اجتماع مختارات مقالات

الحجر الصحي بالمغرب: ملاحظات أولية

ثمَّة ملاحظات أولية حول الحجر الصحي في المغرب

بقلم أ. منى الجراري – المغرب
باحثة في علم الاجتماع

   مع استمرار تفشي فيروس COVID-19 في جميع أنحاء دول العالم، فإن المغرب على غرار دول العالم، قد عرف عددا من حالات الإصابة بفيروس COVID-19. وهو ما جعله يتخذ مجموعة من التدابير للوقاية والحد من انتشار الفيروس، حيث أصبح فجأة نموذج معياري في كيفية اتخاذ الإجراءات المناسبة التي يمكن أن تساعد في احتواء الفيروس.

   لقد تميز المغرب عن باقي الدول التي تضررت من الفيروس -مثل دول الاتحاد الأوروبي- في أنه كان سباقا إلى فرض حالة الطوارئ الصحية التي تتمثل في الاستبعاد الاجتماعي، فقد كان فرض الحجر الصحي من طرف الدولة له تأثيرا كبيرا في التقليل من عدد الإصابات بفيروس كورونا المستجد. حيث يجب أن ننسى الدور الذي لعبته أجهزة الأمن الوطني ووزارة الداخلية والجيش في التخفيف من الأزمة عن طريق التشديد في المراقبة، وفي التقليل من حركات المرور، إلى جانب معاقبة المخالفين لحالة الطوارئ الصحية.

   يرجع نجاح المغرب إلى حد الآن في التقليل من انتشار الفيروس، إلى تدابير الاحتواء الاستباقية والشاملة، بما في ذلك انخراط العديد من الفاعلين، يتم التنسيق بينهم عن طريق الجماعات الترابية مثل العمالات والأقاليم، حيث تسهلها أيضا انخراط المصحات والمستشفيات الخصوصية في تدبير جائحة كورونا. ففي أول علامة على الوباء، بدأ المغرب في فحص جميع الذين ربما أصيبوا بالعدوى وتتبع تاريخ الاتصال لكل حالة مؤكدة، مما سمح بممارسات العزلة الفعالة والموجهة، كما تم القيام بعملية الإغلاق على مستوى المدن والقرى. إضافة إلى إغلاق العديد من المؤسسات والمصانع والمحلات، كما قامت الجماعات الترابية بشكل يومي بتعقيم جميع المرافق العمومية والأحياء والشوارع.

   توضح التجربة المغربية أن الدولة القوية والمتجاوبة مع مجتمعها لها أهمية حيوية في حماية المجتمع. لكن يجب الانتباه أن الدولة وحدها لا يجب أن تتحمل المسؤولية، حيث يفترض أيضا في المواطنين تسهيل عمل الدولة، وذلك باحترام الطوارئ الصحية مهما كانت الظروف. لقد بدأ المغاربة فعلا يدركون أيضًا أنه من منظور الصحة العامة، يحتاج كل فرد في المجتمع إلى الحماية. ومع احتدام الوباء، دعا النشطاء وعلماء الاجتماع والمجتمع المدني للتواصل مع الدولة ومساعدتها في التحسيس بمخاطر انتشار الجائحة، والتوعية بأهمية الحجر الصحي. غير أن ما يتم ملاحظته في الأحياء الشعبية، أنه بالرغم من الجهود المبذولة من طرف العديد من الفاعلين في التنبيه بأهمية الحجر الصحي، فإن هناك من الأفراد لا يحترمون الحجر الصحي الذي فرضته الدولة من أجل حمايتهم.

هناك عدة عوامل تدفع الأفراد في الأحياء الشعبية إلى عدم احترام الحجر الصحي وخرقه، ويرتبط ذلك بعدة متغيرات، أهمها:

أولا: أن هناك تفاوت اجتماعي. فهناك أسر تعيش من عملها اليومي، حيث تضطر للخروج من المنزل لكي تبحث عن قوت يومها. كما أن هذه الفئة تشتغل في قطاعات غير مهيكلة، ولا تتوفر على ما يسمى بالضمان الاجتماعي.

ثانيا: وهو المرتبط بطبيعة السكن، حيث نجد فئة عريضة من الأسر المغربية لا تتوفر على مسكن لائق بها، فهناك أسر تعيش في غرفة واحدة أو غرفتين، ولا تتوفر على أدنى شروط للسكن، مثل التوفر على التجهيزات الضرورية كالماء والكهرباء والتلفاز والمرحاض. الشيء الذي يخلق لديهم عدم الراحة والضيق. إضافة إلى ذلك، فهناك العائلات والأسر الممتدة، التي تعرف نوعا من الاختلاط والاكتظاظ في مسكن واحد، مما يدفع أحيانا إلى خرق الأفراد حالة الطوارئ الصحية، لأنهم يحسون بكونهم سجناء. وبالتالي يتخذون من الخروج وسيلة ممتازة للتنفيس، الشيء الذي نلاحظه عند فئة من المراهقين والشباب، لأنهم اعتادوا على الخروج من البيت.

ثالثا: يتمثل في افتقار الأسر المغربية بالأحياء الشعبية إلى المعرفة بطرق التربية والقدرة على التحكم في أبنائها وأطفالها. فما يميز الأحياء الشعبية عن باقي الأحياء الراقية أنه في حالة غياب دور الأسرة في تحمل المسؤولية، فإن الشارع يصبح المربي والساهر على تنشئة النشء على القيم التي يمكن أن تضر بالعديد من الأسر، خصوصا عندما ينحرف الأبناء إلى تعاطي المخدرات. وبالتالي، فإن الأسر التي تعيش في الأحياء الشعبية تصبح غير قادرة على ضبط أبنائها ومراقبتها لهم، وأحيانا نلاحظ نفور الآباء والأمهات من أبنائهم بسبب عدم قدرتهم على تحمل المسؤولية في التربية. ولهذا، نجد أن المتضرر في هذه الأزمة هم الأبناء، لأنهم بشكل أو بآخر يمكن لهم أن يصابوا بالعدوى.

رابعا: يرتبط بغياب مجتمع المعرفة الذي يقوم على تبادل المعلومة العلمية، والذي يتأسس على فحص المعلومات وتقييمها ونقدها ومحاربة كل المعلومات الخاطئة والمغلوطة التي لا تستند إلى المعرفة العلمية. وهذا الغياب يستغله البعض للترويج لأفكار ومعلومات خاطئة، حيث يتم في كثير من الأحيان باستغلال الدين في ترويج الأكاذيب حول الأوبئة.

خامسا: وهو ما يرتبط بغياب التنشئة الاجتماعية حول المخاطر، خصوصا حول التدابير الاحترازية للتعامل مع المخاطر، حيث لا نجد في المقررات التعليمية موضوعات ومواد تتناول مجتمع المخاطر، كما أنه نادرا ما يتم النقاش أو التحسيس بالمخاطر المرتبطة بالبيئة والأوبئة سواء في المؤسسات التعليمية أو في المعاهد أو في الجامعات إلا في بعض المناسبات، الشيء الذي يخلق للأفراد خللا حول مفهوم الخطر وعدم استيعابه.

سادسا: يتمثل في بروز الفردانية بالمجتمع المغربي وغياب التضامن الاجتماعي، فالخطر عندما يحضر عند الفرد يكون فقط في لحظات زمنية ومكانية معينة، وهو حضور يغيب فيه الآخر عند الفرد، بحيث لا يكترث للمخاطر التي يمكن أن تحدث للآخر. وهو ما نجده في المثال الشعبي “تفوتني أنا وتجي فيما بغات”.

سابعا: هو أن القوانين الزجرية التي صادقت عليها الحكومة لا تعتبر كافية، فخرق الطوارئ الصحية بالنسبة إلى بعض الدول مثل الصين والفيليبين يمثل في قوانينها عملا إرهابيا، لأنه يهدد سلامة المجتمع برمته. ولهذا، نحتاج إلى قوانين صارمة وقاسية تطبق على جميع المخالفين. وعدم الاكتفاء فقط بالسجن لمدة ستة أشهر أو غرامة مالية، لأن ذلك لن يمنعهم من تكرارها. كما أن خرق الطوارئ الصحية من طرف الأفراد، هو تحدي سافر للدولة ويعد ضربا بالحائط لجميع الجهود التي تقوم بها في سبيل احتواء الجائحة، وأيضا هو تحدي لكل الفاعلين الذين يسهرون على سلامة المجتمع، من أجهزة الأمن الوطني والجيش والداخلية والأطباء ورجال النظافة…إلخ.

   يكشف الوضع الحالي للمغرب في احتواء فيروس COVID-19 عن بعض الأسباب البنيوية والثقافية التي تؤثر في عمل الدولة، على الرغم من أنها تحاول ما بإمكانها أن تكون متجاوبة مع مجتمعها. ومن منظوري الخاص، يجب علينا جميعا أن نتحمل المسؤولية كأفراد ومؤسسات في حماية المجتمع. ولهذا فإن الحكمة تكمن في أن نتعامل مع الآخرين على أنهم مصابين وأن نعامل أنفسنا بأننا مصابين حتى لا نقوم بإيذاء أنفسنا والآخرين على حد سواء، كما يجب ألا نتساهل إطلاقا مع مخالفي الطوارئ الصحية، لأننا في حرب مع عدو خفي، لا يمكن أن نتكهن بما يمكن أن يحدثه في المستقبل بالمجتمع.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.