أدب و تراث مختارات مقالات

بائع الكتب

الأستاذ مصطفى رحمة يكتب عن بائع الكتب 

مكتبة مدبولي كنت أتردد عليها كلما احتجت لكتاب أو رواية بأغلب زياراتي لمصر، وقبل أن يقيموا معرضهم الأول بأبوظبي حيث كنت أعمل بالصحافة بها، وهذا ما سأقصه لاحقاً.

فقبل عقدين تقريبا، كان الحاج مدبولي الرجل الذي يُحكَى عنه، لتميّزه كبائع كتب، حتى أحدث نقلة بعلاقة المكتبة والبائع وقارئ الكتب، كذلك علاقته بأغلب مثقفي مصر ومواقفه السياسية التقدمية، نال بسببهما شهرة داخل وخارج مصر، رغم إنه لم يغشى مدرسة حسبما صرح من قبل، ولأنه عصامي بدأ حياته من تحت الصفر، إلى أن أصبح مؤسسة، كنت أأخذ عليه فقط خياراته لأغلفة الكتب والروايات، فكانت تأتي غير متوافقة والنص الموجود داخلها !

زرتها مؤخراً بعد طول غياب، المكتبة مازالت على عهدها بالشكل الذي تركها عليه الحاج مدبولي، لكن المتغيّر هو في شكل وأسلوب الباعة، فمنهم من لم يبارح المكان منذ أن كان الحاج موجود، وأن ظهرت عليهم علائم السنوات كما نحن جميعاً، ولكن تبدّلت طبائعهم، دخلت المكتبة فلم يبادرني أحد بسؤال عما أريده من كتب، ولم يكترث أحدهم لوجودي، يشعرونك ببرودة بالمكان، رغم ماتحمله الكتب من دفئ وحميمية، يجلس أحدهم ساهما شاخصا كما المهموم، وعدد منهم يتبادلون أحاديث بصوت مسموع على سلالم تفضي إلى ممر به كتُب، سألت عن كتاب علم الأخلاق لسبينوزا، ذهب وجاءني بعد مرور وقت، وبيديه ثلاث كتب بعنوانين آخرى لنفس المؤلف، بادرته بأن قلت ليس هذا ما أردت، بدا متذمرا، سألت عن كتاب آخر فسأل زملائه الذين اجابوه بالنفي !

ما أخذته على الباعة هناك ومنذ وقت ليس بالقليل اهتمامهم بزائريهم من دول الخليج، السعوديين تحديدا أيام كان لديهم رغبة في قراءة صحيحة لتاريخ دولتهم الآني، ولأن به لغط كبير، منهم مستنيرين مأخوذين بالفكر اليساري التقدمي الذي من الصعوبة أن يجاهروا به داخل المملكة، وبلاد خليجية آخرى، في تلك الأيام أي منذ عقدين وزيادة، كانت كتب السياسة لها أهمية تذكر، ظهرت وقتها أيضا كتب تحمل عناوين مثل مذكرات أميره عربية، وغيرها كثير تحمل غالباً مايشبه ذلك العنوان، لجذب انتباه قُراء خفاف، مأخوذين بفضول يرومون به قراءة كُتب عمد مؤلفوها لوضع ( خلطة ) كما الأفلام، بها جنس ومغامرات تدور أغلبها داخل قصور الأمراء، كل هذه الكُتب وغيرها لم تشد إنتباهي على الإطلاق، أذكر أن رأيت ولأول مرّة مذكرات أميرة بإحدى المكتبات بلندن، وكانت صادرة عن دار طوى التي عنت بعد ذلك بالكتب والروايات المهمة، تتالت على المكتبات روايات كثيرة يروم ناشريها قارئ خفيف ليحققوا من خلالها دخول كبيرة، ذكرتني تلك الكُتب وأنا بمقتبل عمري، بمؤلف كان مجهول وقتها اسمه خليل حنا تادرس، من أشهر رواياته (نشوى والحب) والتي قرأتها بفترة مراهقتي، وهي قصة فتاة متحررة عاطفية تقودها شهواتها إلى حيث لا تدري وقد لاقت هذه القصة نجاح شديد بأواخر الستينيات، مؤكد من سيقرأ النص هنا ممن عاشوا تلك الفترة سيتذكرون حتما كتابات هذا الرجل الذي ساعدني جوجل في البحث عنه

وتفاجئت بأن ذكر جوجل عناوين لقصص أخرى له، وأتمنى ممن سيقرؤون النص ان يذكروا إن كان مرّ عليهم أم لا، نعود مرّة أخرى لباعة مكتبة مدبولي، وكيف هم يرومون مقتنين من الخليج، فيأخذونهم غالبا إلى دور أرضي يجاور المكتبة، من الإتساع كما مغارة علي بابا، عبارة عن شقة بعمارة قديمة، بغرف مساحتها كبيرة وسقف يمتد لعدة أمتار، بها من الكتب الآلاف وزيادة، كنت قد دلفت إلي المكان مع أحد البائعين لأخذ ما كنت أبحث عنه بحسبه مسكوت عنه، هذا أيام الحاج مدبولي، الذي لم يأخذ أحد عنه كيف هي العلاقة بين بائع الكتب والمقتني، أصبح أغلبهم لا يكترث إن اشتريت أم لا، وهذا كله يحيلني بالضرورة إلى كيف هي علاقة بائعي الكُتب الشوام كما كان يُطلق عليهم زمان، وبين بائعينا هؤلاء الذين يعرضون عليك كُتب لن تقرأها بغية الشراء والسلام، فأغلبنا شهود على كيف هي احوالنا بمعرض الكتاب بمصر التي كانت لها الريادة، بل نحن من صنعنا للكتاب احتفالية كل سنة، ذلك الذي أمسى يشبه الأوكازيون بموسمه السنوي، يقال حدث به تطوير، فلم أزوره بعد، أما منافذ ومكتبات الدولة، فهي بحق تبيع كتب وروايات أغلبها رائع وبفلوس قليلة، وإن كان يعيب أغلبها طباعة رديئة وأغلفة متواضعة، وبائعين لا يشبهوا بائعي الكتب بحال،

فبعدما عرفت معارض الكتب كما ينبغي، غالبا كان بمدينة الشارقة بداية، ولن أتكلم عن كيف هو تنظيم وإدارة المعرض بنظام واسلوب جديرين بإعجاب وتقدير كبيرين، فمعرض الكتاب يمثل لي عيد حقيقي أغتبط له في كل زيارة أقوم بها له ولأي مكتبة،

البائع من بلاد الشام ( سوريا أو لبنان أو العراق مثلا ) عندما تدلف إلى المكان الذي يعرض به الكتب، يرحب بك وكأنما تعرفه ويعرفك من زمن، لا يعرض عليك أيٍ من كتبه الكثيرة، ينتظر حتى تبدأ في تحسس الكتب على الأرفف أو التي على الطاولات، ويعرف ما تريده من خلال خياراتك، ويبدأ يناقشك كمن قرأها، ويعرض هو عليك كتب أو روايات تماثل تلك التي اخترتها، وإن كان هناك نص لا توجد لديك معلومة عنه، يهديك هو إليه، وتغتبط لخياراته التي غالبا يحالفها التوفيق

اقتربت من أغلبهم، وعرفوني وعرفتهم عن كثب، كان زمان لدينا مثلهم ايام كنت ببلدي المنصورة، كان بالمكتبات بائعين من الذكاء أن يعرضوا عليك ما يرونه مناسب لك، أصبحت أغلب المهن بها دخلاء لا شك، ولم يعد هناك تأصيل للمهنة الواحدة تلك التي كانت تورّث من جيل لأجيال

بائع الكُتب مهنة متميزة وجميلة لا شك وجديرة بكل تقدير، فما يقدمونه لا يقدمه غيرهم، لابد وأن يكون البائع عاشق لها، أن يحب الكتاب، يتحسسه أن يتشمم رائحة الكتب أن يرفق به عند حمله من مكان لآخر، فللكتب رونق ورائحة تروق لي، فكرت كثيرا في تحقيق امكانية مستحيلة وهي أن ترافقني بمثواي الأخير، فقد تدفع عني ظلام لا أحبه

كذلك على البائع أن يكون على ثقافة، ودراية واهتمام، أن يرشد المشتري إلى كاتبه الذي لم يلتقيه بعد لعلها فتحا لقراءات يستفيد منها الاثنان، ثنائية البائع والمشتري، فلطالما تمنيت أن يكون بكل بيت ولو مكتبة صغيرة، تعيننا على معرفة كلية بزواتنا تلك المغرقة في الجهل والغرور اللذان حاقا بنا وأصبنا بشلل عقلي يزيد فداحة أو ينقص بمقدار الجرعات الدينية التي تشربها الأغلبية من فقهاء يقولون بأساطير وقرت بعقول الناس، فأصبحوا يؤثرونها على حقيقة واقعهم المزر، فلا شيء يحمي الإنسان من غباء الكبرياء والتعصب الديني والسياسي والقومي أفضل من تلك الحقيقة التي تظهر دائمًا في كتاب أو رواية حقيقين بالقراءة حتى تنير المعتم والمظلم في رؤوس البعض، أو كما قال روائي المرء يولد مرّة من أُمه ثم يولد عشرات المرّات من بعض الكتب.

ظهر في حياتنا مكتبة جميلة لشقيقين شباب آثرا أن يبيعوا الكتب، وهذا لا شك محمود، فبيع الكتب مهنة راقية لا شك في ذلك، شكل مختلف من اشكال البيع المتعارف عليه بمفهومها الحديث، وتنوع بالكتب بحيث تجد لديهم ما تبحث عنه، وهذا حديث آخر أسرده بوقت لاحق.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.