عروض كتب مقالات

عرض كتاب قلق السعي إلى المكانة – الحلقة 5

قراءة في كتاب ” قلق السعي إلى المكانة” ل “آلان دو بوتون
الحلقة 5 من 5

بقلم: ماجد الصالح خليفات

المؤلف: آلان دو بوتون

المترجم: محمد عبد النبي

فيما يلي الحلقة الخامسة من الاستعراض التفصيلي للكتاب يشمل أكثر أفكاره ويحاول جمع وتحديد كل ما يريد الكاتب قوله مع إسقاط الأمثلة المكررة.

بعد عدة تجارب شخصية مع تعامل المجتمع الدوني مع المرأة؛ خَلُصت فرجينا وولف إلى ان المال (الثروة) هو السبب. حيث كرّس كل المؤثرين عبر العصور فكرة أن المرأة أدنى من الرجل في كافة مناحي الحياة لأسباب كثيرة منها أنها بلا عقل (أو ناقصة منه)، فهي بذلك لا تملك الحق بإدارة حياتها على الرغم من قدرتها على التكيف مع أعتى الظروف، وعلى الرغم من قدرتها على تحمل هذا الضغط المتواصل من الرجال فإن المرأة ظلت قادرة على التعايش والتملص. ولمّا عرفت ذلك كتبت (لطالما كانت النساء فقيرات، ليس فقط خلال مئتي عام، وإنما منذ بداية الزمان كانت الحرية العقلية للنساء أقل مما تتمتع به أبناء العبيد في أثينا).

“نقطة مهمة”: الاطلاع على المحددات الجديدة أو المعاصرة للمكانة وانحصارها في _النزعة المادية والتجارة والمضاربة ونظام الجدارة) لا يعني القضاء على تأثير المكانة في تشكيل نمط حياة المرء/المجتمع بل إنه يعطي صورة واضحة عن حدود المشكلة وشكلها، (وبالتالي يقلل الفهم بنسبة كبيرة إحساس الاضطهاد، ومشاعر السلبية والارتباط التي تنتابنا لولاه. وبطموح أكبر، فقد يكون الفهم أيضا خطوة أولى نحو محاولة تغيير النماذج المثالية للمجتمع، أو جذبها قريبا من مراكز الاهتمام، وبالتالي السعي لخلق عالم ستقل فيه احتمالات التنازل عن الإحلال والشرف بكل حزم وبلا شك لأولئك الذين ما زالوا يقفون على ركائز خارجية ترفعهم فوق الآخرين.).

يستعرض الكتاب في بداية فصل (الدين) قصة بطل رواية (موت إيفاش إيلتش) لنوفيلا تولستوي 1886 وهي تحكي عن القاضي المرموق الذي لا ينقصه شيء من متع الحياة ولكنه لا يجد متعته الحقيقية إلا في ورق اللعب (الكوتشينا). وبعد أن أصابه مرض جعل موته قريبا وجعله كذلك يفقد متعته الوحيدة، اكتشف أن كل محددات المكانة التي أحاطت به طيلة حياته لم تكن شيئا ذا قيمة، بل إن أحدا لم يشعر بالحزن على حالته الصحية بما فيهم أقرب أصدقائه في العمل الذي ينتظر خلو منصبه ليأخذه هو، وابنته التي تخشى أن يعطل موت أبيها خطط زواجها. يدرك حينها (أنه قد أهدر وقته على الأرض في عيش حياة وجيهة ومحترمة خارجيا لكنها مجدبة وقاحلة داخليا. يستعرض حياته رجوعا إلى صباه وتنشئته، وإلى فترة تعليمه ومسيرته المهنية، ليكتشف أن كل ما فعله لم يكن دافعه غير الرغبة في الظهور بمظهر الأهمية في أعين الآخرين، مع التضحية باهتماماته ومشاعره على الدوام لصالح كسب إعجاب الناس الذين كما يرى الآن فقط، لا يكترثون لأمره).

بل إن الكاتب تولستوي نفسه صاحب الصيت الذائع وروايتيه العظيمتين “الحرب والسلام” و”أنا كارنينا” من قبل أن يكتب موت إيفانتش” قد تساءل بعد عمر متقدم: (لا بأس، ستمتلك آلاف الأفدنة من الأراضي….، وماذا بعد؟… ستكون أشهر من جوجول أو بوشكين أو شكسبير أو مليير،….، فما نفع هذا؟ ولم أستطع أن أجد جوابا على الإطلاق).

نقطة مهمة أيضا. (حين يفقد الحب المتوقف على شروط وظروف خارجية أهميته عندنا، ربما نفقد على المنوال نفسه الاهتمام بعدة أمور كافحنا في سبيلها، كي نحصل على ذلك الحب المشروط.)

فن الأباطيل: من الفنون التي برزت في أوروبا القرن السادس عشر يقوم على جمع عناصر مادية تشي برغد العيش وملذاته مع إضافته رمز من الرموز التي تذكر بفنائها “فناء الملذات” وقد طغى هذا الفن على الديكور المنزلي (قد تكون هناك زهور، عملات معدنية، قيثارة، قطع شطرنج، كتب، إكليل غار، نبيذ: رموز للنزق واللعب واللهو والأمجاد سريعة الزوال. وفي موضغ ما بين تلك الأشياء يوضع رمزان من رموز الموت وقصر الحياة: جمجمة وساعة رملية). إلا أن هذا الفن امتد أيضا إلى اللوحات والقصائد. الصورة المرفقة تشير لهذا الفن.

(عندما يقنعنا الاعتداد بالنفس، أو مداهنة الآخرين لنا بمكر، بأننا شيء يسمو على نوعنا، يأتي القبر ليدحض الإطراء ناعم البشرة، وبلسان الحقيقة الجاد يخبرنا بما نحن عليه) روبرت بلير، أحد شعراء “مدرسة المقبرة” التي يشرح اسمها والمثال الذي يسبقها عن طبيعتها.

في التقاطة غاية بالأهمية يشير الكاتب إلى رمزية الأطلال “يقصد آثار المدن البائدة، ورفات الملوك العِظام” وارتباطها بقلقنا الدائم حول ما نريد إنجازه: (تنصحنا الأطلال بأن نطرح عنا كدحنا وأوهامنا عن الكمال والإنجاز، تذكرنا بأننا لا نستطيع أن نتحدى الزمن، وأننا لسنا سوى دمى بين أيدي قوى الدمار….، ربما نستطيع التمتع بانتصارات صغيرة،…..، غير أننا في نهاية المطاف سوف ننزل جميعا عائدين إلى صحن الحساء البدائي. إذا استطاع هذا المنظور أن يعزينا، فلعل هذا لأن معظم قلقنا ينبع من إحساس مبالغ فيه بأهمية مشاريعنا ومشاغلنا. إننا معذبون بأفكارنا المثالية وبإدراكنا السامي -وكأنه عقوبة- لجدية وجسامة ما نقوم به من أعمال.

يمكن القول إن أحد أهم أسباب رغبتنا في الوصول إلى مكانة عالية تكمن في (فشل الحياة العادية في تلبية حاجة الناس إلى حد معقول من الكرامة والرفاهية.).

هناك عدد قليل من الأنظمة التي قامت على تقديس مبدأ المساواة بين مواطنيها، فركّزت على تطوير المنافع العامة لهم في كافة مناطقها بدرجة تقلل من رغبتهم بالتنافس على تفاصيل تعتبر مجالا أساسيا للتنافس في أنظمة أخرى، (نجد مثلا بأن المواطنين في أكبر مدن سويسرا تقلصت حاجتهم الملحة إلى امتلاك سيارة خاصة من أجل تجنب تقاسم حافلة أو قطار مع الغرباء،….، والفضل في ذلك يرجع لشبكة الترام الكهربائي شديدة التفوق….، فما من سبب يدعو المرء للانتقال في شرنقة أوتوماتيكية، …)

أفرد الكاتب قسما خاصا استعرض فيه تعامل وارهاصات تطبيق الاعتقاد الديني وصوره مع مفهوم المكانة والتقدير، وكيف أن الصلوات التي تقام في الكاتدرائيات والكنائس -اتخذ من المسيحية تطبيقا عمليا- ترفد شعور المصلين على اختلاف مراجعهم، كذلك نجد أن الأمر سيان في أغلب الأديان وعلى رأسها الإسلام الذي أسس لمبدأ أن الناس سواسية، ولا فرق بينهم بالمكانة إلا بالتقوى، كما جاء أيضا في حديث نبوي شريف: (رُبّ أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره.) بمعنى أنه قد يكون هناك رجل لا يلتفت إليه الناس لقلة مال أو لضعف، ويُبعد من أبواب أهل الجاه، إلا أنه لو دعى الله لاستجاب له). وفيه وغيره مما جاء في كثير من الديانات ما يدفع الفرد للعمل على مكانته الأخروية دون الدنيوية.

في مقابل هذا القلق المستعر والمستمر للسعي نحو المكانة برزت طائفة من اللاأباليين، الذين لا يُقبلون على كثير من مظاهر الحياة المادية، (يرتدون ملابس بسيطة ويعيشون في الأجزاء الأرخص من المدينة) يعتبرون أن حياتهم قائمة على الحس والمشاعر والفنون ولها يدينون بالولاء، ليس للمال والمقتنيات: هم البوهيميون. إلا أنه من المهم ملاحظة بأن البوهيمية لا تلغي المهن والأعمال، بل من الطبيعي أن تجد بين البوهيميين تجار وأطباء وأدباء ومتعطلون عن العمل، فقراء وأثرياء. إن البوهيمية جمعت كل من كل الأطياف ما دام من ينتسب لها قد نبذ مظاهر المادة وعفّ عنها حتى لو كان على تماس مباشر معها في حياته اليومية.

يمكن اعتبار أن البوهيمية كحركة أو نمط حياة هي أشد كارهي ومعارضي البرجوازية التي تعدّ نقضيا البوهيمية، من حيث الانغماس في الملذات المادية التافهة، وشهوة الاقتناء، والتسلط، والتعالي على الآخرين، وتكريس الطبقية والتمايز البشري، (والتزمّت المفرط والنزعة المادية الشديدة). (إن كراهة البرجوازيين هي أول “رأس” الحكمة). باختصار يمكن القول بأن البوهيميين مخربين لنظام الجدارة “المكانة” الاقتصادية التي تمثلت في البرجوازيين.

باعتقادي، يمكن اعتبار البوهيمية رديفا لحالة من حالات التصوف، أو بالأحرى سببا من أسباب ظهور الصوفية عبر العصور وفي أغلب المجتمعات والعقائد. نشأت الصوفية في الإسلام مثلا تعلقا بالروحانيا، حبا بالإله الذي هو فوق المادة. خشيت الصوفية من غلبة الدنيا على النفس. الدنيا التي تتمثل في الترف الزائد والانفتاح على مظاهرها. إلا أن الصوفية لم تتخذ موقفا مضادا من الماديين بل ظلت منعزلة ومنغلقة على ذاتها، إلى درجة أسست معها عالما خاصا بها أقرب للمحافل الدولية للتجمعات السرية.

يتكرر المعنى هنا بصورة أعمق بالنظر إلى تجربة هنري ثورو أحد أعلام البوهيمية، عندما انتقل للعيش إلى كوخ بسيط بناه بيديه. (لقد أثبت ثورو بالتجربة العملية كم يمكن أن تكون متطلبات العيش الأساسية زهيدة الثمن للغاية، ما إن نكف عن القلق تجاه نيل إعجاب الآخرين) إذ كتب ثورو نفسه قائلا: (أغلب وسائل الرفاهية، وكثير مما يسمى وسائل الراحة في الحياة، أشياء يمكن الاستغنا عنها، وهي عقبات مؤكدة أمام سمو النوع البشري) والجملة الأهم في نظري تكمن في قوله: (يكون المء غنيا بقدر عدد الأشياء التي يمكنه الاستغناء عنها).

ربما، ما يفسر لجوء البوهيميون والصوفيون عموما إلى لغة رقيقة شددة الترميز والسمو هو اصطدامهم الدائم بعالم مادي مسعور بالمكانة. لخص دي نرفال وهو بوهيمي:لم تكن تطلعاتنا هي نفس طموحات عصرنا الرائجة.. وقد دفعنا السبقا الجشع نحو المكانة والامتيازات للابتعاد عن مجالات النشاط السياسي. وهكذا لم يتبق لنا غير البرج العاجي للشاعر “اللغة”، والذي رفعناه أعلى فأعلى لننعزل عن زحام الحشود؟ وفي تلك الذرى الشاهقة، استطعنا على الأقل أن نتنسم هواء العزلة النقي، ..، كنا سكارى بالشِعر والحب).

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.