دين مختارات مقالات

في أهمية قراءة القرآن والتمييز بين الدين والتاريخ

كيف نقرأ القرآن ونميز بين الدين والتاريخ؟

بقلم ا. محمد عبد العاطي – مصر

تحت الضغط الشديد هاجر الرسول (ص) والمسلمون الأوائل من مكة إلى المدينة. كان من المفترض أن ينعموا هناك بالهدوء والطمأنينة وأن يعبدوا الله وفق شعائر دينهم الجديد دون منغصات بعد أن بعدوا عن مشركي مكة، لكن هذا لم يحدث. فما إن وصلوا إلى هناك حتى فوجئوا أن الحياة ليست سهلة كما يظنون. وجدوا عداءً من يهود المدينة، ووجدوا ملاحقة من مشركي مكة، فعاشوا في بيئة صراعية من الطراز الأول.. بيئة كلها حروب ومؤامرات ودسائس وكر وفر لدرجة أنه تكاد لا يمر سنة إلا وتحدث فيها معركة أو غزوة أو سرية.

في هذه الأجواء المضطربة نزلت آيات القرآن الكريم وأحكامه. آيات تتحدث عن أهل الكتاب وتهاجم دينهم ومعتقداتهم وتتهمهم بالتحريف والضلال، وتتوعدهم بالعذاب إن لم يعودوا إلى الطريق القويم وفق التصور الإسلامي عن الألوهية والنبوة والوحي.

وآيات أخرى تشرعن القتال وتصفه بالجهاد وتتوعد من يقتل من الأعداء بالخلود في النار ومن يقتل من المسلمون بالخلود في الجنة.

وآيات تتطرق إلى المنافقين والحذر من مؤامراتهم ودسائسهم.

وبين هذا وذاك آيات تتكلم عن العبادات من صلاة وصوم وزكاة، وأخرى عن المعاملات من بيع وشراء وعقود وعهود.

وهكذا.. كان المجتمع يضج بالحركة، في كل يوم يحدث شيء جديد.. خطب وحشود ومعارك ووفود ومعاهدات ونقض للمعاهدات وعقاب وقتل ونفي وتعزير.. إلخ.

الآن وبعد مرور كل هذه السنين، ألف وأربعمائة عام، كيف نتعامل مع كل هذه الآيات، في أي سياق نفهمها الآن؟ ما هي الأحكام التي لا تزال فاعلة في واقعنا وتلك التي كانت تاريخا مضى وانقضى؟ هل يلزمنا، على سبيل المثال، نظرة القرآن كما رسمتها الآيات المدنية بخصوص أهل الكتاب؟ هل أهل الكتاب الآن من شركائنا في الوطن، يهودا كانوا أو مسيحيين الذين نحن وهم مواطنون على قدم المساواة في الحقوق والواجبات، أصحاب أرض واحدة وهدف واحد ومصير واحد.. هل أهل الكتاب هؤلاء هم أنفسهم أهل الكتاب في ذلك الزمان من يهود الأوس والخزرج وبني قريظة وبني قينقاع وبني النضير؟ هل من الواجب على المسلمين أن يطلقوا عليهم أهل ذمة وأن يطالبوهم بالجزية؟ هل من اللائق أن يحاجوهم في معتقداتهم وكتبهم المقدسة ويصفونها بالتحريف ويطالبونهم بالإسلام والإيمان بمحمد (ص) نبيا وبالقرآن كتابا مقدسا؟ هل لا يزال المسلمون مأمورون أن يقاتلوا الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإن قالوها عصموا دماءهم وأموالهم، وإلا فهو الغزو والحرب والقتال والغنائم والفيء والإماء والجواري والعبيد وملك اليمين؟

أسئلة كثيرة، وكثيرة جدا، يواجهها قارئ القرآن الكريم وهو يتتبع تلك الأحداث بكل تفاصيلها ويحاول أن يستخلص منها شيئا يطبقه في واقعه المعاصر.

والحق أن ثمة منهج يجمل التذكير به للتعامل مع ذلك كله.. هذا المنهج ببساطة يقوم على قاعدة مفادها أن ما كان لصيقا بتطورات ذلك الزمان، وخاصا بأحداثه وأشخاصه وملابساته، فحكمه ينتهي بانتهاء ذلك الزمان وتلك الملابسات.. يبقى تاريخا، وتبقى آياته تُقرأ، لكن حكمها والعمل بها ليس له محل من الإعراب الآن.

أما ما بقي من الدين والمتعلق بالقيم والأخلاق والتصور الاعتقادي في الله ومفاهيم الوحي والنبوة وكل ما له صلة بالغيب من الإيمان بالبعث والحساب واليوم الآخر والجنة والنار وما هنالك.. فهذا ممتد قديما وحديثا ولا زمان له. وكذلك ما كلن له صلة بأحكام العبادات وبالقيم الكامنة وراء تشريع أحكام المعاملات، مثل قيمة الرحمة المانعة للاستغلال والتي على أساسها تم تحريم الربا، وقيمة العفاف المانعة للمثالب الأخلاقية والتي على أساسها تم تحريم العري، وقيمة المحافظة على العقل التي على أساسها تم تحريم الخمر.. إلخ.

فالتفرقة بين الإسلام التاريخي والإسلام كدين هو ما نحتاج إليه فهما وفقها وإيمانا واعتقادا وسلوكا ومعاملة، لنستطيع، ونحن نقرأ القرآن ونتدبره، أن نواصل القراءة بعين واعية وعقل فاحص ووعي حاضر.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.