اجتماع دراسات وأبحاث مختارات مقالات

الخدمات الاجتماعية والنموذج التنموي الذي يحتاجه المغرب في أزمة كورونا

أي نموذج تنموي يحتاجه المغرب في السياق الاجتماعي في ظل جائحة كورونا؟!

بقلم الأستاذ:  سعيد بوزهر

سعيد بوزهر
الكاتب المغربي سعيد بوزهر

شهدت الآونة الأخيرة بالمغرب، تداولا واسعا ونقاشا مستفيضا، حول خطاب التنمية، والنموذج التنموي الذي نطمح إليه، والمجالات الحية التي ينبغي أن يطالها؛ وأضحت الدعوة إلى التغيير، مطلبا طموحا وضرورة ملحة، في ظل الظرفية العالمية والوطنية الراهنة، والتي تتميز بالعديد من التغيرات، لاسيما في ظل تنامي السياسات الحمائية، وتفاقم حدة التوترات التجارية بين القوى الكبرى، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية والصين، وكذا تزاید الصراعات الجيوسياسية، وما ترتب عنها من انعكاسات على تراجع آفاق النمو العالمي، كالحروب البيولوجية والتقلبات الكبيرة لأسعار الغاز والبترول، وانعكاس كل ذلك حتما على بلادنا؛ أما على المستوى الداخلي فحسب “المنظمة الديمقراطية للشغل”، تقريرا وُصف بالأسود حول الحصيلة الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب بالنسبة لسنة 2019:  سنة 2019 سنة فشل السياسات العمومية التي لم تحقق أهدافها لكونها تتسم بالبطء والانتقائية وعدم التجانس وغياب التنسيق وإستراتيجية وبرامج المسكنات والإحسان الحكومي، وتراجع مستوى المنظومة التعليمية في تكوين وتأهيل الموارد البشرية والكفاءات المطلوبة وضعف استخدام أسلوب البحث العلمي الحديث ودعمه وتمويله وغياب إستراتيجية مندمجة فعالة لدعم التكنولوجيا الصناعية وتقليص الهوة الرقمية و الفشل في إيجاد الحلول الطويلة الأمد للتحديات الاقتصادية الاجتماعية والثقافية الرئيسية (الردة الاقتصادية، الردة السياسية خصوصا على المستوى الحقوقي، توسيع الهوة بين الطبقات الاجتماعية.. )، التي يوجهها المغرب مع مواجهة مقاومة شرسة للقوى والنخب المستفيدة من الوضع الراهن، وكذا عدم استقرار الخيارات الحكومية نتيجة كثرة التعديلات الوزارية وتغيير الحكومات كما يمكن اعتبار تراجع تصنيف المغرب على مستوى المؤشر المركب للتنمية البشرية مؤشرا قويا على فشل استراتيجية التنمية المتبعة في بلاد مما يفرض علينا، ضرورة التفكير في أسس ولبنات مشروع تنموي متكامل؛ قوامه التحديث والديمقراطية، والتطور والنماء، والاستفادة في الوقت نفسه، من إخفاقات الماضي، ومعاناة الحاضر مع جائحة كورونا (COVID-19) بالتركيز على دعم القطاعات الاجتماعية وإعادة الاعتبار للمنظومة الصحية على وجه الخصوص وتقليص الفوارق المجالية و مظاهر الفقر.

مما لا شك فيه أن الوضعية الراهنة ستساهم في إحداث التغيير على الصعيد العالمي وستتشابه الأمم في القيام ببعض السياسات الاستعجالية، وستنهض أمم أخرى، وستتسابق جميعها في المجال الصحي، كل حسب إمكاناتها، وسنرى اختلافات في ترتيب الدول من حيث قوة الخدمات الاجتماعية المقدمة وغيرها من القطاعات، وهو الوجه الجديد الذي سيصبح عليه العالم في زمن ما بعد كورونا.

فما هي أهم التدابير التي قام بها المغرب في زمن كورونا؟ وكيف ستكون تبعات هذه الأزمة على الخدمات الاجتماعية مستقبلا؟ وأي نموذج تنموي نريده في بلادنا؟

بينما يعاني الاقتصاد المغربي من الجفاف، جاء فيروس كورونا ليزيد الوضع تعقيداً.

رغم بنية صحية هشة، تحاول السلطات تدبير الأزمة، فظهرت رسمياً أولى حالات كورونا في المغرب في الثاني من شهر مارس 2020، ويتعلق الأمر وِفق السّلطات بمغربي مقيم بإيطاليا، تلته حالتا سائحين فرنسيين، سارعت السلطات المغربية في وقت مبكر نسبياً إلى اتخاذ مجموعة من التدابير وُصفت بالاستباقية والجريئة. فقد قامت منذ الأول من شهر فبراير بتعليق الرحلات الجوية مع الصين وتشديد المراقبة في الموانئ والمطارات الدولية.

خلال المرحلة الأولى من انتشار الفيروس، أمرت السلطات بإغلاق المساجد والمقاهي والمطاعم وكافة المرافق الترفيهية، كما ألغيت جميع الملتقيات الرياضية والفنية. وقد تمّ تعليق الرحلات الجوية الدّولية بشكل تدريجي قبل أن تتوقف في منتصف مارس/ “إلى حين إشعارٍ آخر”. وفُرض “حجر صحي” على المواطنين تم تشديده تدريجياً ليصل إلى حالة طوارئ صحية تمتد من 20 مارس إلى غاية 20 أبريل المقبل وتجديده إلى غاية 20 ماي 2020.

وبمجرد فرض الحجر الصحي، نزلت قوات الأمن ومدرعات الجيش والسلطات العمومية إلى الشارع من أجل بث الاطمئنان والحرص على تطبيق التدابير الصحية. وقد استخدمت السلطات أبواق المساجد ومكبرات الصوت في الشارع واستعانت حتى بالـ “برّاح” (المُنادي)، أملا منهم في إقناع من لم يقتنع بعد بالتزام منزله، مع تكييف الخطاب بحسب المناطق واللهجات المتكلمة.

تعي السلطات المغربية جيداً أن رهان الانتصار على الجائحة يمر عبر خيارات أخرى غير أسرة المستشفيات، التي صرح رئيس الحكومة أنها مجهزة تتوفر على 1600 سرير إنعاش عبر التراب الوطني” وبتوجيهات ملكية ودخول الطب العسكري على الخط وصل العدد إلى حوالي 3000 سرير. من جهة أخرى، أعطى الملك محمد السادس تعليمات بإحداث “الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا” من أجل “التكفل بالنفقات المتعلقة بتأهيل الآليات والوسائل الصحية”. كما دعت وزارة التربية الوطنية إلى اعتماد التعليم عن بعد حيث أطلقت مجموعة من المنصات الإلكترونية للتلاميذ والأساتذة مع تدعيمها بعرض الدروس على بعض القنوات التلفزية لكنها أبانت عن مستوى هزيل خصوصا على مستوى العالم القروي حسب المختصين.. وأعلن الملك عن دعم الاقتصاد الوطني من خلال مجموعة من التدابير التي ستقترحها الحكومة من أجل دعم المقاولات المتوسطة والصغرى التي تواجه صعوبات” والعاملين، وكذا تخصيص مساعدات مالية لدعم الأسر المتضررة من إجراءات مكافحة “كورونا”.

وفي مستوى آخر ظهرات مبادرات جمعوية تتوخى المساهمة في جهود لكبح جماح فيروس “كورونا”، وتنطوي على حس إنساني وتوعوي هادف.

بمنصات التواصل الاجتماعي ذائعة الصيت والأكثر استقطابا لمختلف الشرائح الاجتماعية، تطورت هذه المبادرات وتوسعت أنشطتها، بفضل شباب واعد أعاد إلى الواجهة قيم التضامن والتآزر المتجذرة في المجتمع المغربي، لا سيما إزاء الفئات الهشة والأكثر عرضة لخطر الوباء التاجي.

وهكذا، برزت مبادرة “خليك فدارك أنا نتسخر ليك” (الزم بيتك سألبي طلباتك)، لتشكل واحدة من أهم هذه المبادرات الإنسانية التي تنضاف إلى الدعوات والجهود التحسيسية الرامية لإذكاء حس المسؤولية لدى المواطن والإسهام في جهود مكافحة تفشي الفيروس.

لكن الفترة الراهنة تدفع الكثيرين نحو مساءلة السياسة النيو ليبيرالية التي يتبعها المغرب منذ عقود، يقول الاقتصادي المغربي نجيب اقصبي:  “قبل كورونا، ظهرت بوادر سنة اقتصادية واجتماعية سيئة بسبب الجفاف، إذ كانت التوقعات تتكلم عن 40 مليون قنطار من القمح، وهذا يعني سنة جد سيئة أي أقل بنسبة 42٪ مقارنة بالموسم السابق (2018/2019) وأقل بـ 34٪ مقارنة بمتوسط الخمس سنوات. نحن إذن إزاء صدمتين في آن واحد”. حيث أن هذه الأزمة برهنت على الفشل الذريع للإيديولوجيا الليبرالية المتوحشة التي حاولت إيهامنا بأنه بإمكان السوق والقطاع الخاص القيام بكل المهام.

بما أن الليبرالية لم تكن في بداية نشأتها تهتم بالمسألة الاجتماعية، فإنه من الصعب أن نتحدث عن منظور ليبرالي للحماية الاجتماعية، خصوصا في بداية نشأة الرأسمالية، لأن الدولة الليبرالية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، كانت نموذجا للدولة الحارسة، التي تتدخل في مجالات الأمن الداخلي، والدفاع الخارجي، ” والعدالة” فقط.

ولم تتدخل في المجال الاجتماعي إلا بعد أزمة 1929 والحربين العالميتين، حيث تم التحول إلى نموذج دولة الرفاه. وبدأ تدخلها بعد “صدور قانون الفقراء في عام 1601، الذي حتم على السلطات المحلية في إنكلترا أن تقدم المساعدة، من الرسوم والضرائب المحلية، للمرضى والمحتاجين والمشردين (… ) كما أن قانونا مماثلا صدر قبل هذا التاريخ في اسكتلندا في عام 1579، وبذلك أقيمت أسس المبدأ القائل أن العناية بالفقراء إنما هي بالضرورة جزء من التنظيم الاجتماعي للدولة”.

وفي سنة 1797 لجأت انجلترا مرة أخرى إلى إنشاء ملاجيء خاصة لإسكان الفقراء، كما صدر في ألمانيا سنة 1795 قانون يلزم الفلاحين الأغنياء بمساعدة الفقراء الذين يشتغلون عندهم. وقد اتضحت معالمها بشكل أكبر مع صدور قوانين بسمارك Bismarck في ألمانيا بخصوص حوادث الشغل والأمراض المهنية سنة 1871 ثم قانون التغطية الصحية بتاريخ 15 يونيو 1983[1]، وذلك تحت ضغط الأحزاب الاشتراكية، في حين تم وضع خطة بيفريدج plan Beveridge سنة 1942 ببريطانيا التي حملت مقاربة بذرية للحماية الاجتماعية، مغايرة للتجارب الأخرى المتعلقة بالتأمين الاجتماعي كما هو الشأن في أمريكا وأوروبا، فهذه المقاربة تجعل من الضمان الاجتماعي “وسيلة لتحرير الإنسان من الفاقة” عن طريق ضمان الدخل.

 ذلك أن الأزمات التي أفرزتها الرأسمالية، فرضت عن طريق الصراع العمالي، هذه المكتسبات الضئيلة في ميدان الرعاية الاجتماعية، فقد جاءت تدخلات الدولة في هذه المرحلة عبارة عن خروقات محدودة لمفهوم “الدولة الحارسة” أو ” الدولة الشرطي” التي تسهر على مبدأ دعه يعمل دعه يسير، هذه ” الخروقات كانت تهدف إلى معالجة بعض المشاكل الاجتماعية التي رافقت عملية التراكم الرأسمالي في القرن التاسع عشر والتخفيف من معاناة الطبقة العاملة والفقراء من جهة، وتحسين شروط العمل وظروفه من جهة ثانية”.

“لقد أظهرت هذه الأزمة للطبقة السياسية المغربية مدى ضعف الدولة وخطأ تهميشها لقطاعات حيوية من حجم الصحة والتعليم على اعتبار أنها “غير منتجة”. والأكيد أن لهذه القرارت المجحفة في حق البرامج التنموية ذات الطابع الإجتماعي أسبابها التاريخية كما نعلم أن المغرب منذ حصوله على الإستقلال، وكغيره من البلدان المماثلة بدأ في الإهتمام ببناء وإعداد البنية التحتية من موانئ وسدود وطرقات، معتمدا بالأساس على القروض من الهيئات المانحة (كصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، … )، وكانت الجهود منصبة بشكل خاص على الجانب الإقتصادي، عملا بتوجيهات هذه الجهات المانحة، دون الالتفات إلى الجوانب الأخرى المهمة في التنمية كالجانبين الاجتماعي والثقافي، وبقي تعاطي الدولة مع الجانب الاجتماعي في حدود دنيا، لا تعدو أن تكون بعض البرامج القطاعية المحدودة، والاهتمام بفئات معينة دون تعميم تلك التدابير على جميع الفئات، لكن إزدياد حجم فوائد القروض، وضعف تنافسية الاقتصاد الوطني، كلها عوامل ستساهم في ظهور أعراض الخلل في الاقتصاد الوطني، ستجعل الدولة أمام صعوبات الوفاء بالدين الخارجي، تخضع لتوجيهات وشروط مجحفة لهذه الصناديق، وصل ذروته مع فرض سياسة التقويم الهيكلي سنة 1982 الذي ركز على الإصلاحات الضريبية والنقدية، لخلق التوازن الماكروإقتصادي، كان وقعها خطيرا على الجانب الاجتماعي، وصفه العاهل الراحل الحسن الثاني بسكتة قلبية موشوكة الوقوع.

وقد عرفت بداية الألفية الثالثة بالمغرب، ظهور مقاربة جديدة للتنمية الاجتماعية، جاءت في خضم انتقال الحكم إلى العاهل الجديد محمد السادس، وبروز مستجدات على الساحة الدولية، عرفت إجماعا دوليا على ضرورة الالتفات إلى ظاهرة الفقر المنتشر على نطاق واسع، وكان من نتيجة ذلك عقد مؤتمر كوبنهاكن سنة 1995، ثم مؤتمر الأمم المتحدة للألفية، تمخض عنه التزام الدول ال 147 المشاركة بأهداف سميت بأهداف الألفية للتنمية في أفق تحقيقها سنة 2015.

وكان على المغرب رفع هذا الرهان، والدخول في الماراطون الدولي لتحقيق الأهداف الثمانية، والغايات الثامنة عشر، والتي تحتل فيها المسألة الاجتماعية أولوية أساسية، وقد رافق كل هذه المستجدات تحول نظرة الدول إلى الإنفاق الاجتماعي باعتباره إستثمارا بشريا يعود بالنفع على الإقتصاد، عكس ما كان عليه الأمر من قبل من اعتبار الجانب الاجتماعي قطاعا غير منتج في الإقتصاد، وفي هذا السياق ومع بداية سنة 1999 تم إنشاء وكالة وطنية للتنمية الإجتماعية، كآلية لتدبير البرامج الإجتماعية، وإعداد مشاريع القرب لدى تم خلق 16 تنسيقية جهوية، تعمل وفق أولويات يتم تسطيرها في مخططات هذه المؤسسة، والهدف منها تقليص الخصاص الاجتماعي، عن طريق تقوية قدرات الفاعلين الاجتماعيين الآخرين من النسيج الجمعوي، ودعم الأنشطة المدرة للدخل لدى الفئات الهشة من المجتمع، ودعم البنية التحتية الأساسية، ودعم التنمية الإجتماعية بالمدار الحضري.

وبالموازاة مع عمل هذه المؤسسة، تم إحداث مؤسسة من طرف العاهل المغربي خاصة بالتضامن في نفس السنة حملت اسم “مؤسسة محمد الخامس للتضامن” حصلت على صفة النفع العام، وتعمل وفق حملات وطنية لجمع التبرعات عن طريق المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، ويتم تصريف مواردها في برامج مختلفة لدعم الساكنة في وضعية صعبة، والتدخل الإنساني في الكوارث الطبيعية، ودعم الجمعيات، والمساهمة في التنمية المستدامة عن طريق بناء وتجهيز المؤسسات الإجتماعية، والبنيات التحتية.

بالإضافة إلى هذه الترسانة المهمة من المؤسسات والآليات الإجتماعية، ستعرف سنة 2005 انطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والتي أعلن عنها الملك محمد السادس، حيث أعطيت لها ميزانية مهمة، وسخرت لها إمكانيات الدولة من أجل إنجاح برامجها وأوكل لمصالح وزارة الداخلية أمر تسييرها عن طريق اللجان الإقليمية بالعمالات، واللجان المحلية في كل قيادة، وسطر لها كأهداف عامة ؛ محاربة الفقر، محاربة الإقصاء الاجتماعي، ومحاربة الهشاشة الإجتماعية، وأشركت معها شركاء محليين كالجماعات المحلية، والجمعيات، وكذا التعاونيات، وقد بنت تدخلاتها على خريطة وطنية للفقر يتم بموجبها تحديد المناطق الأكثر احتياجا، وبالتالي أعطيت لها الأولوية في مشاريع المبادرة، وتعمل بشكل عمودي وأفقي لتحقيق غاياتها. لذلك يمكن القول أن تفكير المغرب في الجانب الاجتماعي كان ضعيفا و رهينا بتطور المؤشر الاقتصادي.

ولتعزيز هذا الطرح نشرت هيئة الأمم المتحدة تقريرها السنوي لسنة 2011 حول التنمية البشرية الذي احتل فيه المغرب المرتبة 130 من بين 187 دولة، فيما احتل الرتبة 114 سنة 2010. هاتين المرتبتين وضعتا السلطات المغربية في موقف حرج أمام خبراء التنمية من جهة ؛ و أمام المواطنين المغاربة من جهة أخرى، لكونها توحي بأن الدولة لا تولي اهتماما للتنمية البشرية رغم تخصيصها لميزانية مهمة للقطاعات الاجتماعية، تصل إلى نصف الميزانية العامة للدولة، و كذا استمرار العمل الاجتماعي وفق برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي تعتبر أهم قرار اجتماعي أعلن عنه في المغرب منذ وصول الملك محمد السادس إلى سدة الحكم، سنة 1999.

هذا المعطى، يجعل المتتبع للشأن الاجتماعي بالمغرب يقدم تساؤلات عن سبب تواضع المغرب في سلم التنمية رغم الاهتمام الذي توليه الدولة لمحاربة الفقر و الهشاشة و الإقصاء الاجتماعي؟

على المستوى الوطني:  من خلال استعراض مختلف البرامج والمبادرات التي قام و يقوم بها المغرب في مجال التدخلات الإجتماعية، نستخلص مجموعة من الملاحظات والتي تدعو إلى ضرورة إعادة التفكير في مجمل هذه المبادرات، فنلاحظ مثلا أنه بدلا من أن تكون السياسة الاجتماعية في صلب الخطة الوطنية، فإنها تركز على معالجة النتائج.

فهي تستخدم أساسا وسيلة مخصصة لمعالجة النتائج الاجتماعية الناجمة عن إخفاقات الأسواق ومنها البطالة وانخفاض الدخل، أو لمعالجة مشاكل بعض الفئات الاجتماعية المهمشة والمحرومة، كالمعوقين والمسنين.

ومن هذا المنطلق، حصرت “السياسة الاجتماعية” في مجموعة مشاريع اجتماعية لتلبية الحاجات العاجلة والملحة.

وبقيت هذه السياسة مقيدة برؤية ضيقة تركز على المستوى الجزئي، وتقتصر على برامج قطاعية مباشرة كثيرا ما تفتقر إلى الكفاءة في تخصيص الموارد الضئيلة وتقييم أثرها على حوافز السوق الاقتصادية، ضف على ذلك ضعف آليات الرقابة وربط المسؤولية بالمحاسبة، فساد النخب وضعف تأهيلها لذلك التخطيط يأتي من الأعلى” المركز” إلى الأسفل “المناطق المحلية” مما يجعلها بعيدة كل البعد عن الواقع المعيش في حين لو كانت النخب مؤهلة لكانت هي من تحدد توجهات واضعي السياسات العمومية… وغيرها من العوائق التي تحول دون تحقيق الإقلاع التنموي المنشود.

على المستوى الدولي:  هذا الوضع يجعلنا نتساءل عن مدى صحة هذا التوجه العالمي نحو الإنفاق على الشق الاجتماعي بمختلف قطاعاته ؟ هل فعلا توجه الأمم المتحدة التنموي يروم بشكل فعلي إلى وضع الإنسان في صلب اهتماماته وبحث سبل الإرتقاء به؟ أم أنه مجرد استهلاك إعلامي ومجرد دغدغة للمشاعر وإضفاء نوع من الإشعاع وصور ملمعة للنظام الرأسمالي، والتي قد تكون هي نفسها رهينة للصناديق الدولية، مما يكرس الاستغلال والتبعية في البلدان النامية…

ونستحضر هنا مصطفى حجازي في مؤلفه “التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الانسان المقهور”: (لقد تحالفت قوة الرأسمال والتكنولوجيا مع قوة الإقطاعي المستمدة من استعباد الفلاح والعامل. وهكذا تحول الصناعي الأوروبي إلى رأسمالي قامع مستعبد وتحول الاقطاعي إلى رأسمالي مهيمن بشكل مزدوج بشريا وماليا، هذه الهيمنة على الانتاج هي لب البنية الاجتماعية المتخلفة هي المعطل الول لنمو البلدان المتخلفة لانها حدت من قدرة السوق المحلي وهي المسؤولة عن الحد من الخدمات والتقديمات الحيوية مما يفاقم مشكل التخلف).

وتراهن فعاليات عديدة على إمكانية تدارك الدولة لبعض هفواتها على مستوى القطاعات الاجتماعية، من خلال قوانين المالية المقبلة، أو عبر لجنة النموذج التنموي الجديد، والتي سيفيدها الوضع الحالي في تقييم حجم الخصاص القائم في قطاعات متفرقة. لا سيما وأن المجتمع في ظل جائحة كورونا قادم على التوجه إلى المعاملات الرقمية للشراء والتبضع أكثر من قبل، ودليل ذلك الأرباح التي حققتها أمازون ومواقع الشراء عبر الإنترنت من المطاعم والبقالات إلى المشتريات المنزلية اليومية والملابس وأدوات الترفيه وغيرها. ليس ذلك فحسب، فحتى الخدمات الصحية سوف تتطور عبر الإنترنت باستخدام التطبيقات وإجراء الاستشارات عن بعد. حتى وسائل التواصل الاجتماعي نالها هذا التغيير، فقد كثرت متابعة العلماء والأطباء وأصحاب الخبرات العلمية والمؤثرين إيجابيا في المجتمع وسيكون كلام هؤلاء الخبراء مصدقا ومحل اهتمام وتطبيق.

وسيطال هذا التغيير مراكز القرار ووزارات الصحة والتعليم على وجه الخصوص، حيث إنها اكتسبت خبرة أثناء هذا الوباء، لا سيما أن الدول التي لم تتخذ خطوات صارمة منذ البداية عانت من تصاعد وتيرة الإصابات والمضاعفات والوفيات، واستنفذت الموارد الصحية لديها ووصلت لأحوال سيئة، واستفادت من تجاربها الدول التي وضعت إجراءات احترازية للطوارئ في مواجهة الوباء وفَعَلت الخطة حالا، فقد حاصرت المرض ونجحت في الخروج من عنق زجاجة انتشاره بسرعة فتاكة وفي المستقبل ستكون خطط الاحترازية للطوارئ لدى هذه الجهات جاهزة وسريعة ومحكمة، وستتعلم الدول منذ إصابة أول أفرادها بتطبيق الإجراءات الحازمة، وسيتاح المجال للعلماء والمخترعين والمكتشفين، وستسهل لهم إجراءات البحوث ويتمكن أصحاب الأفكار من تنفيذها، ولا شك أن لائحة مطالب مرحلة ما بعد فيروس كورونا لا تزال ممتدة بطول أيام تفشي الفيروس في صفوف المغاربة؛ فبعد بروز مشاكل عديدة، يشدد طيف كبير من المواطنين على إلزامية تطوير المنظومة الاجتماعية للاستجابة للاحتياجات اليومية، (زيادة ميزانيات قطاعي الصحة والتعليم) وتحسبا لأي ظرف مماثل للسياق الحالي مستقبلا مواكبة للركب الحضاري.

يقول محمد جسوس في طروحات له حول المسألة الاجتماعية:  “أن الحضارة ليست في ملك الغرب، بقدر ما هي في ملك من قرر الاندماج فيها والعمل داخلها. ومن هذا الباب فأنا أقول إنه ليس لنا اليوم اختيار على هذا المستوى، اختيارنا الوحيد في رأيي هو الاندماج في التاريخ بكل مكوناته و مجابهة سلبياته، ومحاولة فرض ما لنا من قيم واختيارات أما ماعدا ذلك فهو الظلام المطلق وهو فقط تحطيم بدون عناء، وهو تكريس للأوضاع الراهنة وبعلارة أخرى أنا أقول إن المقاومة الفعلية هي الاندماج في البحث العلمي، وفي المغامرة الحضارية “.

لقد اختزلت عوائق التنمية في المغرب منذ ما يزيد عن نصف قرن من خلال الخطابات التنموية، في إشهار وتوظيف مفاهيم ونظريات لم تفض إلى تحقيق الإقلاع المنشود وبالتالي لم تسمح باستيعاب عوائق التطور وأسباب وطبيعة التنمية. وسواء تمثلت الحلول في تبني خطاب )التنمية المعتمدة على الذات( كخطاب ساد في ستينيات القرن الماضي أو في تبني خطاب )التنمية المحلية التشاركية( المهيمن اليوم، لا تلمس التشخيصات المتداولة تصورا متكاملا حول أسباب التعثر.

وكما ربطت (الإصلاحية العربية) منذ مايزيد عن قرن سؤال أسباب التاخر أو أسباب التقدم بطبيعة المؤسسات السياسية، ومن ثم عزت التأخر للإستبداد ورهنت التقدم بالدسترة دون استحضار التحولات التي طرأت على البنيات الثقافية العامة في الغرب، ارتبطت الخطابات التنموية السياسية والاقتصادية في المغرب في مرحلة ما بعد الاستقلال بمطالب الإصلاح والتنمية والدمقرطة والحكامة الجيدة، ولكنها اختزلت بدورها كل هذه المطالب على مستوى البنيات العمودية ولم تعر اهتماما للبنيات الأفقية المتلقة أساسا بالخدمات الاجتماعية.

فالتنمية الاجتماعية مسار طويل ومتشعب ومتعدد الأبعاد، يقود إلى تنمية القدرات الفردية والفرص والإمكانات المتاحة، ويقود كذلك إلى توسيع دائرة الخيارات وتقوية الطاقات، على أساس من المشاركة والحرية والفاعلية، من أجل الوصول إلى تحقيق مستوى عيش كريم لأفراد المجتمع، اليوم وغدا، دون أن ترهن في ذلك قدرة الأجيال القادمة على الاستجابة لرغباتها.

ولا يتأتى ذلك كله إلا بالزيادة من مخزون رأس المال المتاح، بجميع أصنافه؛ المادية (أراضي وتجهيزات) والمالية (ادخار وقروض) والطبيعية (مواد طبيعية) والبشرية (تعليم وصحة) والاجتماعية (علاقات اجتماعية) من هذا المنطلق، فالتنمية ليست مجرد عملية إنتاجية لتوفير المواد والسلع والخدمات، وإنما هي أكبر من ذلك، تبتدئ بسد الخصاص في الشغل والسكن والصحة والتعليم وتنتهي عند تحقيق الأمن السياسي والمشاركة في الحفاظ على التوازن البيئي واحترام القانون والمؤسسات وتمكين المرأة ومكافحة الفقر او على الاقل تقليصه.

وفي اعتقادي أن الظروف التي يعانيها المغرب في ظل الجائحة توضح بالملموس النموذج التنموي الذي نريده، حيث لابد أن تعجل بجعل التعليم والصحة من أولويات النموذج التنموي، فأزمة كورونا تعيد طرح اختيارات الدولة في مجالي الصحة والتعليم، وقطاع الصحة الذي يحتاج لتأهيل سريع وإعادة هيكلته وتقوية بنيته التحتية لاستقبال المرضى وللتدخل العاجل في مثل حالات الأوبئة وانتشار المرض والفيروسات، ولابد من تشجيع البحث العلمي والطاقات البديلة وتطوير وتشجيع الصناعة الوطنية وخصوصا في مجال الأدوية، كما أن التعليم أصبح مطروحا عليه إحداث تحول تكنولوجي داخله لرقمنته واعتماد سياسة التعليم عن بعد بشكل متكافئ يضمن لجميع فئات المتعلمين الاستفادة منه.

لذلك بلادنا ستحتاج إلى إعادة طرح سؤال الدولة التي نريد، حيث أثبتت تجربة تدبير كورونا حاجتنا إلى دولة تدخلية )دولة الرعاية الاجتماعية(، باعتبارها كأداة للمشاركة المثلى في تحمل المخاطر؛ كالتأمين عند الولادة للحماية ضد نتائج غير معلومة مستقبلا، وهو ما يساعد على تخفيف حدة الفقر، وكذلك استجابة لحالات الإخفاق في السوق؛ فتعالج المشكلات الفنية في شركات التأمين الخاصة، ولا سيما ما يتعلق منها بالبطالة والمخاطر الطبية والرعاية الاجتماعية.

لذلك فالمغرب بحاجة إلى سياسة اجتماعية جيدة وفعالة تعمل على تعزيز التبادل بين أنشطة السوق والدولة، ويقتضي تصميم السياسات على نحو يتماشى مع النظرية الاقتصادية وجودة الخدمات الاجتماعية.

وهناك بعض الحلول التي تأخذ في اعتبارها إخفاقات السوق، وتقر بتغير الأوضاع في سوق العمل وهياكل الأسر، وتعتمد على النتائج التي يستخلصها الاقتصاد السلوكي مثل:

دفع الناس إلى زيادة مدخراتهم من خلال تسجيلهم تلقائيا في أحد برامج معاشات التقاعد.

إعطاء الأسبقية للتخصصات التي توفر الشغل واعتماد نظام ناجع للتوجيه المبكر، سنتين أو ثلاث سنوات قبل البكالوريا لمساعدة التلاميذ على الاختيار حسب مؤهلاتهم وميولاتهم، بين التوجه للشعب الجامعية أو التكوين المهني.

اعتماد اتفاقية إطار بين الحكومة والقطاع الخاص، لإعطاء دفعة قوية في مجال إعادة تأهيل الطلبة الذين يغادرون الدراسة دون شواهد، بما يتيح لهم الفرص من جديد، لتسهيل اندماجهم في الحياة المهنية والاجتماعية.

وضع آليات جديدة تمكن من إدماج جزء من القطاع غير المهيكل في القطاع المنظم عبر تمكين ما توفره من طاقات، من تكوين ملائم ومحفز، وتغطية اجتماعية، ودعمها في التشغيل الذاتي، أو خلق المقاولة.

إن الحديث اليوم عن نموذج تنموي جديد بالنسبة لبلادنا، يعني فيما يعنيه، أن نرى المغرب، بكل قيمه التقليدية وتاريخه العريق وخصوصيته الاستثنائية وتجاربه السياسية، يجعل من الإنسان محورا أساسيا لكل برامج وسياساته…

إن المتتبع لتطور الفكر التنموي والسياسات التنموية منذ أواخر السبعينيات سوف يلحظ حدوث تراجع عن مقولة ظلت تتمتع بقبول واسع طوال ما يزيد عن ثلاثة عقود سابقة. وتتلخص هذه المقولة في أن التنمية لن تتحق ق في الدول النامية بشكل تلقائي من خلال آليات السوق. وأن على الدولة أن تتدخل في إدارة الاقتصاد، سواء بالتأثير في عمل الأسواق أو بالحلول محل آليات السوق في بعض الأحيان، وأنه لكي يكون هذا التدخل منظما ورشيدا، فإنه يجب أن يمارس من خلال نوع أو آخر من التخطيط.

فالتنمية هي عملية تحرر إنساني تشمل تحرير الفرد من الفقر والقهر والاستغلال وتقييد الحرية، كما تشمل تحرير المجتمع من ذل الاعتماد على الخارج وتخليصه من قيود التبعية بكل ما تحمله من استغلال وتقييد للإرادة الوطنية وهشاشة أمام الصدمات الخارجية والبشر هم هدف التنمية ووسيلتها.

ولذا فمن الواجب وضعهم في بؤرة اهتمام صناع السياسات ومتخذي القرارات لتنمية قدراتهم وتمكينهم من تحقيق ذاتهم وإطلاق طاقاتهم على الإبداع، وتوفير الفرص الملائمة لانتفاعهم بهذه القدرات في صورة حياة حرة كريمة وسليمة.

ومن هنا ينبغي أن تهتم التنمية بإشباع الحاجات الإنسانية لعموم الناس، وبإشراكهم بشكل فعال في اتخاذ القرارات المؤثرة في حياتهم وحياة أبنائهم.

وذلك كله دون الجور على حق الأجيال القادمة في فرص معقولة للنمو من خلال الحفاظ على البيئة واحترام توازناتها وتطوير قاعدة الموارد الطبيعية بانتظام. فبذلك تكون التنمية مستمرة ومتواصلة أي مطردة، وتتوافر للمجتمع فرص إعادة البناء والتجديد الذاتي.

 

قائمة المراجع:

  • محمد جسوس: طروحات حول المسألة الاجتماعية، منشورات الأحداث المغربية 2003.
  • مصطفى حجازي: التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب 2005.
  • مساهمة المجلس الاقتصادي والاجتمعي والبيئي: النموذج التنموي الجديد بالمغرب، 2019.
  • المنظمة الديمقراطية للشغل”، تقرير حول الحصيلة الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب بالنسبة لسنة 2019.
  • المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات كتاب/ “تقرير المغرب في سنة 2018، مغرب الاحتجاجات:  فشل النموذج التنموي”
  • الحاج الكوري: قانون الضمان الاجتماعي، دار السلام، الرباط 2000.
  • نجيب عيسى: “تاريخ نشوء وتطور دولة الرفاهية الاجتماعية والتحولات البنيوية في اقتصاديات الدول المتقدمة صناعيا”، ندوة نظمها مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع المعهد السويدي بالاسكندرية، مركز دراسات الوحدة العربية، لبنان، 2005.
  • السياسات الاجتماعية لمحاربة الفقر بالمغرب، مصطفى المناصفي: التقرير الاستراتيجي المغربي 2006 إلى 2010 ‘’الدار البيضاء ‘’منشورات أبحاث، التقرير التاسع، 2015.
  • تقرير المندوبية السامية للتخطيط سنة 2015 المغرب بين أهداف الألفية من أجل التنمية و أهداف التمية المستدامة.
  • المبادرة الوطنية للتنمية البشرية: الموقع الإلكتروني INDH. MA ” تاريخ التصفح 20/03/2020.
  • رضوان زهرو نموذجنا التنموي من أجل تعاقد جديد منشورات في مسالك الفكر والسياسة المغرب 2019.
  • سعد الدين وعبد الفضيل، التنمية العربية: مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1984.
  • تقرير هيئة الأمم المتحدة السنوي لسنة 2011 حول التنمية البشرية.
  • Gosta Esping Anderson, Les trois mondes de L’état providence Essai sur le capitalisme moderne, traduit de l’anglais par François-Xavier mérienne, pub, 1999 septembre, Paris.
  • Castel Robert, l’insécurité sociale, Qu’est qu’être protégé ? Ed Seuil 2003.
  • “Transformative Social Policy”: Lessons from UNRISD Research. ”(Geneva: UNRISD Research and Policy Brief, 5), 2006.

 

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.