رحلة البحث عن عقار أو لقاح للفيروس المستجد
اجتماع مختارات مقالات

كورونا وصفعة العصر

بقلم: عبد الرزاق بعطوط – المغرب 

خريج ماستر سوسيولوجيا المجال وقضايا التنمية الجهوية 

أكيد اليوم وفي ظل هذه الظروف الاستثنائية التي تمر منها المجتمعات تأجلت معها وبلا شك المتع والرغبات والنزوات الذاتية، وكل المطامح والمطامع الانسانية الى اجل غير مسمى، حالة بعثرت الكثير من الاوراق والاهداف ورتبت اخرى، ولاشك ان الكل بدأ يرى الامور والاشياء من منظور وزوايا مختلفة ومتعددة، أمور متعلقة بحياتنا الاجتماعية ككل علاقتنا وافعالنا وسلوكياتنا بل وحتى توقعاتنا للمستقبل، ربما هي حالة عادية بدأت تقتحم اذهاننا وعقولنا بكثير من الرغبة القوية والارادة المنتعشة بالآمال والتفاؤل تحن عنوان “التغيير”. تغير سلوكياتنا توقعاتنا وآمالنا وعاداتنا السيئة، الى اخرى خيرة ونبيلة او من احسن الى افضل، فالمهم هو التغير نحو الافضل الملموس، هي ظرفية مناسبة منحت الجميع مهلة التفكير مصحوبة بمشاعر الاستقرار والهدوء الغير العادي، تقول بصوت مرتفع غيروا انفسكم، هو نداء موجه لجل العناصر التي يتشكل منها ذلك الكل المركب والمعقد، فنداء الى الزوج الزوجة، الاب والام رجل سياسة، دين، اقتصاد، شرطي، استاذ، طبيب، رئيس، فلاح،خياط، سائق، بطالي…ما دمنا نخضع لضرورة العيش المشترك الذي من حسناته الجوهرية يعتبر جميع الافراد فاعلين في البناء المجتمعي رغم تفاوت في الدرجات والمناصب والمراتب والوظائف الوهمية.

 ومن الواضح اننا معها توحدنا جميعا على خصال التضامن والتعاون والتسامح من داخل الفضاء الاسري وخارجه، هي قيم نبيلة وسامية بدأت تطفوا الى السطح وتعيق طريق اللاحق واللاعدالة واللاتكافؤ التي بدأت تخفي شرارتها في ظل فترة الوقاية هذه ما يجعل الحياة عادلة بيننا حتى اللحظة، مادامت غريزة البقاء على قيد الحياة هدفنا.

 بيد ان هذا لا يمنعنا من طرح السؤال التالي خاصة ونحن في فترة التأمل وطرح الأسئلة الكبرى، فكيف كانت ملامح المجتمع قبل الكورونا؟ بمعنى الم تكن تلك القيم الاخلاقية النبيلة السائدة اليوم بنغمة “الcovid19” حاضرة؟

 نعم كانت موجودة ومعاشة، لكن يمكن القول انها كانت تحبس وتعد انفاسها الاخيرة، كنا قد بدأنا نرى اختفاء واندثار ملامحها في اوساط ومجالات عدة لعوامل كثيرة يتداخل فيها الاقتصادي بالسياسي والتكنولوجي بالاجتماعي والثقافي، في مقابل ظهور ملامح الغرابة والاغتراب والعزلة واقصاء الذات وقيم الحميمية الفردانية، التي باتت لا تطيق اكراهات وسلطة الضمير الجمعي والذي بدوره هو الآخر لا يعترف أو يؤمن بمشاعر اللاشعور أو العالم الداخلي المنولوجي الغير المرئي للأفراد، هو عالم افتراضي “فكتيفي” ان شئنا القول يشكل بؤرة حقيقية سريعة الانتشار محملة بشحنة من الطاقة الايجابية والسلبية وبالأوهام المضللة والاعترافات الجوفاء والهاوية، عالم حيث ينتصر المادي على الرمزي، والهو على الانا الاعلى، فيه ديننا اضطرب، تقاليدنا وقيمنا فقد سلطتها، وتحرر الفرد من الجماعة،

 فضاء قد تعودنا فيه تدريجيا ما قبل “الكورونا” على نمط عيش غيري معولم بسلوكات وافعال غريبة يذكر انها حضارية، فحتى استقرينا فيه على ملامح العصرنة ومجتمع اللاهوية واللاأصل، واستقرينا على ثقافة “التيكتوك والهاشطاك وثقافة البوز” أو كما يلقبونها بثقافة الجيل الجديد ” صناع المخ-توى” فحتى بدأنا نصف مجتمعنا بالعصري المثالي تارة، والمتوحش” المنافق” تارة أخرى حتى بدأنا نعيش الاغتراب في وطننا، وحتى اجمعنا على ان عالم التكنولوجيا عالم الانترنت كفيل بتسهيل حياتنا الانطولوجية، جاءت صفعة كورونا والتي بلا شك قد بعثرت أوراق الكل فعلا، جاءت لتضع حد لكل هذه السلوكيات المصنوعة والمشوهة، ولتضع حد لأنانيتنا وجبروتنا في مجتمع يعيش افراده على شخصيات كثيرة أو ما يعرف بmultiple perssonality ولتوحدنا جميعا على ثقافة واحدة هي ثقافة البيت أو” الخيمة”، ثقافة الاعتراف والمواجهة وتقبل الاخر ولو بشكل استثنائي.

 كان بلا شك مجتمع اللامعنى واللامنطق واللأخلاق بقيم مفبركة كادت ان تصبح مقبولة اجتماعيا، هي اذن ثقافة كلابية ان صح التعبير مصحوبة بلغة التيه وفقدان الجوهر، كانت في أوج البزوغ والانفجار قبل “الازمة” في جو كان مناسب ومهيئ لها، فكريا واجتماعي واقتصاديا وسوسيوثقافيا، ومحيط يعشقها ويشجعها ويتباها بها بداعي الحرية والتحديث، ولأن فيها كما يدعون نجاح باهر وشهرة واسعة وعريضة معترف بها مجتمعيا واجتماعيا، والاهم من ذلك ثروة تخرجنا من الظلمات الى النور ” ظلمات المجتمع واقصاءه الى نور الشيطان وأهواءه، أو بالأحرى من نور الفقر والكرامة والاقتناع بالقليل في اطار العمل والمثابرة والكفاح، الى ظلمات اللاأخلاق واللأساس واللاإنسان واللاثواب.

 قد يراها البعض ومن وجهة نظر سوسيولوجية سيكولوجية آنذاك كردة فعل لربما لفرض الذات في ذلك الفضاء المثالي ” المنافق” كما يحبون – “موضة، شهرة، اعلام، لباس،اناقة لغة شارع اوال- تشمكير-” الذي أصبح الكل يقلدها لإخفاء الضعف واظهار القوة وكانه لا يعلم ان القوة تأتي بالاجتهاد والمثابرة ومعاناة البطالة ولذتها.

 لكن مادامت القسمة غير عادلة من الاساس والمجالات الترابية الجغرافية الحضرية والمدينية المرفولوجية تشوبها تفاوتات، ومادام طريق العلم والمعرفة والنجاح والوصول الى القمة صعب المنال حتى ومع توفر المعلومة، في ظل تفشي الانانية والفشل والاخفاق الذاتي، واللا-رغبة واللا-رادة والمتعة الوهمية في وسط جيل اللافكر، كصوت رافض لمظاهر اللا-مساواة واللا-حق والاقصاء الاجتماعي، فلنؤمن بالخرافة ادن ولننغمس ولننصهر في عالمنا الافتراضي عالم “الهاشطاك” العادل على الاقل والذي يرضي الجميع بدون استثناء ويعترف بكفاءتنا الغائبة في واقع المجتمع، عالم يجعلنا افضل على الاقل في وقت الفراغ الدائم، ولنختر المسار السهل للنجاح المؤقت ما دمنا نتجاوز مقولة تحدث حتى اراك، فكن انيقاً فقط حتى اراك وحتى يراك الجميع.

هو فضاء استقرينا على انغامه اللاهوياتية، كان يساعد في انتشار أمراض العصر بنكهة التحديث.

 الى ان جاءت الجائحة “جاءت بالأمل والتغيير –أو فقدان الامل والتخريب –”وبدون سابق انذار لتقدم درس للإنسانية قد يجعلنا نعيد التفكير في التملص من عالمنا الافتراضي الذي بدا غير كفيل بتسهيل حياتنا كما كنا نظن، جاءت وبرزنامة من الضوابط الالزامية الترابطية التي نعيش على ايقاعها اليوم وبشكل إجباري ولتعيد لنا شيء من هويتنا المفقودة بابتسامة عريضة.

وابانت على ان العلم فعلا حلقات متقطعة ومنفصلة، وان النظرية العلمية هي فعلا قابلة للتكذيب والتجاوز والفناء، كما ابانت ايضا على هشاشة الجوهر العلمي الكوني ومختلف القطاعات ومنظمات الصحة العالمية، في دول تكاد تكون مثالية وفاضلة، دول كنا نعتبرها فردوس في جحيم الدنيا، حتى اننا احببنا ثقافتهم ولغتهم ونمط عيشهم، بيد ان الخطأ خطأنا كما يبدو، فنحن من سمحنا لهم بذلك، سمحنا بنجاحهم الباهر وتقدمهم المستمر على حساب الفقراء والجاهلين في عصر العلم من الدول، وادعاءهم الديموقراطية والعدالة والقيم النبيلة الفاضلة، بأن تنسينا استبدادهم وطغيانهم وظلمهم للأوطان والاديان، وانسانية الانسان في شمس مشرقة واضحة ينكر حقيقتها الجميع. طامعين للحاق بهم ضمن عجلة التنمية المتقطعة في بحر هائج بعباب الامواج وبسفينة ركابها لا يعرفون كيف يبحرون، متغاضين بذلك عن الآية الكريمة ولن ترضى عنكم اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم…

 اذن هو درس للتاريخ نسرد احداثه كل يوم يسمى ب covid19 بمشاعر من الخوف والترقب والانتظار الى حين، والى ما ستحول اليه العلوم والأقدار، الشيء الذي أدى لاختلاف موازين القوى، وفقدان الاشياء المادية بريقها وقيمتها.

فالذات الانسانية ملهية ومشطونة بسؤال الساعة، هو سؤال الوجود وسؤال المعنى وعن دورنا في الحياة؟ وهل ما كنا نقوم به من ادوار سابقة على اعتبار انها مهمة وصائبة هي كذلك اليوم؟ ام نحن بحاجة لتغير الادوار؟ هو قلق وجودي يبقى عادي، رغما انه اقتحمنا لكي يعيد لنا شيئا من هويتنا وأصلنا، وحتى نتصالح مع انفسنا ومع من حولنا، ونضع حد لأنانيتنا ونزواتنا ومطامعنا اللامتناهية، ولنطلق بالثلاث عالمنا الافتراضي اللا-أخلاقي نحو المعقول واليقين، هي مناسبة للتأمل وللتساؤل أيضا عما ينم في حياتنا من تفاهة او عدم الجدوى، للنظر ومحاولة النظر في حياتنا المحكومة بالفناء المحتوم، ولنمط عيشنا لاستهلاكنا وتغذيتنا، ربما تكون هذه فرصة من اجل فك الاستعمار الغير مباشر الذي حاربناه مشيا ظنا منا اننا حققناه، والانسلاخ والانسياب، لما لا من الثقافة الصناعية المؤد لجة التي نعرف جميعا نقائصها.

لهذا اسميتها صفعة القرن في عصر يشتكي افراده من مرض النسيان والنكران الهوياتي القيمي، نكران الذات ونكران الغير، نكران سؤال الوجود وسؤال الدور، هي صفعة شكلت بدون أدني من الشك آلية للتشخيص والتخطيط وكشفت الغطاء عن نواقص كثيرة. وتنادي اليوم وبكل لغات العالم والمجتمعات بالتغير واعادة ترميم وترتيب موازين النظام الانساني من جديد، فالفيروس الطارئ هذا يحظرنا بصوت مرتفع للوعي بالعيوب العميقة التي تواجهها البشرية ككل، فالعالم معيب وليس قوي بما فيه الكفاية كما ظننا وكنا نعتقد، للتخلص من الخصائص العميقة المختلة في النظام الاقتصادي والاجتماعي العالمي ككل.

وها هي الدول المثالية جلها تعاني اللحظة من انهيار الاقتصاد وقلب وتغيير في موازين القوى وتتنافس حول ايجاد اللقاح المنتظر، بدهشة صادمة مصحوبة بسؤال هل نحن فعلا ضعفاء؟، ربما هي لعبة المكر بين” الكبار” أو ما يسمى بمؤامرة عائلة روتشيلد. … أو هو عقاب رباني بحجة ان الانسان اصبح فاسد غير صادق وانفلت عن الضوابط الدينية…. لكن لنكن صريحين فالإنسانية اليوم هي بحاجة للنظام انساني ذو قيم كونية فاضلة وسامية مشتركة ومستدامة، يعيد للطبيعة بريقها وهدنتها وعافيتها حتى تلتقط انفاسها وتعيد شبابها من جديد، وحتى يكون هناك مستقبل للبشرية قابل للبقاء، الشيء الذي يحتم علينا جميعا ان نتعلم فهم الدرس وفهم العلم بصورة افضل.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.