دين فكر مختارات مقالات

قراءة عامة في آيات سورة البقرة

موقف الإسلام من الأديان كما ترسمه سورة البقرة

بقلم/ أ. محمد عبد العاطي – مصر

يُقبل المسلمون في رمضان على القرآن الكريم تلاوة وتدبرا، وأول ما يقرأونه بعد الفاتحة سورة البقرة، ويطيب لي أن أكتب شيئا عن هذه السورة الكريمة تعريفا بها وعرضا لموضوعاتها.

سورة البقرة هي أكبر سور القرآن الكريم ويبلغ عدد آياتها 286 آية. أما أصغر سور القرآن فهي سورة الكوثر وعدد آياتها ثلاث آيات فقط.

وقد سُميت بهذا الاسم نظرا لاشتمالها على قصة مفادها أن رجلا من بني إسرائيل قُتل وكان مطلوب معرفة القاتل، فطلب الله منهم أن يذبحوا بقرة ويضربوا الميت بجزء منها فيحيه مرة ثانية ليخبرهم مَن قتله.

والقرآن الكريم مقسم إلى سور ويبلغ في مجموعه 114 سورة. وقد نزل على قلب النبي محمد (ص) أوائل القرن السابع الميلادي في مكة والمدينة بشبه الجزيرة العربية بواسطة ملك من السماء يسمى جبريل كان هو الواسطة بين الله عز وجل ونبيه محمد.

وكان جبريل ينزل بآيات القرآن الكريم مجزأة بحسب المواقف والأحداث، واستمر نزول القرآن 23 عاما، 13 منها في مكة و 10 أعوام في المدينة، ثم مات عن عمر ناهز 63 عاما سنة 633 م ودفن في المدينة.

وعلى هذا فقد نزل بعض القرآن في مكة وبعضه في المدينة، وسورة البقرة التي بين أيدينا من السور المدنية. لم تنزل كلها دفعة واحدة كما سبق القول، بل نزلت على فترة زمنية تقارب العشرة أعوام، إذ أوائل السورة نزلت في الفترة المبكرة لوصول النبي إلى المدينة في حين آية الربا كانت من أواخر ما نزل عليه من الوحي. وقد نزلت آيات من سور أخرى في نفس الوقت.

وكان النبي كلما نزلت بعض الآيات يقول لكتبة الوحي المعتمدين لديه ضعوا هذه الآيات في سورة كذا التي تتحدث عن كيت وكيت فيضعوها. وقبل وفاته (ص)، وبخاصة في رمضان، كان يراجع القرآن على جبريل، وجبريل يراجعه عليه مراجعة كاملة بعد أن اكتملت الآيات بترتيبها الموجود حاليا في سورها المعروفة، أي أن النبي كان يراجع القرآن الكريم كاملا قبل رحيله إلى الرفيق الأعلى. كل ذلك وفق السردية الإسلامية بالطبع.

السياق العام لسورة البقرة هو سياق تأسيس الدولة المسلمة الوليدة في المدينة المنورة بعد أن هاجر إليها محمد (ص) وأتباعه وتحالفوا مع من آمن من أهل المدينة من قبيلتي الأوس والخزرج.

كان في المدينة يهودا من هاتين القبيلتين وغيرهما من القبائل، كما كان فيها عبدة أوثان وأصنام ممن اصطلح على تسميتهم بالمشركين، حيث كانوا يعبدون آلهة مصنوعة من الحجارة ظنا منهم أنها تقربهم إلى الله زلفا.

يتحدث التاريخ الإسلامي عن موقف اليهود من الدين الجديد الذي ظهر في المدينة وأنهم من اليوم الأول لم يؤمنوا بنبوة محمد وناصبوا دينه العداء. وموقفهم في ذلك يشبه موقف المشركين سواء مشركي مكة أو المدينة مع اختلاف الدوافع؛ فأغلب مشركي مكة والمدينة كان عداؤهم للدين الجديد لأسباب لها علاقة بالنفوذ والسلطة والخوف عليهما من أن تؤول من كبار وجهاء مكة إلى النبي محمد وأتباعه فيتحولون من موقع الصدارة في المشهد إلى الهامش، بينما دوافع الموقف العدائي لليهود كانت مختلفة، وفي الغالب كانت أسبابها دينية صرفة.

فهم يعتقدون أن المهدي المنتظر، النبي الجديد، المخلص الذي سيخلصهم، المسيَّا الذي طال ترقبه لابد أن يكون منهم، وتحديدا من بيت داود، وكل ما عدا ذلك فهو إفك وادعاء. فعلوا ذلك مع عيسى ابن مريم عليهما السلام، وفعلوه بعد 600 عام مع محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام. لذلك ابتداءً ومنذ اللحظة الأولى أنكروا الوحي النازل من السماء على النبي العربي الأمي (أي الأممي؛ من الأمم الأخرى غير بني إسرائيل).

وإزاء هذا الموقف كان طبيعيا أن تكون أولى الآيات التي نزلت على النبي محمد في المدينة آيات تحذره من اليهود والمشركين، وتشتد عليهم في التقريع، وتبين لهم أن دينهم الذي هم عليه آنذاك دين منحرف، وأن نفوسهم خبيثة، ومؤامراتهم مكشوفة، وأن تاريخهم مع أنبيائهم تاريخا غير مشرف، وأن ادعائهم بأنهم أفضل الناس لنسبتهم إلى إبراهيم وإسحاق ويعقوب ادعاء باطل لان الخيرية والأفضلية ليست بالنسب وإنما بالتمسك بوصايا الله والسلوك على طريقه القويم، وهم في هذا قد ضلوا وابتعدوا كثيرا.

وعليه نرى السورة – فضلا عن موضوعاتها الأخرى التي لها علاقة بأحكام الجهاد والطلاق والبيع والشراء والديْن وأحكام الحج والصوم – قد أفردت مساحة كبيرة للحديث عن اليهود، وتيئيس المسلمين من أن يستجيبوا لرسالة نبيهم ويؤمنوا به، والتأكيد على أن العهد الذي كان بين الله واليهود منذ إبراهيم وإسحاق ويعقوب وصولا إلى موسى، والذي ينص على أن الله سيجعلهم شعبه المختار؛ يحميهم، ويقاتل معهم، ويورثهم الأرض الواقعة في بلاد الشام إذا التزموا بعبادته وطاعته ولم يشركوا به آلهة أخرى أو يحيدوا عن طريق الأخلاق والفضيلة، هذا العهد لم يعد قائما بعد أن نقضه اليهود (بنو إسرائيل)، وأن الله قد اختار أمة الإسلام بدلا منهم، واختار القرآن الكريم مُصدِّقاً للتوراة والإنجيل قبل تحريفهما ومهيمناً عليهما، أي حارساً لصحيحهما من الانحراف، ومدافعاً عن التصور الصحيح للألوهية، وأن الاختيار الإلهي لأمة الإسلام مشروط أيضا بأن يعبدوا الله وحده ويطيعوه وأن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويأمروا بالمعروف ويتناهوا عن المنكر، فإن خالفوا ذلك نُزعت منهم أيضا صفة الخيرية والأفضلية كما نُزعت من بني إسرائيل من قبل، لأن المعول في الأول والأخير ليس على النسب وإنما على الوفاء بالعهد والالتزام بالطريق.

في هذا الإطار نفهم موقف الإسلام من الأديان وبخاصة الديانتين اليهودية والنصرانية (المسيحية)، وهذا ما يفسر الاهتمام الكبير بالرد على أتباعهما في عديد السور وكثير الآيات بالقرآن الكريم. لأن الإسلام ينظر لنفسه على أنه خاتم الديانات السماوية، وأنه حارس على رسالة السماء التي نزلت أول ما نزلت إلى الرسل والأنبياء نقيةً ثم طالتها يد التشويه والتحريف، وأن مهمته إعادتها إلى سابق عهدها من النقاء في التصور العقدي والنهج السلوكي، ليكون الدين كله لله.

ومن هنا كان الدين في المنظور الإسلامي دينا واحدا وليس أديانا متعددة، وأن الأنبياء كلهم على اختلاف عصورهم وأماكنهم ولغاتهم عائلة واحدة، جاءوا برسالة واحدة، وأن القرآن حينما يقول “إن الدين عند الله الإسلام” فإن المقصود به هو هذا الإسلام الذي يُصدِّقُ ما سبقه من كتب ورسل، ويقف موقفا صلبا ضد أتباع تلك الديانات الذين انحرفوا برسالة السماء واتبعوا أهواءهم.

وفي هذا السياق نقرأ ونفهم الآيات التي تتحدث عن بني إسرائيل في سورة البقرة ومنها:

﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴿40﴾ وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴿41﴾ وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿42﴾ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴿43﴾ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾.

ونقرأ ونفهم تحذير المسلمين من بني إسرائيل وتبرير ذلك:

﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿75﴾ وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾. .﴿ وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ . . ﴿ وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ .. ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ .. ﴿ وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .. ﴿ مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ . . ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ﴾ . . ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ﴾ . . ﴿ وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾.

وهكذا.. كانت اللحظة الأولى لوجود الإسلام بالمدينة لحظة مفارقة في العقيدة والعبادة والهوية الدينية بين المسلمين واليهود – والنصارى بالتبعية بعد ذلك – وهجوم وهجوم مضاد بين الديانتين وأتباعهما، وآيات تنزل لتُبيِّن وتُبرِّر وتشرعن هذا الموقف، وتوضح أن أهل الكتاب ليسوا كلهم سواء بل إن المقصود بتوجيه هذا العداء إليهم هم فقط مَن حرَّفوا كلام الله عن مواضعه وأشركوا به غيره، بينما المؤمنون بموسى وعيسى كنبييْن مرسليْن من عند ربهما، والملتزمون بما أوصاهم به هذين النبييْن، والذين إذا سمعوا ما أُنزل عليهم من آيات التوراة والإنجيل بكوا من التأثر.. هؤلاء مستثنون من هذا الموقف، بل إنهم هم “أهل الكتاب” الذين دعا الإسلام أتباعه إلى البر بهم ومعاملاتهم بالعدل والإحسان، بل وأباح لهم الزواج منهم. ولا يعني هذا أنَّ مَن ينظر الإسلام إليهم على أنهم قد انحرفوا بصحيح دينهم سوف يُعاملون بظلم؛ فالمسلمون مأمورون بمعاملة الناس جميعا بالعدل أيا كان دينهم ومعتقدهم، لأن الأديان في جانبها الأخلاقي متشابهة، أما الجوانب التشريعية والعبادية والعقائدية فهي مناطق الاختلاف، وهذا الاختلاف ليس مدعاة للمعاملة بغير العدل والانصاف.

كل ذلك بالطبع، وكما سبق القول، وفق الشائع في السردية الدينية والتاريخية الإسلامية.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.