اجتماع مختارات مقالات

ظاهرة الميمات في المجتمع المغربي

ظاهرة “الميمات” في المجتمع المغربي:
بين متطلبات غريزة البقاء وأحكام المجتمع الأبيسي

بقلم/ إبتسام هيشر – المغرب

أخصائية في العلوم السجنية والعلاج النفسي السلوكي وباحثة في السوسيولوجيا

أكاد أجزم أن ليس ثمَّة متصفح لمواقع التواصل الإجتماعي خاصة الفضاء الأزرق،إلا وقد سبق له أن صادف إعلانات لمجموعة من الشباب الذين لا يترددون في تقديم خدماتهم الجنسية للنساء الراغبات في تحقيق المتعة الجنسية، مقابل مبالغ مالية يجري الاتفاق عليها مسبقا وقبل تحديد موعد اللقاء.

قد لا تكون ظاهرة الميمات جديدة على المجتمع المغربي لكنها تزايدت بشكل كبير بالتزامن مع الإقبال المستمر على مواقع التواصل الإجتماعي، التي أصبحت تيسر مثل هذه العلاقات مما جعلها تظهر للعلن بعدما كانت تحت الظل.

فما هي ظاهرة الميمات؟ ولماذا سميت بهذا الإسم؟

هناك عدة مداخل علمية لتفسير ظاهرة الميمات. فمن الناحية الفزيولوجية والنفسية:

الميمات هن نساء تجاوزن سن الأربعين وربما تجاوزن سن اليأس، وتتميزهذه المرحلة بإرتفاع منحى الطلب على العلاقات الجنسية سواء من حيث الكيف (جودة الممارسة) أو الكم (عدد المرات)، مما يستدعي وجود شريك جنسي بمواصفات خاصة ومتميزة.

على سبيل المثال: أن يكون لديه القوة البدنية لتكرار مرات الممارسة الجنسية، وأن يكون متفرغا إلى حد كبير، وله سعة خاطر ليحقق المتعة الجنسية للسيدة بمختلف أشكالها وحتى لو استلزم الأمر القيام ببعض السلوكيات التي قد يتقزز منها الشاب.

يجب العلم هنا بأن جسد المرأة الأربعينة ليس نفسه جسد المرأة العشرينية لا من حيث البنية الفزيولوجية ولا من حيث البنية النفسية، فالمرأة الأربعينية غير قادرة على الإستثارة الجنسية بسهولة نتيجة التغيرات الفزيولوجية والنفسية المصحوبة بضغوطات الحياة التي فرضتها الرأسمالية وما ينتج عنها من حالات التوتر والقلق والإكتئاب أحيانا والمشكلات العائلية، مما يستدعي  نوعا خاصا من التعامل يتماشى مع حساسية الوضع.

في حين أن العشرينية قد تصل إلى نشوتها الجنسية فقط ببعض المداعبات أو و العلاقات السطحية “الفلورطاج”le fleurtage، بإعتبار أنها مازالت في مرحلة الشباب ذات العنفوان الجنسي وهي مرحلة اكتشاف العلاقة الجنسية ومواضع الاثارة.

الميمات نسوة كباقي النساء؛ يرغبن في قضاء ممارسات حميمية تذكرهن بأنوثتهم أو تعدل مزاجهن أو تسهم في تحسين الحالة النفسية لديهن، باعتبار ملامسة جسم المرأة بالرجل –وخاصة الاحتضان- يخفف كثيرا من آلام المرأة، كما أن الاتصال الجنسي يعيد توازن الطرفين ويفرِّغ اجسامهما من الطاقات السلبية.

في بعض الأوقات تكتفي بعض الميمات بدردشة حميمية تنتهي بممارسة جنسية بالصوت أو الصوت والصورة عبر الهاتف أو الانترنت مع أحد الشباب، وقد تتعدى هذه العلاقة حدود العالم الإفتراضي إلى الواقعي رغبة منهم في الإحتكاك الجسدي le contact phisique corp a corp، هذا الإحتكاك الذي يولد الإنسجام النفسي والعاطفي ويؤدي الى متعة حقيقية أويولد التنافرالذي يؤدي الى تفكك أي علاقة كيفما كانت.

هذه المتعة بدورها لا تتولد من الفراغ بل عن تناسق الحركات، التجاوب عبر ردود الفعل، قراءة تعابير الجسد، التفاعل بين جميع الحواس بحيث يكون لكل حاسة دور خاص؛ فالعين يجب أن تلمس جمال الحركات وتعبر عنها،  وكذلك الأذن يجب أن تستشعر الهمس الجميل أو الساخن أوجمال الكلمات التي تشعرها بالإطمئنان بالحب برغبة الآخر، واللمس  le toucherيجب أن يستثير مراكز النبض بحيث يعمل على تهدئة الأعصاب أو تهييجها، وهو ما يساعد على تدفق الدم إلى جميع الأعضاء وخاصة الأطراف، كذلك حاسة الذوق يجب أن يتذوق كل طرف الآخرعبر التقبيل ويستمتع بحلاوته، وكذا حاسة الشم التي تتلمس رائحة كل جزء من جسد الطرفين، بحيث يستلطف كل طرف رائحة  جسد الآخر.

إن العلاقة الجنسية المتعوية هي التي نستعمل فيها جميع الحواس دون التفريط في إحداها.

و السؤال هنا هل تؤدي العلاقات الجنسية المدفوعة الأجر الى نفس متعة العلاقات الرضائية؟

أما من الناحية الاجتماعية؛

فالميمات هن نساء -على الأغلب- من الطبقة الراقية أو ممن لديهن استقلالية مالية تضعهم في مساواة مع الرجل في طلب علاقة جنسية مدفوعة الأجر، دون الدخول في علاقات عاطفية أو زواج غير متكافئ خيفة نظرة المجتمع أو رغبة منهن في العيش أحرارا دون إرتباط قد يتولد عنه عدة مشكلات في المستقبل، هن زوجات لرجال كبار في السن ممن وصلوا سن “التقاعد الجنسي” أو مطلقات أو أرامل أوعازبات ممن يحبذون عدم الإرتباط؛ تختلف وضعياتهم الاجتماعية ويجمعهم “الجيكولو” وتحقيق الفونتازمات الجنسية.

وفي سياق التكييف الاجتماعي لظاهرة الميمات؛ تقول السوسيولوجية المغربية فاطمة المرنيسي – رحمها الله: “يبدو أن العلاقات بين الجنسين تجتاز مرحلة فوضى وخلط شديد مطبوعة بغياب كل قاعدة”.

لقد اعتاد المجتمع المغربي على فكرة إقبال الرجل على طلب المتعة الجنسية المدفوعة الأجر، بحيث أن المرأة في هذه الحالة تقدم الخدمة الجنسية، بينما لا يزال لا يمكنه تقبل فكرة أن تقوم إمرأة (الميمة) بدفع مبالغ مالية مقابل متعتها، بحيث تطلب الخدمة االجنسية في هذه الحالة، مما يبدو جليا أن المجتمع قد تعايش مع فكرة العمل الجنسي الأنثوي “العاهرة” أو”بائعة الهوى”، بينما لا يزال يرفض فكرة وجود عمل جنسي ذكوري “الجيكولو”.

الحديث عن الميمات لا يستقيم دون التطرق لظاهرة الجيكولو. فمن هو الجيكولو؟ وكيف يمارس مهنته في ظل مجتمع محافظ أو منغلق؟

هذا ما سنعرفه في المقال القادم.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
ابتسام هيشر
ا. ابتسام هيشر - المغرب؛ أخصائية في العلوم السجنية والعلاج النفسي السلوكي وباحثة في السوسيولوجيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.