أدب و تراث فكر مجتمع مختارات مقالات

مجتمع العراق بين الأمس واليوم

“كان في ذلك الزمن انفتاحا حضاريا على حضارات العالم القديم
في زمن ذهبي لإمبراطورية قوية لا تخشى على نفسها من فكر أجنبي”

بقلم/ مصطفى رحمة – مصر

زمان قالوا: يتم تأليف الكتاب في مصر ومن ثم يُطبع في بيروت ويُقرأ بالعراق.

الآن التاريخ راوح أماكنه ولم يعد شيئاً على ما كان عليه، ففي الوقت التي كانت دولة مثل مصر العراق وسوريا يستشرفوا حداثة مدفوعة بليبرالية منذ عدة عقود، كان هناك من يتربص بهم وبنا، فكان أن تم وأد كل تجربة ثمينة بأن تبلغ حداثة تنهض بتلك البلاد وبشعوبها، تلك التي توفر بها عدد كبير من النخبة، ولأنها خليقة بأن ترتقي بالعقل ولأنهما الهدف الأسمى، الأكثر أهمية من سواه والذي ينبغي أن تكرّس كل دولة نفسها له، خاصة وكل أسباب النهوض متوفرة تماما لوجود بلاد بها وفرة نفطية كما العراق.

لكن مع بداية الحقبة النفطية وانتقال مركز الثقل من القاهرة إلى الرياض، وبدا أن كل البلاد العربية قد استسلمت لهذا الانقلاب طواعية، كان المذهب الوهابي المتحالف مع آل عبد العزيز يعطي كل منهما مشروعية الوجود للآخر، لنشر الوهابية، من السبعينيات بداية بأغلب البلاد العربية، فامتلأت المكتبات بكتب صفراء بفلوس قليلة لا أحد يعرف مصدرها، وكان أن تشابهت عواصم تلك الدول وحتى دول شمال أفريقيا وامتلأت الشوارع لحى وحجابا ونقابا وشادورا، وكثرت العمامة السوداء في بلاد مثل العراق، وبجنوب لبنان، وأصبح لإيران وجود مستدام هناك.

مجتمع العراق تحديدا نال مالا يستحق، من استهداف لقوى اقليمية ودولية، مستغلة خلل ديمغرافي قائم على اختلاف مذهبي واثني وسياسي فجعل منه شيعاً وقبائل، وانهارت مدنية كانت قائمة حتى وقت قريب بالعاصمة المركز بغداد.

من الملاحظ على أدوات التواصل (الفيس بوك) خاصة، وجدت أغلب أصدقائي من العراق يعنوا بالشأن الثقافي، فيكتب أغلبهم مقالات من الأهمية بحيث أجدني وقد حرصت على متابعتها وقراءتها، كذلك هناك فنانون يعرضون لأعمالهم ولغيرهم ممن يستحقون إشادة، فيقدموهم بما يتوافق ومكانتهم من بين فنانين وأدباء كُثر أغلبهم يحيا غربة قسرية، موزعون على عواصم وبلدان كثيرة، كذلك هناك من يكتب الشعر كما العالم به

أيضا كان لديهم باحث مستنير هادي العلوي، الذي كان يجب أن ينال شُهرة مستحقة هو جدير بها، كان له أن يصبح معلما وله مريدين، لكنه رحل إلى أقاصي البلاد حيث عاش منفاه الاختياري بسبب سطوة الاستبداد كأغلب العراقيين المتنورين، كذلك لديهم من المفكرين كثرة ممن قرأوا التراث وكتبوا عنه بوعي، ذلك الذي يمتلئ تاريخ الخلافة الإسلامية بالكثير من المخازى، المسكوت عنها في الثقافة العربية السائدة، سواء فيما يتعلق بنهب الشعوب بسبب الغزوات التي أطلقوا عليها (فتوحات) كما كتب بعض المفكرين في مصر وسوريا.

العراق كان يستحق الأفضل، وأن تغدق عليه الحياة أيام ترقى برقي العراقيين، لكن شاء أن يبوء بما باءت به شعوب أخرى ببلدان أخرى، فما كان للعرب أن يغزو هذه البلدان ويحتلوها ويسلبوها من أهلها (سومر وفينقيا ومصر).

‎هذا وجه من وجوه عقاب العرب للعراقيين ولنا في مصر. وكما يبدو فان الشعب العراقي لن يأخذ مكانه اللائق والطبيعي طالما بقي رهين محبسيه، موقعه الجغرافي، وارث تكوينه التاريخي.

وهل يستطيع شعب ما تغيير جغرافيته أو الفرار من تاريخه أو الاختباء من مصيره؟

من يصدق أن العراق عاش زمنا كان متقدما حضاريا على عواصم عربية أخرى بل وعن زمانه التعس هذا الذي يحياه اليوم.

كان في ذلك الزمن انفتاحا حضاريا على حضارات العالم القديم بالترجمة والنسخ والإضافة أحياناً، في زمن ذهبي لإمبراطورية قوية لا تخشى على نفسها من فكر أجنبي، وهو زمن الرشيد والأمين والمأمون وغيرهم من الخلفاء المستنيرين، الذين جعلوا بلاطهم مكاناً حراً للعلم بصنوفه والشعر والموسيقى والأدب حتى أدب الفضائح وفنون العري والفجور والجنس على أنواعه حتى المثلي منه والتباهي به شعراً، وتلازم وجودها مع وجود هذه البيئة المنفتحة التي أنتجت مع فنون الفجور فنوناً راقية وعلوماً متقدمة بمقاييس زمنهم، وعندما أغلق باب الحريات العقلية مع المتوكل وخلفه، ذهب علماؤنا ولم يعد أحدهم من يومها رغم وجود العروبة ورغم وجود الإسلام، بينما كانوا موجودين رغم وجود العري والفجور، لكن مع مساحة حرية لم يدخلها رجال الدين ليصادروها كما الآن.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.