عروض كتب فنون مقالات

عرض مسرحية في انتظار جودو

سلسلة كتب تقرؤنا
مسرحية ” في انتظار جودو ” ل ” صموئيل بيكيت “

بقلم أ. محمد عبد العاطي – مصر

أمتعتني مسرحية “في انتظار جودو” للكاتب الأيرلندي، صموئيل بيكيت (1906-1989). لم أكن أتوقع أنها بهذه الجاذبية وخفة الظل والعمق في نفس الوقت. كنت أظنها من المسرح الوجودي الذي يغلب عليه التشاؤم والإحباط واليأس، لكني وجدتها تتبعه من ناحية التصنيف العام وتفارقه من ناحية المعالجة والأثر الذي تتركه في النفس؛ فأنت تقرأ المسرحية، أو تشاهدها، فتجد نفسك في حالة من السخرية العقلية اللاذعة إن جاز التعبير.

الفكرة الأساسية في المسرحية تتناول إشكالية “فقدان المعنى” بالنسبة للإنسان؛ معنى وجوده وقيمة حياته، وكيف يمكن له القبض على هذا المعنى وكل ما حوله عبث.. الحروب بين البشر عبث (كُتبت المسرحية ومُثِّلت بعد الحرب العالمية الثانية)، مواعظ رجال الدين عبث، تسلط المستبدين على مجتمعاتهم عبث.. لم يعد ثمة ثابت مستقر، لا في عالم السياسة ولا الأفكار ولا الدِّين.. كل شيء يحتمل الأمر ونقيضه، وجوده مثل عدمه، قد يكون له قيمة وقد لا يكون.

يتساءل بيكيت عبر الشخصيتين الرئيسيتين في مسرحيته، استراجون (جوجو) وفلاديمير (ديدي): ماذا ننتظر؟ وهل ننتظر أم لا ننتظر؟ ولماذا ننتظر؟ هل ننتظر جودو؟ ومن هو جودو؟ وهل سيأتي غدًا كما وعد فننتظره أم لن يأتي أبدًا فيصبح انتظارنا له عبثًا؟

لكن من هو حقًا جودو-بيكيت؟ سؤال يطرحه القارئ على نفسه، وأغلب الظن -في تقديري على الأقل- أن المقصود بجودو هو الله سبحانه وتعالى، وكأن بيكيت يريد القول: إننا، حينما نسينا الله نسينا أنفسنا، وفقدنا البوصلة، وأصبحنا في هذه الحياة تائهين، لا شيء له قيمة، ولا نعرف التمييز بين الشيء ونقيضه، فكل أمر بالنسبة إلينا سواء؛ الوجود كالعدم، الضحك كالبكاء، السعادة كالشقاء.. ويريد بيكيت التأكيد -ربما- على ألَّا شيء يعيد إلينا توازننا النفسي، ويشحذ النظر فنعرف من نحن، ولماذا نحن هنا، وماذا نريد، إلَّا الله. لكن الإشكالية تكمن في أنه غائب، وفي كل مرة نتوقع مجيئه وننتظره؛ (في انتظار جودو) ولا يأتي، يَعِد بأنه قادم غدًا ثم يعتذر عن المجيء واعدًا أنه سيأتي بعد غد فننتظره، وهكذا دواليك منذ أزمنة سحيقة؛ ينتظره استراجون وفلاديمير البائسان المشردان الجالسان تحت شجرة عارية في مكان قفر يتجاذبان حوارًا غاية في البساطة والعمق والسخرية في آن، شاهدناهما على هذه الحال في الفصل الأول وهما يقفان انتظارًا لجودو وفي الفصل الثاني كذلك والذي يمر عليهما فيه السيد بوزو والعبد لاكي.

وفي الوقت الذي يجيء فيه رسول من عند جودو مخبرًا أنه لن يأتي، يقرر استراجون وفلاديمير الانتحار شنقًا، تخلصًا من مرارة العيش وقسوة الانتظار، لكنهما لا يفعلان، لأن الموت والحياة بالنسبة إليهما سيَّان؛ لا فرق؛ لا قيمة للموت كما أنه لا قيمة للحياة.. وتنتهي المسرحية هذه النهاية المعلَّقة، كأي شيء عبثي معلق في حياة البشر العبثية، نهايةً تعلن بدايةَ نوعٍ من المسرح اشتُهر فيما بعد باسم “مسرح العبث” ولا تزال أعماله تترى ورموزه يقدمون ما يجذب القرَّاء لقراءته والنظَّارة لمشاهدته.

والحق أن المسرحية، رغم جمالها وأهميتها، ربما ينقصها معالجة هذا السؤال: لماذا لا نُجرِّب نحن الذهاب لجودو (لله) بدلًا من انتظاره، فلربما حينما يرانا جادِّين في السير على طريقه يأخذ بأيدينا إليه؟

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.