دين مقالات

المسيح وأمه في القرآن الكريم بحسب سورة آل عمران

محمد عبد العاطي يكتب: قضايا قرآنية (٢)
المسيح وأمه في القرآن الكريم بحسب سورة آل عمران

تحدثنا في المرة السابقة عن سورة البقرة وموقف القرآن من أهل الكتاب وبخاصة اليهود، وألقينا الضوء على سبب العداء بين الإسلام واليهودية منذ اليوم الأول لوصول النبي محمد (ص) إلى المدينة، الأمر الذي استدعى نزول هذا الكم الكبير من الآيات في تلك السورة – وفي غيرها من عديد سور القرآن الكريم – لتبيِّن ما هم فيه من انحراف في العقيدة والتواء في السلوك، وتحذر المسلمين من الركون إليهم وهم على ما هم عليه من إضمار الحقد للدين الجديد والعداء للدولة الوليدة التي يحاول النبي وأصحابه وحلفاؤه إقامتها.

واليوم نقف مع السورة الثانية في القرآن الكريم وهي سورة آل عمران لنتعرف على خطوطها العريضة، ونعرف عمَّ تتحدث، وسياق ما ورد فيها من موضوعات.

سورة آل عمران هي ثاني أكبر سورة في القرآن. عدد آياتها وفق المشهور في عد الآيات 200، وترتيبها في المصحف -كما سبق القول- يقع ثانيًّا بعد البقرة. وسُميَّت بذلك نسبة إلى عائلة آل عمران التي فضَّلها الله على العالمين مع عائلات أخرى مماثلة مثل عائلة إبراهيم “إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ”(33).

وتنقسم موضوعات السورة إلى قسمين رئيسيين؛ الأول حديث مفصل عن النصرانية في المنظور القرآني، وذلك استكمالا لما بدأته سورة البقرة من الحديث عن اليهودية، ليكتمل بذلك الموقف الإسلامي من هاتين الديانتين اللتين كانتا سائدتين في عصر النبي محمد (ص). والقسم الثاني عن الغزوتين اللتين خاضتهما الدولة المسلمة الوليدة وهي لا تزال في السنوات الثلاث الأول من عهدها؛ وهما غزوة بدر وغزوة أُحد، وما حدث فيهما من نصر وهزيمة، والأسباب وراء هذه وتلك، والدروس المستفادة من كلٍّ منهما.

ثم اختتمت السورة بدعوة المسلمين أتباع النبي محمد (ص) للتفكر في خلق السماوات والأرض، وملء قلوبهم بذكر الله في كل أحوالهم “الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ” (191)، وتوصية الله عز وجل أتباع النبي محمد (ص) وهم لا يزالون في هذه المعمعة من صف لا يزال بحاجة إلى مزيد من الجهد ليكون أكثر انسجاما وتجردا وبعدا عن محبة الدنيا، ومخاطر داخلية ممثلة في عداء اليهود وتآمرهم وتشنيعهم على الدين الجديد ونبيه وتشويه صورته ومعتقداته لإثناء الناس عن اتباعه وتحجيمه ومنع انتشاره، ومهددات خارجية تتمثل في استمرار حشود مشركي مكة، وإعلانهم الحرب على الدولة الوليدة كما حدث في أحد ومن بعدها الخندق… ففي هذا السياق المضطرب نزلت أغلب آيات سورة آل عمران والتي اختتمت آياتها بتوصية المسلمين (أتباع النبي محمد؛ ذلك لأن ثمة مسلمين يقصدهم القرآن وهو يتحدث عن أتباع إبراهيم وإسحاق ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى) بالصبر والرباط والمرابطة “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ “(200).

فهذان هما المحوران الرئيسيان إذن لسورة آل عمران؛ وما سنركز عليه هنا في هذه المقالة متعلق بالمحور الأول فقط وهو حديث الآيات عن مريم وابنها عيسى والموقف القرآني عموما من النصرانية (المسيحية).

كما سبق القول فإن القرآن الكريم يعتبر آل عمران من العائلات المميزة في تاريخ البشرية، ولذلك فقد وضعها ضمن من فضَّلهم الله على العالمين، بدءًا من آدم ونوح ومرورا بآل إبراهيم ثم آل عمران. ومن هذه العائلة الكريمة المفضلة تفضيلا إلهيا ولدت مريم وولد عيسى.

فقد مات عمران والد مريم وهي في بطن أمها (حنَّه). (يسمى في الآرامية يواقيم (كما سُمي أيضا بوناخير وصادوق، وهو ابن يوثام بن لعازر بن اليود الذي يصعد في النسب إلى سليمان بن داود فهو من نسل داود من سبط يهوذا). وكانت حنة أم مريم قد نذرتها لله، أي جعلتها متفرغة للعبادة وخدمة الهيكل. كانت حنة بحسب الرواية القرآنية في سورة آل عمران لا تعرف أنها حامل في أنثى فلمَّا وضعتها ووجدتها أنثى قالت باستغراب “رب إني وضعتها أنثى”، ومع ذلك أوفت بنذرها.

وتحكي السورة أن زكريا زوج خالة مريم قد كفلها. وزكريا في الإسلام نبي كريم، كان كثير العبادة والدعاء، ومن دعائه أنه طلب من الله أن يرزقه الولد ليحمل اسمه ويرث النبوة من بعده، فاستجاب الله ورزقه يحى “فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ” (39).

ويحيى في الإسلام نبي أيضا كأبيه، وقد ذكرت الآية أنه سيد بمعنى الرجل المهاب العليم والفقيه، وحصورا أي الذي يحاصر شهواته ويتحكم فيها حتى يبدو وكأنه لا رغبة له في النساء والجماع وما هنالك، أما المقصود ب “مصدقا بكلمة من الله”، أي مصدق ومؤمن ومعتقد في عيسى، لأن عيسى هو كلمة من الله، إذ ولد بكلمة كن كما سيأتي بيانه. فزكريا إذن هو زوج خالة مريم والدة عيسى، ويحى هو ابن خال عيسى.. وهذه هي العائلة المباركة العابدة الطائعة مستجابة الدعوة التي فضَّلها الله على العالمين بحسب النص في السورة التي بين يدينا.

هذا عن عمران وحنة أم مريم فماذا عن مريم نفسها عليهم جميعا السلام؟

كما أشرنا، ولدت مريم منذورة لله تعالى، وحينما بلغت مبلغ النساء، كما يحكي القرآن، جاءها ملاك يبشرها بأنها ستحمل بولد، فاندهشت واستغربت وتساءلت عن الكيفية وهي من هي في طهرها وعفافها وأن بشرا لم يمسسها “إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ”(45).

والملاحظ في دقة التعبير القرآني أنه قال “بكلمة منه” أي أن طبيعة المسيح هي ببساطة وفقا للرؤية الإسلامية “كلمة من الله” وهي كلمة كن، تلك الكلمة التي تعبر عن إرادته، “إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ” (سورة يس: 82). وقد أسماه الله عيسى في القرآن. والعيس في قواميس اللغة العربية هي الإبل البيضاء التي يخالطها شيء من الشُقرة. وعموما هو اسم معرب من اللفظة الآرامية يسوع والتي تنطق يشوع، وهي مكونة من مقطعين “يهوه شوع” أي “الله يُخلِّص”.

أما كلمة مريم فقيل من معانيها العابدة. وكلمة المسيح (المسيح عيسى) فمن معانيها الذي يمسح بيده على المرضى فيشفيهم وذلك بفضل البركة والقدرات الخاصة التي أودعها الله فيه.

وتذكر سورة آل عمران لمحة من حياة مريم قبل حملها بعيسى، وترسم أجواءً روحانية آسرة عن تلك الحياة، من ذلك أنه كلما دخل عليها زوج خالتها النبي زكريا وجدها تعبد الله وتذكره وتصلي إليه في محراب غرفتها ووجد عندها رزقا. ولم يوضح النص القرآني أي نوع من الرزق الذي كان زكريا يجده عند مريم كلما دخل عليها الغرفة والذي دعاه للدهشة والتساؤل “فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)”.

على أية حال تبيان نوع الرزق هذا ربما لا يهم كثيرا بقدر أهمية قول مريم “إن الله يرزق من يشاء بغير حساب”، وهو ما يدل على منهاج النظر لهذه الفتاة المتدينة العابدة التي ترجع كل شيء لله عز وجل، وفي هذا إشارة لطيفة إلى أن ما سيأتي بعد أشهر (الولادة والمولود) هو رزق من الله، بغير حساب ولا تدبير ولا تخطيط، بل وبغير رجل وزوج وما هنالك مما اعتاده البشر في الانجاب.

كذلك من لطائف الآية قول الله “فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا” أي أن هذه العطية وهذا النذر الذي نذرته حنة والدة مريم لله قبله الله قبولا حسنا، وأنبتها عاما بعد عام على أحسن هيئة وأجمل صورة.

وتفيد السورة أن زكريا بعد أن أيقن من واقع ما شاهد وعاين في غرفة مريم وخلوتها ورزق الله لها بغير حساب ألا شئ بعيد عن الله، خطر بباله أن يدعوه، سبحانه وتعالى، ليرزقه الولد بعد أن بلغه الكبر وامرأته لم يعد بمقدورها الولادة، ولروعة المفاجأة بالنسبة إليه حينما نزلت الملائكة، بعد أن استمعت إلى دعائه، تبشره أن الله قد استجاب وأنه يبشره بولد يسمى يحى (يوحنا) سيكون بالمواصفات التي سبق ذكرها “هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (39) قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40).

وبالفعل “الله يفعل ما يشاء”. فعلَ ما يشاء فحملت مريم بكلمة من الله (كن)، وفعل ما يشاء فحملت زوجة زكريا “أليصابات” (تعني بالعبرية الله قَسَم).

فماذا بعد أن وضعت مريم ابنها عيسى (يسوع) المسيح الذي جاء بكلمة من الله (كلمة كن)؟ كيف كانت طفولة هذا المولود؟ وكيف كانت حياته ووفاته؟ هذا ما نتابعه في المرة القادمة مع سورة آل عمران بإذن الله.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.