سياسة عروض كتب مختارات

إسرائيل في إدارة الأزمة الاقتصادية في جائحة كورونا

قراءة في التجربة الاسرائيلية للتعامل مع التداعيات الاقتصادية لفيروس كورونا
“تقدير موقف”

إعداد/ رزان السعافين – فلسطين

مقدمة

      بعدما أصبح فيروس كورونا حقيقة على أراض الواقع؛ اتخذت الحكومة الإسرائيلية مجموعة من السياسات والإجراءات اللازمة بشكل عام لتقويض فرص انتشاره ولقد شملت القرارات الجديدة إلزام الإسرائيليين القادمين من بعض الدول أوروبية دخول الحجر الصحي، ومنع التجمعات التي تضم أكثر من 5000 آلاف شخص، والتي أدت إلى إلغاء العديد من الأحداث والمباريات، وحظر الاجتماعات والاحتفالات والمؤتمرات الدولية، ومنع سفر الإسرائيليين للمشاركة في مؤتمرات دولية وفعاليات عالمية، إلا في حالات الضرورة، وتقرر تشكيل فرقة عمل مشتركة للشرطة ووزارة الصحة لفرض الحجر الصحي.

ولقد اتجهت السلطات الإسرائيلية لاتخاذ إجراءات وقائية للحد من انتشاره، كان على رأسها تحويل القطاع العام للعمل بنظام الطوارئ وتقليص عدد العاملين في القطاع الخاص بنسبة كبيرة جدا.

لكن من أشد المصاعب التي واجهت هذه الإجراءات الأولية والعامة للحد من تفشي الوباء، هو تراجع مستوى الاقتصاد، حيث تم إغلاق العديد من مؤسسات التعليم، وقطاع السياحة، والتمريض، والمحاكم. وهذا أثر على حركة العمال والزبائن حين الامتناع عن الخروج من منازلهم، وقلة حركة الاستهلاك، مما يؤثر بشكل واقعي على حركة الاقتصاد.

الخسائر الاقتصادية الفعلية

تعتبر إسرائيل واحدةً من أكثر الدول تضرراً نتيجة كورونا، حيث أصيبت بشلل في أغلب القطاعات الاقتصادية، وتكبدت بخسائر فادحة، وصار نحو 250 ألف مصلحة تجارية مهددا بالإغلاق في حال لم تحصل على دعم حكومي.

في الوقت الذي تتطلع فيه الحكومة الإسرائيلية إلى رفع متدرج للتقييدات التي فرضتها على سوق العمل كإجراء وقائي للحد من انتشار فيروس كورونا حتى نهاية أبريل، فإنه لا يمكن بهذه المرحلة إحصاء حجم الخسائر الذي تكبدها الاقتصادي الإسرائيلي الذي سيدخل في ركود لم يشهده بالسابق. 

وإن قرار الإغلاق الكامل للاقتصاد كان في بادئ الأمر لفترة محددة، لكن إسرائيل ارتأت لجعل خطة بديلة مثلما فعلت كوريا الجنوبية أو سنغافورة أو بريطانيا، حتى لا تتوقف عجلة الحركة والاقتصاد.

وساهم تعليق العمل في مختلف القطاعات التجارية والاقتصادية في ارتفاع معدلات البطالة، وأغلبيتهم من قطاعات السياحة والفنادق والطيران المدني والمطاعم، حيث يتوقع أن أكثر من 250 ألفا ممن سجلوا بالبطالة لن تتم إعادتهم لسوق العمل، وسيتم الاستغناء عنهم من قبل المشغلين بالقطاع الخاص. 

وعليه هناك مقولة لمحافظ البنك الإسرائيلي، أمير يارون، في مؤتمر صحفي عقده عبر الهاتف: “بدون الصحة لا يوجد اقتصاد، ولكن بدون الاقتصاد لن تكون هناك صحة”.

وأعقب أن عمق الضرر الذي يلحق بالاقتصاد الإسرائيلي ستحدده طبيعة السياسة الاقتصادية في ظل هذه الأزمة.

الخسائر الاقتصادية المتوقعة

ومن الجدير ذكره أن معظم تنبؤات رجال الاقتصاد يغلبها التشاؤم بشكل مخيف، وسيكون هناك ضرر مالي لإسرائيل لهبوط في جباية الضرائب.

ويُظهر تقرير بنك إسرائيل الفارق بالتوقعات والمعطيات التي نشرها صندوق النقد الدولي بشأن تداعيات كورونا على الاقتصاد الإسرائيلي، فلا يتضمن أي تفسيرات بل جداول فقط وتقديرات، مما يعني ضرورة الانتظار لأسابيع للحصول على صورة أوضح بخصوص حجم الخسائر وتأثير أزمة كورونا على الاقتصاد الإسرائيلي. 

وقبل بدء الأزمة العالمية، كان الاقتصاد الإسرائيلي في وضع جيد، حيث كان مستوى البطالة يقف عند أربعة في المائة، ولكن مع اشتداد القيود المفروضة من قبل السلطات الإسرائيلية وصل عدد العاطلين عن العمل إلى أكثر من 750 ألف عاطل، معظمهم من العمال الذين تم إرسالهم في إجازة بدون أجر.

أظهرت أحد تقديرات وزارة المالية الإسرائيلية، إلى أن الإغلاق شبه الكامل والانكماش الاقتصادي المتزايد بسبب انتشار فيروس “كورونا” المستجد، وزيادة معدل الإصابات، سترفع الخسائر الاقتصادية الإسرائيلية إلى أكثر 140 مليار شيكل (39 مليار دولار).

ويعتقد سيفر بلوتسكر محرر الملحق الاقتصادي في صحيفة يديعوت أحرونوت أن إسرائيل ستعاني من أسوأ ركود اقتصادي في تاريخها هذا العام، بحيث سيقفز معدل البطالة مع انتهاء أزمة كورونا إلى 12% بحسب تقدير صندوق النقد الدولي، بينما يقدر بنك إسرائيل أن نسبة البطالة ستستقر عند 6% بعد أن توقفت قبل الأزمة عند 4%، فيما يتوقع انخفاضا بنسبة 5.3% في الناتج المحلي الإجمالي. 

من الواضح أن الناتج المحلي في إسرائيل لعام 2020 سينخفض، ولكن من المرجح أن يعود الاقتصاد للتعافي وتعويض الركود في عام 2021، ومع ذلك مازال من السابق لأوانه وضع توقعات دقيقة بهذا الخصوص.

ثمَّة من يتوقع بأن يتراجع أداء الاقتصاد الإسرائيلي خلال النصف الثاني من العام الجاري، على أن يشهد نموا بنسبة 5% خلال العام القادم، وتجدر الإشارة إلى أنَّ بنك إسرائيل توقَّع نهاية العام الماضي أن يشهد عام 2020م انتعاشا اقتصادياً بنسبة لا تقل عن 8.7%.

ويقدر بنك إسرائيل أن معدل البطالة في نهاية عام 2020 سينخفض إلى سبعة في المائة على افتراض أن الأسواق الإسرائيلية ستعود للعمل بكامل طاقتها تقريبا خلال الأسابيع المقبلة.

وعليه إن إسرائيل لن تتمكن من الحفاظ على مستوى الحجر الصحي كما الصين، ولا بد من إعادة عجلة الاقتصاد الإسرائيلي في غضون أسابيع قليلة.

الإجراءات الإسرائيلية لمواجهة الخسائر الاقتصادية

تم التنويه لاتخاذ خطوة لحل الأزمة الاقتصادية، والتي تعتبر المعضلة الأكبر لدى إسرائيل وهي إعطاء إجازة بدون راتب على حساب أيام البطالة، وأيضا تأجيل جباية الضرائب والأرنونا، وتأجيل جباية فواتير الكهرباء.
وفي أعقاب ذلك، أعلنت الحكومة الإسرائيلية مع بداية الأزمة أنها ستقدم مساعدات للشركات الصغيرة والعاطلين عن العمل، دون نشر أي تفاصيل، ولكن بحسب وسائل إعلام إسرائيلية فإن حجم المعونات سيكون حوالي 22 مليار دولار.

وتحسبا من امتداد الأزمة، دعت القيادة الاقتصادية إلى اتباع نموذج اتبعته كوريا الجنوبية، ويقضي بإجراء عدد كبير من الفحوصات، وتتبع حاملي الفيروس، وفرض إغلاق على مناطق معينة موبوءة. كذلك يطرحون إمكانية اتباع النموذج البريطاني، الذي لا يحارب الوباء، وبدلا من ذلك تعمل السلطات على حماية الحالات التي يمكن أن يشكل الفيروس خطرا عليها، مثل مسنين ومرضى مزمنين.

ويتأثر الاقتصاد الإسرائيلي مباشرة بمدة القيود المفروضة عليه، ومن المتعارف عليه أن الاقتصاد الإسرائيلي صغير، فكلما كانت الإجراءات أطول وأكثر صرامة كان التعافي منه أكثر صعوبة.



الإجراءات الاسرائيلية المطلوب القيام بها وفق خبراء الاقتصاد الإسرائيليين

يطالب رجال الاقتصاد الإسرائيليين بإيجاد حل لضائقة العاملين المستقلين في إسرائيل، مثلا دفع بدل بطالة بالحد الأدنى بمقدار أجر الحد الأدنى للمستقلين لفترة محدودة.

وتجمع بعض الشخصيات الاعتبارية بشكل متكامل أن العالم يشهد تغييرا بسبب العولمة التي تؤدي إلى تغير في الأساس، ولكن معدل التغير بسبب فيروس كورونا أكبر.

والتغيير الرئيسي سيكون في النظام العالمي، حيث أن فيروس كورونا سيسرع من التغير، الذي سيظهر في النهاية انتهاء الهيمنة الأمريكية على الاقتصاد العالمي، وعليه سيتراجع معدل البطالة، بحيث سينخفض إلى رقم قريب من أربعة في المائة.

ويقدِّر محافظ بنك إسرائيل البروفيسور أمير يرون بأن الحكومة مطالبة بالتدخل في السوق الاقتصادي عبر توسيع عمليات شراء السندات الحكومية بمبلغ 13 مليار دولار. ومع ذلك، يعتقد البروفيسور ميشيل سترابتينسكي أنه إذا استمر الإغلاق وتعطيل سوق العمل حتى نهاية مايو المقبل فإن التدخلات الحكومية لدعم الاقتصاد ستقفز إلى 36 مليار دولار، والتي تشكل 9% من الناتج المحلي الإجمالي؛ وهذا يسهم في خفض الناتج المحلي الإجمالي في العام الجاري بنسبة 2.5%.

وتأتي انتقادات القيادة الاقتصادية في إسرائيل لتركيزها على التكلفة الاقتصادية الهائلة لفرض إغلاق على الاقتصاد. وتشير التقديرات إلى أن الاقتصاد الإسرائيلي لن يتمكن من تكبد تكاليف الإغلاق، إلا لفترة زمنية قصيرة – أي لشهر أو لشهر ونصف الشهر. لكن إذا لم يتم القضاء على الوباء خلال فترة كهذه، فإنه لن يكون هناك مفر سوى محاولة مواجهة الوباء بشكل مختلف، لأن الدولة لن تكون قادرة على تحمل التكلفة الاقتصادية البالغة.

خاتمة
تعتبر إسرائيل عجلة اقتصادها المحرك الرئيسي لنبض استمرارها في قلب الشرق الأوسط، حيث تعتمد استراتيجية التوسع في النمو والازدهار، إلى جانب الحفاظ على علاقات سلمية طويلة المدى مع دول الجوار العربية المطبعة معها، فضلا عن اعتبار أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية أكبر تجمع استهلاكي لمنتجاتها، علاوة على الاكتفاء الذاتي في العديد من مجالات الحياة للحفاظ على مستقبل أبنائها من التبعية الاقتصادية، وضمان العيش الكريم لهم.
لكن رغم كل المعطيات السابقة فهناك توقعات حول انهيار اقتصاد إسرائيل إن لم تتمكن الولايات المتحدة الأمريكية من مجابهة ومناهضة النظام العالمي الجديد، والخروج من أزمة جائحة كورونا بطريقة تتوازن فيها مع الصين؛ كون إسرائيل مرتبطة بشكل وثيق في الحماية الدولية لسياستها بالولايات المتحدة.
وعليه إن بقي ترامب على نفس عقليته واستراتيجيته في مواجهة الأزمة والتعاطي معها حتى نهاية العام، فإن مؤشرات انهيار الاقتصاد الأمريكي بشكل تدريجي على عتبة الوقوع.
وأول من سيتاثر بذلك الدول المتحالفة مع أمريكا، والتي تربطها مصالح استراتيجية، هذا إن حاز أيضا ترامب على دورة انتخابية جديدة وبقي على نفس عقليته واستراتيجيته في التعامل مع الصين وخاصة في عرقلة المفاوضات الأخيرة قبل بداية كورونا معها؛ مما أدى إلى تفاقم الأزمة بينهما أكثر بالتزامن مع بدء جائحة كورونا.
وعلى إسرائيل المرتبطة بالرأسمالية، إن لم تضع لنفسها خطة تفاهم دولي ومصالح سياسية تقي بها نفسها في المستقبل القريب كبعض دول أوروبا فإن اقتصادها على الصعيد الدولي سينهار بالتدريج، وأما على الصعيد المحلي فإنها تتبع نماذجا وفقا لأزمتها إلى جانب الاستفادة من تجارب بعض دول أوروبا، ولكنها ستعقبها إجراءات علاجية لا تقيها من تفشي التراجع والكساد الاقتصادي الكبير الذي سيلحق بها مع نهاية العام وبداية 2021م.

المراجع:

  • كورونا سيكبد الاقتصاد الإسرائيلي خسارة 90 مليار شيكل، خبراء اقتصاديون، شبكة فلسطين الإخبارية، 17مارس 2020م.
  • استراتيجيات مواجهة أزمة كورونا (قراءة مقارنة بين الصين وإسرائيل والسلطة الوطنية)، رزان السعافين، ورقة بحثية، روافد بوست، مارس 2020م.
  • كورونا يهدد الاقتصاد الإسرائيلي الهش، سهام معط الله، العربي الجديد، 25 مارس 2020م.
  • الاقتصاد الإسرائيلي يواجه تحديات كبيرة في ظل انتشار فيروس كورونا، تحليل إخباري، شينخوا، 30 مارس 2020م.
  • 39 مليار دولار خسائر متوقعة للاقتصاد الإٍسرائيلي بفعل “كورونا”، محللون، المركز الفلسطيني للإعلام، 25 مارس 2020م.
  • فيروس كورونا والاقتصاد العالمي بين الأزمة واحتمال التعافي، أحمد دلول، روافد بوست.
  • بسبب كورونا .. إسرائيل قد تعاني من أسوأ ركود اقتصادي منذ النكبة، محمد محسن، الجزيرة. نت، 18 إبريل 2020م.
Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.