فنون مختارات مقالات

هل تعود الحياة للفن الجزائري المغتال

هل ثمَّة مؤئرات على انبعاث جديد للفن الجزائري؟

بقلم أ. عجمي فتحي – الجزائر

يعتبر الفن بمختلف أنواعه أحد أهم مقومات نهضة الدول فهو لا يعبر عن الهوية الوطنية والمنابع الإيديولوجية للأفراد فحسب بل يرسل رسائل راقية التشفير الى المجتمع بل العالم بأسره تضم القيم العامة التي أسس عليها المجتمع مع مختلف الثوابت والرموز المتفق عليها وفق العقد الاجتماعي مع توثيق وثائق تاريخية في شكل فسيفساء ومنمنمات راقية تكون متحفا مفتوحا لتاريخ الشعوب والحضارات.

الجزائر موطن الأحرار والثوار تعيش منذ عقود بلا فن رغم امتلاكها إرثا لا يستهان به من مختلف الإنجازات الفنية الرائعة التي احتوت على أبعاد فكرية وجمالية بمستوى يصل الى العالمية لكن أيادي الغدر لم تسمح للفن والفنان الجزائري بالتنفس لغاية في نفس محتل الأمس أهمها تعويم الشعب في محيط الجهل والسذاجة لاستقطابه ليكون مواطنا فرنسيا من الدرجة الثانية ولربما الثالثة متابعا مطيعا لقنواتها ووسائلها الإعلامية المختلفة بما يخدم ديمومة الجزائر فرنسية خاصة وأن الفن الجزائري انطلق بالسرعة القصوى بفكر استمرارية الثورة عشية الاستقلال مباشرة بجملة من الأغاني الثورية المبجلة لثورة نوفمبر المجيدة والمنادية لقيام ثورات تنموية، صناعية، زراعية وثقافية والتي تغنى بها كل من الحاج العنقة في الفن الشعبي الجزائري بأغنيته الشهيرة “ما بقاش استعمار في بلادنا”، صليحة الصغيرة التي ابدعت في أداء يا ثورة الاحرار، رائعة يا محمد مبروك عليك الجزائر رجعت ليك للراحل عبد الرحمان عزيز إضافة الى أغنيته يا كعبة يا بيت ربي محلاك، تحف الحاج رابح درياسة التي تعد قاموسا منيرا للأغاني الاجتماعية والوطنية الجزائرية القحة.

صَلِيحَة الصغيرة (اسمها الكامل: صلّوحة بنت إبراهيم بن عبد الحفيظ) كانت مطربة تونسية، ولدت عام 1914 بنبر (ولاية الكاف) وتوفيت في 26 نوفمبر 1958 بمدينة تونس (مدينة). كانت صاحبة صوت شجيّ بمسحته البدويّة الظاهرة.

كذلك عدد لا يستهان به من الأفلام السنيمائية والوثائقية المعرية للجرائم الفرنسية المبرزة لتضحية الشهداء والمجاهدين في سبيل استرداد الحرية والسيادة مثل فلم معركة الجزائر المنتج سنة 1966 من إخراج جيلو بونتيكورفو المتحصل على جائزة الأوسكار لأفضل مخرج حيث شارك فيه كل من: براهيم حجاج في دور علي لابوانت وجان مارتن وياسف سعدي. فلم ريح الأوراس للمخرج محمد الأخضر حمينة، سنة 1966 بمشاركة نخبة من كبار الممثلين مثل حسان الحاني المعروف باسم بوبقرة والممثل القدير مصطفى كاتب ومحمد شويخ. مسلسل الحريق المعروف كذلك بالدار الكبرى او دار السبيطار لعام 1974 لمخرجه مصطفى بديع مثل فيه كل من: شافية بوذراع في دور “لالا عيني” عايدة قشود في دور زهرة بيونة في دور فاطمة عبد الرحمان لوطاسية في دور “عمار الصغير” حميد حناشي. كذلك فلم عطلة المفتش الطاهر لموسى حداد سنة 1973 بطولة حاج عبد الرحمان ويحيى بن مبروك الى جنب جملة من الممثلين التونسين تتقدمهم زوهر فائزة، حطاب بن علي وغيرهم.

ابراهيم حجاج
الممثل الجزائري إبراهيم حجاج (1934-1996)، الذي جسّد (في فلم معركة الجزائر المنتج سنة 1966 من إخراج جيلو بونتيكورفو) دور بطل معركة الجزائر الشّهيد علي لابوانت (اِسمه الحقيقي علي عمّار)

ألبوم زاخر من الابداع المسرحي وأعمال الأوبرا تفنن فيها الكثيرين مثل الراحل عبد القادر علولة، مصفى كاتب، محي الدين بشطارزي، حسن الحسني، حيث عرف المسرح الجزائري كثيرا من الأعمال الرائعة التي استقطبت جمهورا جزائريا وعربيا وحتى غربيا هائلا منها: الغولة عام 1972، ما ينفع غير الصح سنة 1970، القوال سنة 1980، اللثام 1989، أرلوكان خادم السيدين وكثير من القطع الفنية النادرة التي عرضت عبر مسارح الوطن والعالم.

عبد القادر علولة (1939 – 1994) كاتب مسرحي جزائري. ولد يوم 8 يوليو 1939م في مدينة الغزوات بولاية تلمسان في غرب الجزائر، ودرس الدراما في فرنسا.

الفن التشكيلي أخذ نصيبه من الألبوم ايضا على يد الفنان محمد إيسياخم في الفن التجريدي، محمد خدة رسام ونحات، محمد راسم في المنمنمات، سهيلة بلبحار وكثيرون غيرهم أثروا فضاء الفن التشكيلي بجواهر لا تبدعها إلا اصابع جزائرية.

محرك البحث الشهير “جوجل” يحتفل بذكرى ميلاد النحات الجزائري محمد خدة، والذي يصادف يوم 14 مارس من كل عام.

رغم هذا الزخم الفني الذي قام على اسس ثورية تهدف الى استرجاع الهوية التي سعى الاستعمار الفرنسي الى طمسها، كما سطر لخارطة طريق تخدم المجتمع والوطن بالفن الراقي المهذب المنير للعقل الممجد للحضارة الجزائرية في ابعادها الضاربة في التجذر تاريخيا العربية والامازيغية مع اعتماد سياسة إنشاء المرافق للممارسة والتكوين لضمان الاستمرارية، لكن رغم كل ذلك تعرض الفن الجزائري للقتل العمدي مع سبق الإصرار والترصد من طرف مخابر المخابرات الفرنسية طبعا بالتواطؤ معا أذناب الداخل من الفرنكوفيليين ممن لا يؤمنون بالجزائر كوطن حر مستقل صاحب سيادة وكرامة لأنهم ألفوا العيش في بلاط أمهم فرنسا كعبيد القصور لا يمكنهم الاستغناء عن فن الذل والخضوع لأبناء امهم الإمبراطورية الفرنسية الغاشمة.

وعليه نضب نبع العطاء الفني الجزائري على مختلف المستويات بعد أن روج للرداءة وأحيانا الدناءة بمحاربة الفن الملتزم المبني على الإبداع والإتقان ومورس ذلك بشكل فاضح جدا ابان أزمة العشرية السوداء اين اغتنمت فرنسا المناخ الاقتتالي بين الدولة والإرهاب الذي ترتب عنه نزوح كثيرا من الفنانين الجزائريين اليها حيث تبنت كثيرا منهم ومنحتهم تأشيرات للنشاط على اراضيها مع ضمان حمايتهم من طرفها طبعا بغرض تدجينهم وتهجينهم لتحويلهم الى صناع التمييع الفني في الجزائر من خلال تأثيرهم على الراي العام بتمجيد كل ما هو فرنسي واستهجان كل ما هو جزائري أصيل لترسيخ فكرة الجزائر دولة فاشلة لا نجاح لها دون فرنسا الأم.

إلا أنه ذات 12 ديسمبر/كانون الأول 2019 أفرزت انتخابات الجزائر رئيسا جديدا السيد عبد المجيد تبون المحسوب على تيار الجزائر نوفمبرية باديسية وهو اتجاه عصامي يؤسس الى جزائر مستقلة في فكرها وسياستها واستراتيجيتها تقوم على الإرث الجزائري الأصيل الموحد بين الجزائريين والجزائريات بالتنسيق بين كل الاختلافات المتباينة من منطقة الى أخرى بما يخدم الوحدة الوطنية واستمرار ثورة البناء والتشييد على مقومات فكر النهضة الجزائرية بالعقول والسواعد الجزائرية ومن أبرز ما تعهد به رئيس الجمهورية إعادة الفن الجزائري الى الساحة بكل قوة ودعم الصناعة السنيمائية الجزائرية مع منح الفنانين الجزائريين مساحة حرية إبداع شاسعة تمكنهم من تقديم أفضل ما يمكن تقديمه من خلال تحسين ظروفهم الاجتماعية والمهنية.

فهل سيتمكن الطاقم الحكومي الجديد برئاسة عبد المجيد تبون رئيس الجمهورية من إعادة الحياة الى الفن الجزائري المغتال منذ عقود بكل ايادي الغدر والخيانة؟

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.