عروض كتب

عرض كتاب قلق السعي إلى المكانة – الحلقة 4

قراءة في كتاب ” قلق السعي إلى المكانة” ل “آلان دو بوتون
الحلقة 4 من 5

بقلم: ماجد الصالح خليفات

المؤلف: آلان دو بوتون

المترجم: محمد عبدالنبي

فيما يلي الحلقة الرابعة من الاستعراض التفصيلي للكتاب يشمل أكثر أفكاره ويحاول جمع وتحديد كل ما يريد الكاتب قوله مع إسقاط الأمثلة المكررة.

كان الرسم الكاريكاتوري الساخر أكثر منغصات نابليون بونابارت امبراطور فرنسا مطلع القرن التاسع عشر، لدرجة أنه أغلق جميع مجلاتها. بل بلغ به الحد أن طلب إضافة بند لوثيقة معاهدة السلام مع بريطانيا خلال المفاوضات (تشترط أن يعامل جميع رسامي الكاريكاتير البريطانيين الذين رسموه معاملة القتلة والمزورين، بحيث يُسلمون إلى فرنسا ليحاكموا). إذ كان همّ نابليون هو إظهار صورته ومكانته في أحسن حال، فلا يريد لأي أحد ان يصوره للعامة في صورة المعتوه أو القصير أو الدميم أو المتجبر والمغرور.

(تتيح لنا النكتة أن نستغل شيئا سخيفا في خصمنا، شيئا لا يمكننا بسبب بعض العقبات أن نعلنه صراحة أو عن وعي وقصد، ولهذا السبب: فالنكات لها الأفضلية كلما مسّت الحاجة لانتقاد ذوي المناصب الرفيعة) فرويد، كتاب النكات وعلاقتها باللاوعي.

 (تطمئننا الكوميديا بأن هناك آخرين غيرنا في هذا العالم يعانون مثلنا تماما، ولا يقلون عنا من ناحية الهشاشة الاجتماعية؛ بأن هناك نفوسا أخرى من رفاقنا في الحياة يستيقظون في ساعات الفجر الأولى وهم ملتاعون بسبب معضلاتهم المالية تماما كما يجري لنا؛ وأنه تحت المظهر الرائق الواثق الذي يفرضه علينا المجتمع فإن أغلبنا يساقون للجنون ولو قليلا كل يوم، ولهذا السبب تحديدا ربما علينا أن نمد يدا لجيراننا ممن ليسوا أقل منا شفاء). هذه الفقرة تختصر كثيرا من الصفحات التي سبقتها، لا أقول بعدم ضرورة قراءة ما سبقها. بل إن لها من الأهمية ما يجعلها كذلك.

 

مرة أخرى، نقول: كان قتل الآخرين سببا أساسيا لنيل الاحترام والتقدير عبر قرون طويلة بدأت من آلاف السنين. لدرجة أن التفاضل بعدد ضحايا الفارس كان مدعاة لتمييزه عن غيره في بعض المجالس. مع الإشارة إلى أن إجادة القتال والشجاعة كانت طريقا بديهيا لقتل الآخرين والتنكيل بهم، إلا أنه مع الوقت والحياة المدنية سقط هذا الشرط وظلت القدرة على قتل الآخرين بأي كيفية ثابتة. نعم كان الثراء وامتلاك المال سببا للرفعة، لكن ليس في وجاهة القتل.

عطفا على النقطة السابقة، نقول بأن الحال بدأ باتخاذ ملامح جديدة بارتفاع نجم الإقطاعيات في القرون الوسطى التي خلقت طبقة النبلاء. فصار معيار التفاضل الأهم إلى جانب الفروسية هو حجم الممتلكات واتساعها على الأرض.

بالعودة للنقطة الخامسة، وتفصيلا لها: فإن مكانة بعض الفئات وإن كان قليلة المال أو ضعيفة من الناحية البدنية أو العلمية؛ قد تتحدد تبعا لحالة المجتمع وحاجته في كل عصر. قد ضرب الكتاب أمثلة على ذلك، منها أن الفرسان الشجعان في مدينة اسبرطة أو العصور الوسطى هم الذين قد استحوذوا على التقدير دون غيرهم وذلك مردّه لخطر العدوان الذي كانت يتهدد مجتمعاتهم باستمرار ودون فترات سلام. في حين أن مجتمعات آمنة أخرى كالتي سكنت غابات الأمازون الشاسعة فإن الصيادين ذوو القدرة على ملاحقة الطرائد المتملصة وكفاية شعوبهم من الطعام هم من يستحقون الاحتفاء. وفي مجتمع صناعي أو تكنولوجي فإن الأثرياء أو العلماء هم أصحاب الوقار والرفعة. وعليه يمكنك القياس عكسيا بالقول أن كل مجتمع لن يولي مكانة لمن يمتلك صفات لا تهم مجتمعه. ما تفعل شعوب الأمازون الراحلة بثروات الرجال؟ وما يصنع فارس شجاع يجيد المبارزة بالسيف في مجتمع آمن يهتم بالصناعة.

اتخذت المكانة شكلا حديثا مع دخول بعض التعديلات على هيئتها في العصر الحالي وفي كبريات مدن التجارة والثروة مثل نيويورك ولندن، حيث حافظ المال على معيار تحديد المكانة إلا أنه اقتصر على المال الذي يتأتى عن جهد وكسب بأي طرق الكسب القانونية المتاحة، بخلاف ما كان عليه الحال؛ حين لم يكن يُشترط مصدرا محددا للثروة، أموروث هو أو مكتسب أو مغتصب.

وبالتالي فإن المال المكتسب يشي بدلالات تعطي بُعدا أوضح للمكانة التي يجب أن يكون عليها مالكه من خلال (أربع فضائل جوهرية في أقل تقدير: الإبداع، والشجاعة، والذكاء، وقوة التحمل).

(من المستحيل أن يعد المرء فاضلا وهو فقير) فبلن 1899م. (إن قميص الرجال المصنوع من الكتان، على سبيل المثال هو شيء غير ضروري بمنتهى الوضوح. فعلى ما أحسب عاش الإغريق والرومان حياتهم بمنتهى الارتياح رغم افتقارهم لقمصان الكتان. غير أن الأمر يختلف في زمننا الراهن، وفي الجزء الأعظم من أوروبا فأي عامل باليومية جدير بالثقة والاحترام سيشعر بالخزي إن ظهر في مكان عام دون قميص الكتان، إذن أن الافتقار إليه سيعد إشارة إلى الدرجة المخزية من الفقر، والتي لا يمكن لأي شخص أن يبلغها إلا إن كان سيء السلوك إلى أبعد حد.). آدم سميث، ثروة الأمم 1776م. وعليه يمكن تفهّم الصورة التي أنتجت عارا في عيون الآخرين قد يحمله الإنسان العادي في حال افتقاره لحاجيات أو عناصر لم تكن مهمة أو حتى مرغوبة في عصور سابقة.

يدرج الكاتب في الصفحات العشرين التي استهل بها فصل (السياسة) -يقصد سياسة المجتمع للمكانة وليست سياسة النظم الحاكم وعلاقاتها- عدة اقتباسات تدور في طيها حول فكرة واحدة مهمة مفادها أن مفهوم المكانة الذي تجذّر في المجتمع يرفع من قيمة الأشياء المستهلكة ويجعلها في مقام المؤشر الطبيعي على منزلة الفرد وما يستحقه من تقدير في حال اقتناها -أي المستهلكات- أو جمع أكبر قدر منها. وقد ضرب عدة أمثلة على ذلك، منها إحصائية تتبع المستهلكات التي يعتقد سكان أمريكا الشمالية أنها من “الضروريات” التي لا غنى عنها بين سنتين، إذ قرر هؤلاء مثلا أن امتلاك سيارة ثانية أمرا ضروريا بنسبة 20% في سنة 1970 إلا أن النسبة ارتفعت إلى 59% سنة 2000.

نعود ونؤكد على نقطة الربط السطحية التي طفت في القرنين الأخيرين بين قدرات الفرد وفضائله التي ترفع من مكانته وبين افتقاره لهذه القدرات ووضاعته، فبهذه الفضائل التي ذُكرت آنفا (الإبداع، والشجاعة، والذكاء، وقوة التحمل) سوف يقدر على كسب المزيد من المال الذي يخوله لاقتناء أشكال المادة، ويمكن حينها أن يوسم بالفضيلة والأخلاق مادام قادرا على الكسب. وعلى العكس فإن من يفتقر لهذه الفضائل الأربع لن يتمكن من الكسب والاقتناء (قميص كتان مثلا) فيسهل وصفه حينها بأوصاف لاذعة مثل أنه سكير أو سارق أو مهمل أو لا يحمل مَلَكات عقلية تؤهلة للقدرة على الكسب.

51- على الرغم من النقد الذي وجهه الكاتب للمعيار اعلاه في الوصول إلى مكانة مرتفعة، إلا أنه استجلب امثلة تؤكد بأن نقيض هذه الفكرة سطحي كذلك، فلا يمكن القول بان الصالحين هم الفقراء وأن الأثرياء هم شرار الناس. بل إنه ببساطة؛ يريد أن يُضعف قدرة العامل المادي “الربحي” على تحديد مكانة الفرد سواء صعودا أو هبوطا.

طورت الإعلانات أساليبا قد تبدو منطقية تربط بحبل وثيق بين المكانة والاقتناء، وهذا من مصلحة المنتجين بكل تأكيد، حيث نمت قناعات جماعية لدى الجمهور بضرورة مواكبة ما لدى الآخرين، لذا قامت شركات الدعاية على ركيزة أساسية وهي إيهام أكبر عدد ممكن بأن ما نعلن عنه هو منتج يملكه الجميع باستثنائك، لا تكن متأخرا عنهم.

(لا ثروة غير الحياة ذاتها، بكل ما تنطوي عليه من قدرات على الحب والمسرة والإعجاب، وإن أثرى الناس لهو الذي أتقن مهام حياته على خير وجه، كما ترك على حياة من حوله أنفع الأثر، سواء بفضل شخصه أو متخذا مما يملك وسيلة إلى ذلك،…، فكم من الأشخاص الذي يُعدون عموما من الأثرياء، لكنهم في حقيقة الأمر ليسوا أشد ثراء من أقفال صناديقهم المتينة -يقصد بأن ثرواتهم مكنوزة لا تنفع أحدا- فهم عاجزون إلى الأبد عن الإحساس بالثراء في صميم نفوسهم) راسكين من كتاب (أُعطي هذا الأخير مثلك).

إن كنت شديد الإيمان هذه الأيام بأفكار مجتمعية تخص البيئة التي نشأت به وتعتبرها (فطرة وطبيعة) فأريد أن ألفت نظرك إلى أن الإنسان الإفريقي كان خارج التصنيف البشري في يوم من الأيام، اقتبس الكتاب عن ألكسندر ستيفنز وهو سياسي أمريكي رفيع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر 1870 تقريبا: (إن الجنس الأفريقي أدنى من الرجل الأبيض، وهو بحكم طبيعته خاضع للرجل الأبيض، وعلى هذا فإن نظامنا الذي يضع الأفريقي في مرتبة أدنى يقوم على مبدأ عظيم من مبادئ الطبيعة). هل ترى هذا المعلومة المسلّمة؟ ما بالك إذن بمن يضع المرأة دون ذلك مثل لورد كرومر -المندوب البريطاني لحكم مصر حتى 1906م- إذ قال: إن الفرق بين الذكر الأوروبي المثقف وبين المرأة الأوروبية، جسمانيا وأخلاقيا، لأكبر وأخطر مما بين الرجل الأوروبي وأي زنجي ينتمي لإحدى القبائل المتوحشة في وسط أفريقيا).

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
ماجد الصالح خليفات
ماجد الصالح خليفات؛ كاتب أردني في الموضوعات الإنسانية والأدبية، وحاصل على درجة البكالوريوس في القانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.