ادارة و اقتصاد مختارات مقالات

 شركات الاستشارات بين الضرورة والترف

شركات الاستشارات: بين الضرورة والترف

بقلم/ عبدالرحمن عبدالله – الولايات المتحدة 

من خلال نقاشاتي مع بعض المسؤولين والاقتصاديين وحتى اصحاب الشركات الخاصه، لاحظت انهم ينظرون بنوع من الريبه والشك للخدمات التي تقدمها الشركات الاستشارية. ربما كانت الرسوم الباهظة التي تفرضها شركات الاستشارات العالميه هو ما خلق هذا الشك لدى صناع القرار، اضافة الى انها في نهاية الامر لن تقدم سوى مجموعه من المجلدات زاهية الألوان تحوي رسومات بيانيه متقنة الإخراج.

لاشك ان هذه النظره فيها جانب من الصواب، ففي الفترة الاخيره بدأت تنتشر في الولايات المتحدة رؤية سالبه تجاه هذه الشركات. فعندما يطلب منك مديرك في العمل ان تعد تقريرا او دراسة عن مسالة تتعلق بالعمل، فانه ربما أردف طلبه بجمله من قبيل: اريد دراسه عمليه وجيزه، فلا تأتيني بشيء مما تبيعه ماكينزي للدول الناميه!!!!

لكن التقليل من شأن هذه الشركات الاستشارية، واعتبار ان بضاعتها رديئة لا تخدم غرضا ولا تقدم نفعا هو امر خطير، لا سيما عندما يكون الامر متعلقا بالترويج لمشاريع الدول النامية خارجيا واستقطاب رؤوس الأموال والتمويل العالمي.

لا أتصور ان يقبل المستثمر الأجنبي المشاركه في مشروعات محليه مهما كانت مغريه، طالما ان الجهات التي أعدت هذه الدراسات هي جهات محليه (مهما كانت الجهه مؤهله، والدراسه محكمه الإعداد). لا أقول ذلك تشكيكا في المؤسسات المحلية، وإنما لمعرفتي بطرق اتخاذ قرارات التمويل في مؤسسات التمويل العالمية (financial market).

ان من اهم العناصر التي تدخل الطمأنينة واليقين (وكذلك الاحترام) لدى المستثمر الأجنبي هو وجود دراسات معدة من بيوت خبره عالميه، ذلك ان تلك المؤسسات بما تتمتع به من خبرات طويله وسمعه في السوق العالمي، فان دراساتها تصبح محل تقدير لدى الممولين. اضافة الى اعتبارات تضارب المصالح وعدم المعرفة بمستويات الشركات المحلية تجعل المستثمر يرتاب في الدراسات المعده محليا. من الطبيعي ان الاستشاريين المحليين هم اكثر خبرة بالسوق المحلي واقدر على تشخيص أولوياته، لكن دراساتهم ان لم تجد من يعتمدها validation من الشركات الاستشارية العالميه، فإنها في الغالب لن تحظى بالقبول والتقدير.

هناك بعدا آخر للقضية يجهله الكثيرون؛ وهو لم الشركات الاستشارية العالميه لا تكتفي بالخدمات التي تقدمها للحكومات وشركات القطاع الخاص، وإنما تمتد خدماتها لتشمل البنوك الاستثماريه investment banks وصناديق التحوط hedge funds. هذا الموقع يجعلها محل تقدير لدى طرفي المعادلة: الباحثين عن التمويل، ومقدمي التمويل. من هنا يتبين لنا أن دور هذه المؤسسات لا يقف عند تقديم الدراسات والاستشارات، بل يتعدى ذلك الى تسويق الدراسات للمستثمرين وأسواق المال العالمية.

اضافة لما سبق، فإن هذه الشركات بحكم انتشار مكاتبها في كل دول العالم، وبحكم الكم الهائل من الدراسات التي أعدتها، اصبحت لديها خبرات تراكمية ومعرفة بدقائق الأمور، وتحديات التاسيس وما بعد التاسيس. كما ان معرفتها بخصائص الاقتصاد الكلي والحزئي للدول والتحديات التي تواجهها الدول المختلفة والفرص التي تمتلكها، كل ذلك يعطيها المقدرة على ربط الدول بعضها ببعض.

من المتوقع أن تنشأ أزمة في وقود البواخر المتجهة الى أوروبا، ذلك ان اتفاقيات الإبحار العالمية ألزمت شركات النقل التقليل من الانبعاث الكربوني في بواخرها. هذا التحدي يعطي فرصه كبيره ليس لشركات الغاز المسال فقط، ولكن للدول التي تمتلك مواقع استراتيجيه تمكنها من تزويد حركة الملاحه بالغاز المسال. هذا الوضع يعطي الموانئ السودانية (وميناء بورسودان على وجه الخصوص) ميزة تفضيلية؛ فموقع السودان في البحر الأحمر مجاورًا لقناة السويس يمكنه من تقديم خدمات التزويد للسفن المتجهة الى أوروبا قبل ان تتجاوز قناة السويس. والمعروف ان رسوم عبور القناة تجعل سعر الغاز المسال اعلى في الدول التي تقع غرب القناة. كما ان احتياجات القرن الأفريقي والدول المجاورة (اثيوبيا، اريتريا، السودان، تشاد) من الغاز المسال في نمو مستمر، وليس من دولة يمكنها حل مشكلة الامداد لهذه الدول مثل السودان.

كل هذه الفرص المغرية تظل بلا قيمة اذا لم يتوفر رأس المال اللازم لاستغلالها، وهنا يبرز السؤال: من الذي يملك المقدرة على تسويق هذه الفرص للسودان سوى الشركات الاستشارية المتخصصة في مجال الطاقة.

ما هو الحل إذاً، كيف نوفق بين المغالاة في رسوم الشركات الاستشارية العالميه، وأهميتها لدى المستثمر ؟

من حسن الحظ ان جيلا جديدا من شركات الاستشارات بدأ في التشكل. كثيرا من الروساء التنفيذيين وكبار الموظفين والدبلوماسيين والأكاديميين اخذوا يقدمون خدماتهم الاستشارية على مستويات مختلفه. بل ان الكثير من المتقاعدين من ماكينزي وE&Y وديلويت وبوسطن وPWC أصبحوا يقدمون خدماتهم الاستشارية بنفس جودة شركاتهم الام وبأسعار تنافسية. كما انهم يستغلون علاقاتهم المتراكمة للبحث عّن التمويل الذي يحتاجه زبائنهم الجدد.

يقيني ان ما ينقص السودان ليس الكفاءات ولا الموارد، وإنما كفاءة التخاطب مع المجتمع الدولي. كنا نظن ان وجود حكومة مدنية يرأسها شخص قادم من المنظمات الإقليمية (مثل رئيس الوزراء الحالي دكتور عبدالله حمدوك) سيسهم في تطوير الخطاب مع مؤسسات التمويل وشركات القطاع الخاص العالمية؛ لكن شيئًا من ذلك لم يحدث. فهل حان الأوان لإعادة النظر في جدوى التعامل مع المؤسسات الاستشارية العالميه.

 

كيف تعرف أنك شخص قوي عقلياً

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
احمد دلول
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.