دين فكر مختارات مقالات

إضاءات فكرية حول نظرة الدين للمرأة

عن المرأة …

 

بقلم/ جميل عبد النبي
هناك فرق كبير بين المرأة في القرآن الكريم، والمرأة في الرواية، وايضاً المرأة في الفهم الديني التراثي، الذي يمكن وصفه بالذكوري، لكن هناك ما أشعر بالرغبة في لفت الانتباه إليه.

القرآن الكريم الذي هو أصل الدين وأساسه، لم يكن يتنزل في فراغ، إنما على جماعة إنسانية متحركة، لها طباعها، وهي جزء من مستوى حضاري زمكاني معين، وبالتالي فإن القرآن ما كان ليتجاهل كل هذه المكونات دفعة واحدة، حتى فيما هو عقائدي، لذلك نجده وقد استخدم أبسط العبارات الرمزية والمرنة في نفس الوقت، كي يستطيع كل جيل أن يرسم صورته الخاصة لمعتقداته، باستثناء ما يتعلق بالله سبحانه وتعالى والذي اختصر القرآن كل وصف له بقوله:” ليس كمثله شيء” ما يعني أن أي صورة يرسمها الإنسان لله ليست هو بالتمام والكمال، ما دون ذلك كانت اللغة الرمزية قابلة لبعض الاختلاف في التصور.

هناك قضايا لم يحسم القرآن نهايتها بصيغة قطعية، لأنها من القضايا القابلة للحركة، ثم لأن المعطى الثقافي في حينه ما كان ليتقبلها بصورتها النهائية، خذو مثلاً: لم ينطق القرآن صراحة بتحريم ظاهرة العبيد، لكن أي متابع منصف يعترف بأن القرآن أسس لوجهة لا تخطئها العين للتخلص من ظاهرة العبيد، فهو قد أغلق البوابة الرئيسية للاستعباد، وهي أسرى الحرب، وقرر أن التعامل مع الأسرى محصور بين خيارين” فإما مناً بعد وإما فداءً” لإطلاق سراحهم، وأمر خلال أسرهم بحسن معاملتهم، وإطعامهم، وجعل ذلك تقرباً إلى الله” ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً” ثم جعل تحريرهم كفارة لأشياء كثيرة، وجعل مساعدة من أراد أن يشتري حريته من مصارف الزكاة الرئيسية” إنما الصدقات للفقراء………….. وفي الرقاب…” ثم رفع من قيمة العمل اليدوي الذي كان العبيد يُستخدمون له” ما أكل أحد طعاماً قط خير من أن يأكل من عمل يده” هنا إذن تبدو وجهة القرآن شديدة الوضوح للتخلص من هذه الظاهرة.

الغزو، والذي كان سمة لمرحلة تاريخية قانونها إما أن تغزو وإما أن تغزا، قيدها القرآن” وإن جنحوا للسلم فاجنح لها”

قضايا المرأة إحدى هذه القضايا التي ما كان من الممكن تجاهل طبيعة المجتمعات الغارقة في الذكورية في حينه، والتي بالمناسبة لم تكن خاصة بالعرب من دون الناس، ولا زالت المجتمعات- حتى أكثرها تحرراً وتقدماً- ذكورية بشكل أو بآخر.

ساعة نزول القرآن كان التعدد قضية غير مطروحة للنقاش، ولم يكن له حد، وكانت المرأة سلعة تُوَرّث عن الرجل المتوفي كأي سلعة، لكن القرآن فتح وجهة واضحة للانتقال بها إلى درجة المساواة التامة، حتى وإن لم ينطق بأحكام نهائية بهذا الخصوص نظراً لطبيعة اللحظة الثقافية، والحضارية، لكنه أعلن بما لا يقبل مجالاً للشك مساواتها مع الرجل في أصل الخلق” خلقكم من نفس واحدة” وبالمناسبة في الآيات التي تتحدث عن النفس الواحدة هناك آية تكاد تشير إلى أسبقية المرأة في الخلق، طبعاً دون جزم مني على الأقل” هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ۖ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ ۖ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ” ولو تتبعت الضمائر في الآية لوجدت النفس الأولى هي التي حملت، والزوج المخلوق منها هو الذي تغشاها، طبعاً مع إقراري بأن مفردتي النفس والزوج في القرآن الكريم شملت كل منهما الرجل والمرأة.

ثم جعل القرآن الأجر متساوياً عن أي عمل صالح” ومن يعمل صالحاً من ذكر أو أنثى” حتى في قضية الميراث، فهو وإن أعطى للذكر في بعض أصناف الميراث ضعف الأنثى، فإنه ساوى بينهما في أصناف أخرى من الميراث، مع أهمية الالتفات إلى أن فكرة توريثها لم تكن حاضرة عند العرب، ما يعني أنه انتقل بها نقلة محددة، وفتح لها وجهة معينة.

التعدد كان بغير حصر، فحصره القرآن بلغة ممكنة التأويل” مثنى وثلاث ورباع” ومن لم يستطع العدل فواحدة، وهي بالمجمل ضمن المباح الذي يمكن تقييده، وحتى منعه إن اقتضت المصلحة.

المشكلة فيمن لا يريد الالتفات إلى طبيعة لحظة التنزيل ومستواها الحضاري، وطبيعة لحظتنا.
ما زاد الطين بلة هي تلك الروايات المستوردة في معظمها من التوراة عن المرأة، والتي لا علاقة لها بالقرآن، ثم إضافات التاريخ التي كانت تعبر عن ثقافة لحظتها، والتي ألبسها واضعوها لباس الدين كي تكتسب صفة الخلود، وكي تستطيع عبور الزمان والمكان.

ببساطة، ليس للدين مشكلة مع فكرة المساواة- على الأقل كما أزعم أنا- فالدين موضوعه الأساسي الإيمان بالله، حتى تكون لحياتنا غاية تضفي عليها جمالاً، ثم ضابط يحد من الانحراف، ثم اليوم الآخر، الذي بدونه لا عدل في الأرض، ولا في السماء، لكن حتى اليوم الآخر ليس كما يصورون الله فيه جلاداً يحمل سوطاً، ويشعل ناراً لأي خطأ، فالله واسع المغفرة، ويغفر الذنوب جميعاً، إنما المعتدين، الظالمين، المستكبرين، الآكلين لأموال الناس بالباطل، فأي عدالة في حياة لا تحاسب مثل هؤلاء.

ثم الأخلاق، أو أمهات الأخلاق.

هذه هي قضايا الدين الرئيسية، ما دونها تفاصيل يمكن لحركة الاجتماع الإنساني أن تفعل ما يناسبها، تحت سقف الإيمان والأخلاق.

الدين فكرة بسيطة، وليس بكل هذا التعقيد، وأنا شخصياً لا يمكنني تصور الله خالق هذا الكون الذي لا آخر له بمافيه ومن فيه مشغولاً في حاجبي امرأة تركتهما أو هذبتهما.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.