دين مختارات مقالات

المسيح وأمه في سورة آل عمران

قضايا قرآنية “الجزء 3”
المسيح وأمه في سورة آل عمران

بقلم/ أ. محمد عبد العاطي – مصر

في حديثنا عن بعض قضايا القرآن ونحن نتدبره في هذا الشهر الكريم وقفنا عند موقف الإسلام من الأديان واستعرضنا نظرته إلى اليهودية كما جاءت في سورة البقرة واليوم نتحدث عن نظرته إلى المسيحية كما عبرت عنها سورة آل عمران.

أعلت السورة من مكانة آل عمران فجعلتها من العائلات المفضلة على العالمين، وتحدث بكل إجلال واحترام عن نبي الله زكريا وزوجته وابنهما المولود الذي رزقا به على كبر (يحى)، كما تحدث عن والدة مريم (حنة) السيدة المتدينة التي وهبت ما في بطنها محررا لله وأوفت بنذرها بعد أن وضعتها ووجدتها أنثى وأسمتها مريم. وتحدثنا السورة عن النشأة الإيمانية النورانية التعبدية لمريم وكيف أن زوج خالتها زكريا كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقا. فكانت فتاة مؤمنة صالحة طاهرة مطهرة اصطفاها الله وجعلها بنص السورة التي بين أيدينا سيدة نساء الله العالمين.

وتخبرنا السورة عن عطية الله عز وجل لهذه الفتاة الصالحة وبشرى الملائكة لها بأن الله الله سيجعلها تلد بكلمة منه (كلمة كن) وأن هذا المولود سيكون من الصالحين، وسيكلم الناس في المهد بمعجزة وسيكلمهم حتى يصل إلى سن الكهولة بمواعظ ووصايا تنفعهم في دينهم ودنياهم. كما أخبرتها الملائكة أن هذا المولود سيكون مؤيدا بالمعجزات كما أيد الله من سبقه من الأنبياء والرسل بها، ومنها أنه سيصور لهم من الطين ما يشبه الطير ثم ينفخ فيه فيكون بإذن الله طيرا، وأنه بقدرة الله سوف يحي بعض الموتى لبعص الوقت ثم يعودوا إلى موتهم مرة أخرى، كما أنه سيخبر بني إسرائيل بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، وسيشفى الأعمى (الأكمه) والأبرص، وغير ذلك من آيات ومعجزات وقدرات خاصة أعتاد الله عز وجل أن يجريها على أيدي عديد الأنبياء كما اعتاد أيضا أن يوقف بعض مظاهر الطبيعة كغروب الشمس وسيولة الماء وإحراق النار وغير ذلك من خواص من أجل إظهار صدق من يرسلهم من الأنبياء والمرسلين.

وتذكر السورة أن الله توفى عيسى بن مريم بعد أن استكمل رسالته وأدى دوره ثم رفعه بعد موته إليه كما يرفع أرواح عباده وأنه أكرمها في السماء كما يكرم أرواح الصالحين ومنهم على سبيل المثال الشهداء الذين هم بعد موتهم عند ربهم أحياء يرزقون حياة مجازية.

وبهذا الفهم القرآني كما ورد في سورة آل عمران فإن القرآن ينفي عن عيسى (يسوع) عليه السلام الألوهية التي ألهه بها بعض أتباعه، كما ينفي عنه البنوة بقول بعضهم إنه ابن الله، وأثبت أن عيسى بشر، ونبي مرسل، وأن الله علمه التوراة والإنجيل الذي كتب بعد ذلك أتباعه فيه كلماته ومواعظه ووصاياه التي نقلها عن ربه.

فهذا هو التصور القرآني للمسيحية وللمسيح عيسى بن مريم وأمه كما تدلل عليه هذه الآيات:

إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ، وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ. قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ. وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ. وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ” (45-48)

وبهذا الموقف أبان الإسلام عن نظرته لليهودية والمسيحية وعلاقتهما بالإسلام، وكيف أنهم جميعا دين واحد، بشرط عبادة الله الواحد، وإيمان أتباعهما بكل الكتب والانبياء والرسل بمن فيهم عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.