نزولا عند رغبة المغنية فيروز ” خليك بالبيت ” ، ولا نتيجة لكسل ألم بي ، فمنذ الصباح المبكر مارست طقوسي اليومية منذ بداية نيسان وهي شطف الدرج والساحة والجلوس فيها ، فقد كان الجو اليوم مناسبا للتعرض للشمس ، وإنما لأنني رغبت اليوم في تنظيف شبابيك الشقة التي تبدو ، بسبب الأمطار والغبار لأشهر خلت ، متسخة ، والنظافة من الإيمان ، فكيف إذا كنا في شهر رمضان – الجلوس في البيت يريحني من السؤال المتكرر الملح :

– هل أنت صائم ؟

وهو سؤال يحل في رمضان محل السؤال التقليدي :
– هل تؤمن بالله ؟
أو محل السؤال :
– هل تتزكى ؟

علما بأن السؤال الأخير يتخذ في الشهر الفضيل صيغة أخرى :
– لا تنسانا يا أستاذ !

اليوم نظفت الشبابيك ومسحت الصالون بعد أن ضببت السجاد الذي نادرا ما يتسخ ونادرا ما أرسله للغسيل ، فأنا أكنسه من الغبار بطريقة تنظفه مما علق به وتراكم عليه .

جلوسي في البيت حال دون الإصغاء للسواقين والتحاور معهم ، وهذه العادة عموما تقلصت منذ حوالي أربعين يوما بسبب الإغلاق وتقلص معها وقل تدويني لأحاديث الحافلة التي كثرت في كتاباتي .
مرات قليلة خلال الأربعين يوما أتيت على أحاديث السواقين ، فالمرات التي صعدت فيها معهم لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة .
السواقون في هذه الأيام يشعرون بالملل والضجر ويشكون قلة ما في اليد ، فعدا أنهم مكثوا أكثر من شهر في البيت ، وهذا ما لم يعتادوه ، بالكاد يلتقطون راكبا من هنا وثانيا من هناك ، وإذا ما عثروا على راكب ثالث فإنهم يترددون في حمله خوفا من الشرطة . سيارات العمومي التي يصل سعرها إلى ٧٠ ألف دينار أردني غدت مجرد حديد لا تسمن ولا تغني من جوع .
هل ستعتبر السلطة الفلسطينية سواقي تكسيات العمومي عمال مياومات ، وهم كذلك ، أم أنها لن تنظر إليهم كذلك ؟
كان أبي سائقا وقد احترف هذه المهنة حوالي خمسين عاما ، وكانت مهنة السائق مهنة ملوكية ، ولهذا لقب أبي ب ” الملك ” وكان هناك ، في مخيمنا ؛ مخيم عسكر القديم ، ملكان آخران ؛ سائق وعامل نظافة و …
” وإنما الناس بالملوك ” قال المتنبي ، وما تفلح عرب ملوكها .. الخ .
اليوم كان لي يوما منزليا بامتياز ، فلم تكن الكورونا هي الست وحسب . أنا أيضا كنت ” ست منزل ” !!
لا جديد على ما يبدو !

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
عادل الاسطة
أستاذ دكتور متقاعد، كان يعمل في قسم اللغة العربية بجامعة النجاح الوطنية في فلسطين منذ 2002م، وحاصل على درجة الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة بامبرغ/المانيا في العام 1991م، يكتب في الأدب في مواقع مختلفة، وله زاوية أسبوعية في جريدة الايام الفلسطينية منذ تأسيسها. صدر له 14 كتابا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.