أدب و تراث عروض كتب مختارات مقالات

رحلة ابن فطُّومة – نجيب محفوظ

سلسلة كتب تقرؤنا
قراءة وعرض رواية رحلة ابن فطُّومة
للاديب المصري نجيب محفوظ

بقلم ا. محمد عبد العاطي – مصر

من أمتع وأخصب روايات الأديب الكبير نجيب محفوظ. كنت أقرأ عنوانها “رحلة ابن فطُّومة” فأستخف به وأعرِض عنها، لكني من يومين تصفَّحتها فجذبتني، وحينما فرغت منها حمدت الله أنني قرأت مثل هذا العمل البديع.

وضع نجيب محفوظ في روايته هذه -على صغرها- خلاصة آرائه في الحضارات والأديان والسياسة والاجتماع، من خلال رحلة شاب يسمى قنديل العنَّابي الشهير بابن فطُّومة، ترك وطنه رغبة في المعرفة وأملًا في نسيان تجربة حب لم تُكلَّل بالزواج، وطاف ببلدان العالم شرقًا وغربًا، وراح يصف ما يشاهد، ويتأمل تجارب الأمم وعادات الشعوب، ويحلل أسباب التخلف وعوامل التقدم، ويقارن بين ما يراه في رحلته وما عايشه في موطنه الأصلي حيث الحضارة العربية والديانة الإسلامية.

فنقرأ ما نقرأ ولا نعرف أنستمتع بسرد الأديب الموهوب أم بعقل المفكر الكبير أم بكليهما معًا.

كان نجيب محفوظ صريحًا لدرجة مستغربة؛ حيث تكلم على ألسنة أبطال الرواية عن الاستبداد والفساد وحكم البلاد بالأهواء، وتحدث عن تطويع الدين لخدمة السياسة التي تصب في مصلحة الحاكم ولا تنتفع بها البلاد، وتحدث عن أهمية الحرية والعمل والعلم ودورها في النهوض الحضاري، كما أشار إلى حقيقة الأخلاق النابعة من الضمير وليست المفروضة بوازع خارجي، وألمح إلى العلاقة المثلى بين الرجل والمرأة كيف تكون بقطع النظر عن العري أو الاحتشام.

وناقش أهمية الدافع الذاتي للعمل والإنتاج في بلدان الحرية السياسية مقارنة بكبت الفرد وجعله ترسًا بآلة الدولة في بلدان القهر والاستبداد.

وأكد على أهمية العقل في فهم وظيفة الدين، ومضار الخرافة والتعصب والانغلاق.

كلُّ ذلك وغيره ضمن حبكة درامية متصاعدة لا تجعلك تترك الرواية حتى تنتهي منها لتعرف المصير والمآل.

ربما لم تحظ رواية “رحلة ابن فطُّومة” بشهرة أعمال نجيب محفوظ الأخرى: الثلاثية، والحرافيش، وأولاد حارتنا…لكنها في تقديري لا تقلُّ عنها عمقًا وإبداعًا، وربما فاقتها متعةً وتشويقًا، وكم من أعمال لم يُكتب لها الذيوع رغم جدارتها بذلك!

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.