أدب و تراث عروض كتب مقالات

رواية السقَّا مات

سلسلة كتب تقرؤنا
قراءة في رواية السقَّا مات – ل يوسف السباعي

بقلم ا. محمد عبد العاطي – مصر

هذه هي المرة الأولى التي أقرأ فيها للأديب المصري يوسف السباعي (1917-1978). أنهيت قراءة روايته الشهيرة “السقَّا مات”. أما عن سبب تأخري في القراءة له فيرجع إلى معلومة، لا أدري مصدرها، ترسَّخت في عقلي منذ الصغر مفادها أنَّ موهبة هذا الكاتب متواضعة، وأنَّ سبب شهرته يرجع إلى نفوذه وعلاقاته بضباط يوليو خلال الخمسينيات والستينيات، ثم تأييده للرئيس الراحل أنور السادات في مسعاه لإقامة سلام مع إسرائيل، ومكافأته على ذلك بتعيينه وزيرًا للثقافة في السبعينيات.

والحق أنَّ أمثال هذه الأحكام الخاطئة على هؤلاء الكُتَّاب حرمتنا في سن مبكرة من الإفادة من منتوجِ عقولٍ لها قيمتها، ولولا أننا شببنا عن الطوق، وبتنا قادرين على القراءة النقدية بأنفسنا ودون التأثر بما كُتِبَ وقِيل عن هذا وذاك لاستمرت لدينا حالة العزوف وما يتبعها من نقصٍ معرفي، ومثال على ذلك ما قيل أيضًا عن طه حسين وسلامة موسى وغيرهما حينما راح بعض الكتَّاب، وبخاصة الإسلاميون منهم، يُسفِّهُ كتاباتهم، ويُحذِّرُ من “ضلالاتهم”، ويُشيطِنُ توجهاتهم، فأخافونا منهم ومن القراءة لهم حينما كنَّا في ريعان الشباب، ثم سرعان ما جرفتنا دوامة الحياة فلم نلتفت إليهم، حتى إذا ما بتنا اليوم قادرين على تكوين رأي وبلورة رؤية، علمنا كم ظُلِمَ هؤلاء المبدعون، وكم كانت تلك الأحكام التي صدرت بحقهم مبالغًا فيها.

نعود إلى يوسف السباعي وروايته السقَّا مات.. فالقارئ لهذا العمل الأدبي الجميل يخرج بقناعة مفادها أنَّ الرجل ذو موهبة حقيقية، وأنَّه يمتلك أدوات الكتابة؛ من خيال ثَر وأسلوب مميَّز وأفكارٍ لا ينقصها العمق، وفي “السقَّا مات” يضاف إلى ذلك دراسته للمكان الذي تدور فيه الأحداث “درب السَّمَّاكين”، ولا يشك القارئ في أن الكاتب قد زار هذا المكان غيرَ مرة، وتفحَّص الشوارع المفضية إليه، وتأمَّل تكوينها المعماري، وتقسيمها الجغرافي، حتى استطاع أن يصف بهذه الدقة أماكن روايته، مازجًا تأثير المكان على ساكنيه وتأثير ساكنيه في المكان؛ فقاطنوا درب السمَّاكين شخصيات تنتمي للطبقة الفقيرة إن لم تكن المعدمة، وهي في أبعادها النفسية صورة مصغَّرة لما يموج به المجتمع المصري؛ فيهم المتمسِّكُ بدينه وأخلاقه وتقاليد أولاد البلد من شهامة ومروءة و”حِنيَّة وجدعنة”، وفيهم أيضًا من يفيضون بالنذالة والخِسَّة ويبرعون في النصب والاحتيال.. وغير ذلك مما لا يخلو منه مجتمع بشري.

وقد أجاد السباعي في رسم الأبعاد النفسية لشخصياته وبخاصة أبطاله المُحرِّكون للأحداث: المعلم شوشة السقَّا وابنه سيد، وهما يرمزان للخير والعطاء، والمعلمة زمزم، صاحبة المَسْمَط، ومساعدها، جاد، رمز الشر والجبروت.

والرواية تحكي قصة حياة هذا السقَّا الأرمل وابنه ذو الأعوام التسعة وجدته الكفيفة أم آمنة، وهم أفراد يكافحون من أجل لقمة العيش الحلال، وقد لا يلتفت أحد لأنَّ لدى هؤلاء البسطاء ما يمكن أن يُبنى عليه قصة أو يُنسج حوله رواية، غير أن الكاتب وجد ذلك، واشتغل عليها عبر رحلة حياتهم العادية، التي أجاد الكاتب رسم تفاصيلها منذ استيقاظهم حتى منامهم.

يطرح الكاتب على ألسنة أبطاله بعض التساؤلات الفلسفية حول وجود الشر في الحياة، وحكمة الخالق من وراء سماحه به، وكيف يمكن للعقل البشري أن يتفهمه.. كما يطرح فكرة الموت وفلسفته، وكيف يمكن لنا أن نستوعبه ونتكيَّف معه.. وغير ذلك من أسئلة كانت وستبقى تشغل الإنسان منذ بدء الخليقة.

وتدور الرواية في العشرينيات من القرن العشرين، في وقت لم تكن قد عمَّت فيه توصيلات المياه الحواري والأزِّقة، وكان الناس يعتمدون في شربهم على ما يحمله إليهم السقَّا من ماء في قربته، مالئًا إياها من حنفية عمومية تابعة لشركة المياه تقبع عند رأس الحارة.

هذا عن المكان والزمان والشخصيات والأفكار أمَّا عن “الحدوتة” التي تجدل خيوطها ذلك كله فهي حياة هذا السقَّا الذي ماتت زوجته ويعيش مع أمه وابنه الصغير مكافحًا من أجل كسب قوت يومه، عازمًا على توريث الصنعة لابنه حتى تتواصل الأجيال، فيحاول أن يَفْطِمَهُ عن عَالم الصِّبا بزجِّه مبكرًا في محافل الرجال، والولد يفرح بهذا تارة، ويضجر به تارة أخرى، فيتصرَّف كما يتصرَّف الرجال أحيانًا ثم تغلبه نوازع الصبا فيميل إلى عالم الصغار أحيانًا، وفي النهاية ينهدم البيت القديم المتداعي الجدران فوق رأس الأب، المعلم شوشة السقَّا، ويخرُّ صريعًا فيما تنجو الجدة أم المعلم شوشة وحفيدها ابن السقَّا، فيرث الولد مهنة أبيه، ويتولى مسؤولية توزيع مياه الحنفية العمومية على سكَّان الدرب، وتنتهي الرواية بالآية الكريمة “والصابرين في البأساء والضرَّاء وحين البأس، أولئك الذين صدقوا، وأولئك هم المتقون”.

فهذه إذن رواية “السقَّا مات” ليوسف السباعي، ورغم جودتها الفنية، وأسلوبها الشيِّق الجذَّاب، وقدرة الكاتب على استعمال المفردات، خاصة العاميَّة منها التي تناسب المستوى الثقافي والعمري للشخصيات، فإنها لا تخلو -في تقديري- من الهنات، ولعل أبرزها ما أطلقنا عليه “الحدوتة”، فقد كانت من الصغر بحيث يناسبها قصةٌ متوسطة الحجم وليست رواية اضطرت مؤلفها إلى “مَطِّ” فصولها فجاءت، في كثير من الأحيان، مشوبة بالإسهاب والإطناب الذي أضرَّ بالبناء السردي وأضعفه.

على أية حال، رواية “السقَّا مات”، من الروايات الجميلة، والشهرة التي نالتها لم تأت من فراغ.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.