أدب و تراث عروض كتب مقالات

عرض رواية العائش في الحقيقة لنجيب محفوظ

سلسلة كتب تقرؤنا
قراءة في رواية العائش في الحقيقة – للأديب نجيب محفوظ

بقلم أ. محمد عبد العاطي – مصر

العائش في الحقيقة، عنوان رواية للأديب الكبير نجيب محفوظ، صدرت عام 1985، فما هي هذه الحقيقة التي قصدها، ولماذا عاد إلى التاريخ لينسج شخصية روايته (الرواية تتحدث عن إخناتون) بعد نحو خمسين عامًا على آخر رواياته التاريخية، عبث الأقدار ورادوبيس وكفاح طيبة؟ هل أراد القول: إن التاريخ يعيد نفسه وإننا على وشك دورة جديدة نشهد فيها تجليات هذه الإعادة؟

دعونا نَرَ..

إخناتون كما صورته الرواية، شاب من نسل الملوك، تربى في بيت العز، ورغب أبوه في أن يكون أهلًا لخلافته على العرش من بعده، لكن ميوله كانت تتجه لشيء آخر؛ للدين والتأمل والتفلسف والبحث عن الحقيقة والعيش فيها (عنوان الرواية: العائش في الحقيقة). تمامًا في تجربة مشابهة لبوذا، ابن الملك الذي اتجه للتنسك وسيطرت عليه النزعة الدينية فترك كل شيء ورحل في عالم يبحث فيه عن السعادة التي لا تنقطع بموت ولا شيخوخة ولا مرض.

الشاب إخناتون لم يعجبه تعدد الآلهة الذي كان سائدًا في مجتمعه فدعا إلى توحيدها جميعًا تحت راية إله واحد رمز له بقرص الشمس، آتون. لقي معارضة الكهنة وكادوا يحولون بينه وبين تولي العرش بعد أبيه لكن محاولتهم فشلت. نشر دينه الجديد واعتنقه العامة الذين هم دائمًا على دين ملوكهم.

آمنت به زوجته الجميلة، نفرتيتي، ولم تستمع لنصائح حماتها الملكة الأم التي طلبت منها إثناء زوجها عن هذا الطريق الوعر الذي سيجرُّ على المملكة عظائم الأمور.

تتطور الأحداث وينغمس إخناتون حتى أذنيه في ديانته الجديدة مستمتعًا بالحقيقة ومهملًا شؤون الحكم وتدبير السلطة. تضعف قوته ومعها هيبته، ويتعاظم تآمر الكهنة الذين تضررت مصالحهم وتقلص نفوذهم، ووجدوا في كبار القادة العسكريين مَن آزرهم في السعي لمطامع تراودهم.

عزلوا إخناتون بقوة السلاح وقتلوه ثم ادَّعَوا أنه مات متأثرًا بضعفه وهزاله لكثرة صيامه وصلاته، وسرعان ما حنَّطوا جثته وواروها الثرى، ثم فرضوا الإقامة الجبرية على نفرتيتي، وسيطروا على مقاليد الحكم وطمسوا نقوش معبد آتون وأعادوا تقديس الإله آمون، والشعب في كل ذلك يتبع الغالب ويمشي وراء المنتصر.

وتنتهي القصة كحدوتة ولا تنتهي كفكرة.

هل أراد أديبنا الكبير القول: إن الحق دون قوة لا ينتصر مهما كان الرب راضيًا عن أهله؟ ربما!

هل أراد القول: إن الواقع هو ما يجب على الحاكم أن يعيش فيه حتى ولو كانت الحقيقة في مكان آخر، وإن حسابات السياسة تختلف عن حسابات المعابد؟ ربما!

هل أراد القول: إن العامة لا يُعوَّل عليهم في الشهادة للحق بأنه حق وللباطل بأنه باطل، لأنهم مع مصالحهم يسيرون ولأي خطاب يصفقون؟ ربما!

أخيرًا، هل أراد أديبنا الكبير القول: إن الدين قوة يمكن أن تبني إن كيَّفناها مع الواقع ويمكن أن تهدم إن جعلناها تصطدم به؟ ربما!

عمومًا، العائش في الحقيقة، رواية مفعمة بجمال السرد ومكلَّلة ببهاء السؤال، ولعودة نجيب محفوظ إلى التاريخ بعد كل هذا العمر ليستعير منه إحدى شخصياته مغزى لا يغيب عن الأريب.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.