دين مختارات مقالات

المسيح وأمه في سورة آل عمران – ج2

سلسلة قضايا قرآنية (3)
المسيح وأمه في سورة آل عمران – ج2

بقلم أ. محمد عبد العاطي – مصر

وقفنا أمس في تدبرنا لسورة آل عمران عند الحديث عن هذه العائلة التي كرمها الله وفضلها على العالمين، وسلطنا الضوء على والدة مريم التي حملت فيها ونذرتها لله، وعلى زكريا الذي دعا ربه فاستجاب ورزقه على كبر بيحى.

واليوم نواصل تأملنا في مشهد آخر من مشاهد هذه السورة له صلة بمريم وابنها.

تتحدث السورة عن النشأة الإيمانية النورانية التعبدية لمريم؛ تلك الفتاة المؤمنة الصالحة التي طهرها الله واصطفاها على نساء العالمين. وتخبرنا عن تلك البشرى التي بشرتها بها الملائكة وهي في محرابها حينما قالت لها إن الله سيجعلها تلد بـ”كلمة منه” (كلمة كن)، وأن هذا المولود:

– اسمه المسيح عيسى بن مريم.

– وجيها في الدنيا والآخرة.

– من الصالحين.

– رسولا لبني إسرائيل.

– يكلم الناس طفلا في المهد.

– يحي الموتى بإذن الله.

– يبرئ الأكمه (الأعمى) والأبرص بإذن الله.

– يخبر بني إسرائيل بما يدخرون وبما يأكلون في بيوتهم.

– وأنه سيعيش حتى يصبح كهلا ثم يتوفاه الله.

– وأن الاندهاش من ولادته بدون أب ليس في محلة لأن الله إذا أراد شيئا قال له كن فيكون. ولأن خلق آدم من دون أب ولا أم أدعى للدهشة من خلق عيسى من أم دون أب.

– أن الله يعلمه الكتابة والتوراة وينزل عليه الحكمة التي سيدونها أصحابه فيما بعد (الإنجيل).

بشرت الملائكة مريم بكل هذا، وهو ما حدث بالفعل كما تروي السورة.

ثم تنتقل الآيات إلى مشهد وفاة هذا النبي (عيسى) فتقول إن الله توفاه ورفعه إليه وطهره وجعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا به.

وهكذا ترسم السورة ملامح شخصية هذا النبي وتحدد طبيعته وكنهه وفي الوقت نفسه تنفي ما ألصقه به بعض أتباعه من صفات التأليه والتجسيد وما قاله آخرون ووسمه بأنه ابن الله، وتؤكد أنه بشر رسول كريم من أولي العزم من الرسل مؤيد كغيره من الأنبياء بالمعجزات التي تثبت نبوته وتدعو إلى الإيمان برسالته.

وعليه، فإن هذه السورة وما سيتلوها من سور القرآن الكريم التي أعادت التأكيد على هذه المفاهيم وأضافت إليها بعض المشاهد والمناسبات الأخرى وضعت النقاط فوق الحروف بالنسبة لموقف الإسلام من المسيحية.. والهدف من وراء ذلك هو نفس الهدف الذي جعل القرآن يستفيض في الحديث عن اليهودية، وهو أنه ينظر إلى نفسه على أن مطلوبا منه تقويم انحرافات عقائد الآخرين التي تسبب فيها رجال دين كانت لهم مآربهم وأهواءهم، لكي يكون الدين كله لله، يهوديا كان أم مسيحيا أم إسلاما، ويكون كل أتباع هذه الأديان مسلمون؛ بمعنى إسلام الوجه والقياد لله، والتسليم بمنهجه طريقا للحياة، وأن من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض؛ من يؤمن بموسى ويكفر بعيسى، أو يؤمن بموسى وعيسى ويكفر بمحمد، فإنه ناقص الإيمان، لأن الأصل ألا يفرق أحد بين كتب الله ورسله.

فهذه هي النظرة الإسلامية لليهودية والمسيحية كما عكستها سورتي البقرة وآل عمران.

والآن لنقرأ بعض آيات آل عمران التي أشارت إلى ما سبق بيانه بخصوص مريم وبشارتها بالمسيح، والمسيح وصفاته.

إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ، وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ. قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ. وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ. وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ” (45-48)

“إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ” (55).

“إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ” (59).

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
احمد دلول
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.