أدب و تراث عروض كتب مختارات مقالات

صورة دوريان غراي – أوسكار وايلد

سلسلة كتب تقرؤنا:
قراءة وعرض رواية “صورة دوريان غراي”
للروائي أوسكار وايلد

بقلم أ. محمد عبد العاطي – مصر

تدور أحداث الرواية حول فكرة جمال الروح وجمال الجسد والعلاقة الشائكة بينهما. وتحكي عن شاب أراد تخليد جماله الجسدي فلم يكن لذلك من بدٍّ غير اتفاقه على ذلك مع الشيطان، فعقد الاثنان صفقة؛ يطيع فيها الشاب الشيطان في كل ما يأمره به مقابل أن يمنع الشيطان عنه الدهر وما يفعله من تغيير ملامح الوجه الجميل، والتزم الطرفان ببنود العقد.

رسم أحد الفنانين صورة الشاب “دوريان غراي” ليخلِّد لحظة شبابه بينما راح الشاب نفسه يعبُّ من الملذات عبًّا، فلم يترك متعة إلا وجرب تذوقها، فانغمس في العلاقات المحرمة. وكان الشاب كلما ارتكب فاحشة من هذه الفواحش نُدِبت في روحه ندبة جعلتها أكثر كآبة، ولا يزال على هذا الحال حتى حيل بينه وبين استشعاره تلك السعادة القديمة التي كان يستشعرها كلما نظر إلى وجهه في المرآة؛ إذ لم يعد قادرًا على تذوق هذا الاستمتاع بعدما فقدت روحه القدرة على ذلك.

وفي النهاية، سقط الشاب الجميل صريعًا تحت صورته، وحينما نظر الناس إليهما راعهم الفارق الكبير بين الصورة والحقيقة؛ إذ لا تزال الصورة غاية في الحسن بينما الجثة بالغة الدمامة والقبح.

بعد قراءتك لهذا العمل وبعد الاستمتاع بأسلوب أوسكار وايلد وجودة ترجمة لويس عوض تجلس مع نفسك برهة لتفكر في الرسالة التي أراد الكاتب إيصالها، فتجد في ذلك صعوبة؛ إذ ليس من اليسير استخلاصها، مما يضطرك إلى البحث عن حياة وايلد نفسه فتُفاجَأ بما لا يسرك؛ إذ كانت حياته شبيهة بحياة دوريان غراي، لا تُلقي بالًا للقيم الأخلاقية إذا كانت ستحد من اللذة والمتعة، وتقرأ أن المحكمة حكمت عليه بعامين مع الشغل الشاق بعد اتهامه بفعل مشين مع ابن أحد الأرستقراطيين المشهورين في لندن.

وتسأل نفسك: ماذا أراد وايلد أن يقول؟ هل كتب روايته تلك للترويج للمتعة المحرمة أم للتحذير منها؟ وهنا لا تعرف الإجابة بدقة؛ فتعود إلى المترجم، الدكتور لويس عوض، وتسأل نفسك: إذا كان المؤلف من دعاة اللذة بأي ثمن والمتعة المنفلتة من كل عقال فهل يُعقل أن يُقدم لويس عوض على ترجمة هذا العمل إلى العربية، ويكون من بواكير أعماله؟ وإزاء هذه الحيرة لا يسعك إلا أن تترك العمل جانبًا، وهو ما فعلتُه، ثم تعود إليه بعد عدة شهور لتتصفحه مجددًا، وهنا تجد أن ما خلته صعبًا لم يكن كذلك، وما ظننتَه رسالةً مستغلقة على الفهم ليست بهذا الإبهام، والأمر ببساطة أن وايلد كتب عن نفسه محذرًا من مآلات الطريق الذي سلكه رغم أنه لم يمتلك الإرادة ليسير في طريقٍ غيره، فتحدث عن تجربته بكل صراحة تاركًا القارئ يصل في نهاية العمل لنتيجة مفادها: لا تبع نفسك للشيطان، ولا تستجب لغوايته، ولا تغرنَّك المتعة، وإن جمال الجسد لا يُقارَن بجمال الروح، فالأول فان بينما الآخر باق.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.