أدب و تراث عروض كتب مختارات مقالات

قراءة في رواية الجريمة والعقاب للروائي دوستويفسكي

عرض أدبي في قراءة رواية “الجرية والعقاب”
لـ دوستويفسكي

بقلم/ هالة إحسان

إنه دوستويفسكي الروائي العظيم الفريد من نوعه الذي أثر فينا ثأثيراً كبيراً بحيث جعل من نفسه شريكاً لنا في تصرفاتنا وأفعالنا السيئة منها قبل الحسنة. لم يكن دستويفسكي عالماً نفسياً لكنه تمكن من الغوص إلى أعماق أعماقنا فتعرف إلى أفكارنا التي كثيراً ما كنا نرغب ألا يتعرف أحد إليها فجعلنا محرجين ليس أمام الآخرين وحسب بل وحتى أمام أنفسنا.

هذا الروائي العظيم الذي مزق العذاب جسده على مدى ستين عاماً كاملة. ما عرف للطفولة معنى ولا للشباب صبوة وجاءت شيخوخته امتداداً لماضيه: عذاب… معاناة, أرق وقلق… إنه القدر الذي يقسو عليه لكنه يعجز عن قهره فكان مبدعاً خلاقاً حول آلامه إلى رجاء إنه أشبه بحبات الحنطه تحت حجر الرحى يطحنها لتصبح عجين خبز يسد جوع الجياع.

الجريمة والعقاب رواية مبنية على أساس الصراع الداخلي عند الإنسان وخاصةً الرغبة في التعبير عن النفس وإثباتها في مواجهة الأخلاقيات والقوانين التي أوجدها البشر مما يجعلنا نحس بقلق مضن ونتساءل عن العدالة في هذا العالم وفي الوقت ذاته نتساءل عما إذا كان يحق لنا الإقتصاص من العدالة ومن الأخلاقيات.

منذ البداية, نلحظ رغبة راسكولنيكوف التي هي ضد إرادته في ارتكاب جريمة مزدوجة. منذ تلك اللحظه ونحن نشاركه صراعه الداخلي القائم على الإعتزاز بنفسه والاشمئزاز منها في الوقت ذاته فأيهما يتبع؟ فصرنا أسرى هذا الصراع حتى انغمسنا كلياً في مشاعر البطل وأفعاله وتحولنا إلى راسكولنيكوف ثانٍ وكدنا نرتكب الجريمة معه..

وينقسم القارئون لهذه الروايه بين المتعاطف واللوام؛ فمنهم من يعطف على راسكولنيكوف ومنهم من يقول انه يستحق سجن الاشغال الشاقة.

رواية الجريمة والعقاب لفيودور دوستويفسكي تظهر لأول وهلة على أنها رواية بوليسية، غير أنها في الحقيقة تأمل كبير في الواقع وما يطفو على سطحه أو يندَس في أغواره. خاصة وأنها مؤسسة على ذلك الصراع الخفي الذي يعيشه الإنسان داخله، رغبة منه في إثبات نفسه وتحقيق وجوده، رواية الجريمة والعقاب أيضا هي كشف لعلاقة الإنسان بالأخلاق والقوانين المسيرة أو المنظمة لوجوده داخل مجتمعه، هذه القوانين التي سنّها البشر، مما يجعلنا نتساءل عن عدالتها، وهل نقتص أيضا من العدالة نفسها؟

الرواية هذه في الحقيقة من أحب الروايات الى قلبي وراسكولنيكوف من أقرب الشخصيات إليّ. والرواية هذه لن يحبها إلا الناس الذين يملكون شعور عميق.

حيث ان راسكولنيكوف هو مركز الرواية ، الرواية كلها من أحداث تصب في الصراع الداخلي لراسكولنيكوف… شاب عمره23 سنة ، يعيش في غرفة حقيرة وحده بعيدًا عن أمه وأخته ، يعيش حياة مشوبه بالظلم والحرمان، فقير جدًا ومعدم …لا يشعر بأن لديه قيمة وهذا يجعله يولد لديه شعور مضاد بالكبرياء والاحتقار اتجاه مجتمعه، أحيانًا يكتب بعض المقالات لدى جريدة يحظى بها ببعض الروبلات.

لكن على الجانب الآخر هو شاب مثقف يشعر بالتفوق على أقرانه من البشر ، فهو يرى أن الناس نوعان: نوع يعد قملًا وهؤلاء بالنسبة له هم العوام والرعاع من الناس الذين يعيشون ولا يغيرون شيئًا وهم الأكثريه ، ونوع آخر قليل مثل نابليون وهو قادر على سفك الدماء من أجل فكرته ، ويجب أن يكون كذلك.

هذا الإحساس بالتفوق مشوب بالمشاعر السابقة من الضعه والاحتقار والكبرياء وهذا الشعور هو الذي يريد أن يجعله يطغى على المشاعر السابقة ليشعر بوجوده … بقيمته التي يحاول أن يشعر بها بأي شكل، فنرى مثلًا في مشهد أنه حاول الدفاع عن عاهرة، محاولته لأن يتبرع بالمال مع أشد احتياجه إليه.

وهنا نأتي للجريمة … ما ستعطيه قيمته وسط هؤلاء الذي يعدهم قملًا ومع ذلك لا يستطيع أن يقول لهم ذلك. تأتي له فكرة ارتكاب هذه الجريمة عندما يرى المرابية العجوز الشريرة الغنية، رأى راسكو المجتمع متمثلًا في هذه الشخصية … رأى ظلم المجتمع فيها وأراد أن ينتقم..أن يشعر بقيمته، لكن هل الجريمة فعلًا ستحقق له ذلك؟ هل ستحقق له ما يشعر بأنه عدالة؟ وهذه المشاعر كلها ظهرت في تهشيمه لرأس هذه العجوز

الرواية عظيمة جدًا وتمكنت من قلبي فدخلت في اعماقه حيث جعلتني الروايه اعيش الصراعات الداخليه لراسكو وكأنني هو ، كما عودنا دوستويفسكي في اعتماد الحوار السلس الممتع الغني بالعبر والحكم و بالذات المشاهد اللي بيتجلى فيها كيف ان شخصيته تعيش في صراع وحوار داخلي دائمًا ووسواس قهري على الرغم من هدوئها الظاهر  مشهد سجوده المفاجئ امام صونيا ، نقاشاته مع المحقق ….صراع نفسي يسوده الغضب والألم والانتقام والحزن ، حقًا دوستويفسكي هو الأعظم والرواية هذه مهما قرأت سيظل لها مكانة خاصة في قلبي .

وفي الاخر أُحب ان اشكر المترجم الدكتور سامي الدروبي رحمه الله واسكنه فسيح جناته على مجهوده المذهل والرائع الذي شارك مع دستويفسكي بأمتاعنا. شكراً لك.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.