أدب و تراث عروض كتب مقالات

قراءة في رواية جارة الوادي

قراءة وعرض رواية
جارة الوادي
للكاتب محمود ماهر

بقلم/ م. حسام شلش – مصر

يا أندلس

هل تعلمين انه منذ احببتك وعرفتك وعلمت مجدك، وانا أخاف أن ينتهي عمري، قبل ان تكتحل عيني برؤيتك؟!

(جارة الوادي) هي رواية خالفت جميع توقعاتي، حيث لم أتوقع ان أجد رواية بعد (ثلاثية غرناطة) قادرة على سرد تاريخ الاندلس والتأثير في كقارئ وجعلي أعيش بداخل احداثها الواقعة، حتى بدأت بقراءة (جارة الوادى ) وانتقلت بداخل احداثها الى تلك الحقبة لتثبت لي تلك الرواية على موهبة الكاتب وبراعته في تصوير احداث ذلك الزمن بطريقة بسيطة وشيقة حيث لا ملل ولا تشتت.

تتناول رواية (جارة الوادي) تاريخ سقوط الحضارة الإسلامية في الاندلس وذلك بمنتصف القرن الثاني عشر الميلادي وتتعمق خاصة بسقوط أهم المدن والمنارات الإسلامية بذلك الوقت وهما (بلنسية) و (غرناطة) و (اشبيلية) ، حيث يتطرق الكاتب لطريقة سقوط كل منها على حدا موضح الأسباب التي أدت لسقوط تلك المدن بعد ان كانت بكامل حضارتها وقوتها بصفة خاصة وسقوط الحضارات بشكل عام وأيضا عرض طريقة التعامل في الحروب من اتجاه جميع الأطراف المشتركة في الحروب.

تقوم الرواية خلال محورين حيث المحور الأول يمثل دولة (اراجون) والتي تحاول الاستلاء على مدينة (بلنسية) الإسلامية حيث الثأر القديم والانتقام، ثم المحور الاخر ويمثل دولة (قشتالة) والتي تحاول الاستلاء على (غرناطة) ثم (اشبيلية) حيث الاطماع وأيضا الثأر القديم الى ان تنتهي الرواية باتحاد (اراجون) و (قشتالة) وهزيمة المدن والمقاطعات الإسلامية كاملا وسقوط الاندلس بصفة عامة وانهاء الحضارة الإسلامية بتلك البقعة.

في رأيي الشخصي كقارئ استطاع الكاتب ان يقدم العديد من الدروس بصفة عامة لحالات الحروب والوسائل المستخدمة في الحروب بصفة عامة وما تؤدى اليه الحروب من دمار وتأثير صلبي في البشرية حيث تشرد وسقوط حضارات.

أيضا لم يكتفى الكاتب بمجرد سرد الاحداث لمجرد انها حروب ولكنه كان يوضح الكثير من الأساليب المستخدمة اثناء تلك الحروب وطرق الكر والفر بين الجيوش وأيضا طريقة استخدام السياسة والعلوم للانتصار والتطرق لمظاهر الحياة في تلك الفترة وأيضا والاستدلال ببعض الشخصيات بطريقة حيادية تجعل القارئ يشارك في تقييم الشخصيات، فكم من شخصيات شعرت معها بمشاعر متضاربة فتارة اشعر بالعطف وتارة اشعر بالغضب نتيجة لمواقفه وآرائه كموقف (ابن الأحمر) و تعاونه مع ملك (قشتالة) لمحاولة الحفاظ على امن بلدته.

كذلك تناول الكاتب الحالات المختلفة لمختلف الشخصيات المتواجدة بطريقة جيدة موضحة ان الحروب على مر الأزمنة والأماكن ما هي الا تكرار ولكن بطرق مختلفة، حيث دائما ما نجد الخائن لوطنه المتحد مع الأعداء وذلك لمجرد الانتقام من وطنه نتيجة فساده وطرده وأيضا يتناول الكاتب الشخصية الباسلة المحبة لوطنها والقادرة على بذل كل ما تستطيع حتى تحافظ على وطنها دون سقوطه وأيضا الشخصيات المتهورة والباسلة والمحبة والمستغلة والفاسدة والمنافقة.

يناقش الكاتب أيضا بعض سياسات الحرب المتبعة بتلك الأوقات كمثال تحويل المساجد الى كنائس لمحاولة اثارة الذل والرعب داخل الدول الإسلامية وانشغال حكام المسلمين بالحروب فيما بينهم و الاهتمام بالدنيا والملذات والشهوات وبمقابل ذلك يوضح الكاتب تعاون ادول المحتلة ووقوفها بجانب بعضها البعض مما أدى الى نجاحهم النهائي في احتلال (غرناطة) و (اشبيلية) وانهاء الحضارة الإسلامية بتلك البقعة ضاربا لنا مثال على أهمية التعاون بصفة عامة وان الضعف والفرقة وعدم الاهتمام دائما ما تؤدى الى ضياع الحضارات والانهزام والذل.

كذلك يوضح الكاتب المواقف المختلفة لطبقات الشعوب بتلك الفترات الزمنية كطائفة التجار الأثرياء الذين لا يهتمون الا بجمع المال لا اكثر واستغلال الحصار لمدينتهم لمحاولة رفع الأسعار لمحاولة التربح وأيضا توضيح نفاق السياسي ضارب مثل وزير الأمير (ابن الأحمر) وموقفه ومحاولة اقناع الأمير بان تخليه عن (بلنسية ) شيء مطمئن وواجب فعله ، ويناقش الكاتب أيضا تفوق المسلمين في الكثير من المجالات بتلك الحقبة الزمنية في الطب والرياضيات والهندسة و شهرتهم العلمية بجميع انحاء العالم حيث اول ما يفعله المحتل بدخول المدن الإسلامية بذلك الوقت كان ترجمة العلوم الإسلامية ومحاولة تعليمها وترجمتها للاستفادة منها لمحاولة بث الذل بهم.

محور وصف الأماكن الطبيعية الساحرة والخرائط ومواقع المدن كان من أكثر المحاور تأثيرا في الرواية ودليل قوى على امتلاك الكاتب مهارة بديعة رائعة في الوصف الدقيق، فكم من مرات شعرت بنسيم البحر والامطار وجمال الطبيعة في تلك البلاد.

من أكثر النقط والتي أعجبتني بالرواية قصة (زيد) و (مريم) فكم شعرت انها تمثل واقع سقوط الاندلس بالفعل وبراعة الكاتب في محاولة التشبيه بين (مريم) و(الاندلس) ووصفهم الاثنين بجارة الوادي والنهاية الأكثر من رائعة حيث موت (مريم) وسقوط (اشبيلية) النهائي لنجد ان مريم ما هي الا اشبيلية وزيد ما هو الا جيش الملك (شقاق) الباسل.

محور الاحداث بديع يدل على قدرة الكاتب في الانتقال بين جميع الاحداث بسهولة تامة ويسر وعدم تسبيب تخبط للقارئ، فعلى الرغم من تعدد أسماء المدن وتغييرها الا اننى لم اشعر بتشتت ابدا بسبب سهولة الإيقاع وبراعة الكاتب في الإمساك بمحور الاحداث اخذا معه خيال القارئ داخل الاحداث فكم من مرة شعرت بانبعاث الامل وكم من مرات شعرت بالخيبة والحزن بين الفصول والمواقف المختلفة.

أفضل محور برأي هو اللغة البديعة الرائعة واستخدامها في جميع وتوضيح جميل المحاور، حيث الالفاظ البديعة المتمكنة المنتقاة ببراعة حيث بكل موقف وكل حدث نجد الالفاظ والتشبيهات الرائعة البليغة.

“اتدرى ما هي الاندلس؟”

هي الأرض التي ما ان تقترب منها حتى تنجذب اليها. فتعشقها بنفسك، وتهفو روحك اليها شوقا، ويرقص قلبك لها طربا”

الرواية أكثر من رائعة وانصح بقراءتها بتركيز.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
حسام شلش
مهندس مصري، كاتب ومهتم بتقديم عروض الكتب والروايات.. حائز على المرتبة الثانية على مستوى الجمهورية في مسابقة “اقرا ودون” من وزارة الشباب والرياضة المصرية لعام 2020م.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.