عروض كتب مقالات

عرض كتاب قلق السعي إلى المكانة – الحلقة 3

قراءة في كتاب ” قلق السعي إلى المكانة” ل “آلان دو بوتون
الحلقة 3 من 5

بقلم: ماجد الصالح خليفات

المؤلف: آلان دو بوتون

المترجم: محمد عبدالنبي

فيما يلي الحلقة الثالثة من الاستعراض التفصيلي للكتاب يشمل أكثر أفكاره ويحاول جمع وتحديد كل ما يريد الكاتب قوله مع إسقاط الأمثلة المكررة.

(نادرا ما تجد أي رجل، يعتبر نفسه جديرا بالالتفات إليه، لم يقتل رجلا آخر في مبارزة) هذا ما قاله لورد هربرت في القرن السابع عشر عن أهم أشكال التحلي بالشرف عند رجال فرنسا، (وفي إنجلترا، كان الرأي السائد أنه ما من رجل يمكن اعتباره سيدا نبيلا ما لم يكن “قد نزع سيفه من غمده” ذات مرة).

ويقال إن المبارزة بالسيف كطريقة متفق عليها لتقرير مقدار النبل والتقدير الذي يستحقه الرجال قد حصدت مئات الآلاف من الأرواح في أوروبا حتى بداية الحرب العالمية الأولى. مع الإشارة إلى أن المبارزة حتى الموت قد كانت قانونية تماما ما دام قبِل الطرفان بانعقادها. علما أنها غالبا ما تقع لأسباب تافهة. لدرجة (أنه فتك أحد الأدباء بابن عم له كان قد اتهمه بأنه لا يفهم شعر دانتي). دانتي= شاعر إيطالي، صاحب الكوميديا الإلهية التي جاءت بعد رسالة الغفران للمعري بأكثر من مئتي سنة.

النقطة أعلاه حول المبارزة تشير بوضوح إلى أن الإنسان الأوروبي ذلك الوقت -حتى لو كان نبيلا ذا مكانة موروثة- إلا أنه بحاجة إلى إعادة تثبيتها في عدة مواقف قد تكلفه إحداها حياته، على الرغم من أن المنطق يفرض بأن المكانة لا تتأثر بمواقف عابرة أو حتى مفصلية. هي أمر تخص المرء ذات نفسه. إلا أن نظرة المجتمع وتطلّع الناس إلى متابعة المشاكل وأخبارها؛ قد جعل من المكانة أمرا متقلبا كالبورصة.

(إن ما يجعلني ميسور الحال ليس موضعي في المجتمع، بل إنها أحكامي وآرائي، وتلك يمكنني أن أحملها معي أينما ذهبت، وهي وحدها ملكي وليس بوسع أحد انتزاعها مني) أبكتيتوس، فيلسوف روماني، سنة 100م.

لتخفيف وطأة وآثار الارتباك الذي ينجم عن زعزعة مكانة المرء في نفسه قديما، فقد لجأ بعض الفلاسفة إلى ابتكار فكرة (المنطقة الوسيط) التي على متلقي آراء الآخرين والنعوت أو الأوصاف والهمز واللمز أو حتى المديح كذلك؛ عليه أن يجمعها كلها في هذه المنطقة، ثم يقوم بتحليلها قبل أن تؤثر إيجابا أو سلبا فيه، فيبني على ضوء ذلك حكما تجاهها بأنها غير صحيحة ولا تخصني ولا داعي للتعامل معها، أو أن يقبل بها كليا أو جزئيا.

عطفا على النقطة السابقة، فإن هذا التحليل المنطقي البسيط جعل من صاحب الرأي -المُرسل- طرفا مرة أخرى بالمعادلة، على العكس مما كان عليه سابقا، عندما ينتهي دوره بإطلاق رأيه أو نظرته او إساءته.

(هل يصير الشيء أثمن إن امتدحناه؟ هل يصير الزمرد أسوا إن لم نمتدحه؟) الفيلسوف الروماني ماركوس أوريليوس. وقد قال في موضع آخر (هل سينظر إليّ أي إنسان نظرة ازدراء؟ هذا شأنه وليهتم به. أما أنا فسوف أهتم بشأني، وبأن لا أقول أو أفعل أي شيء يكون جديرا بالازدراء حقا).

(نظام القيم السائد قد يكون ظالما في إنزال الخزي ببعض الناس، وتكليل آخرين بالشرف والتقدير. وبخصوص الظلم، ربما يساعدنا تأمل فكرة أننا قد نكون محبوبين حتى إن لم نحظ بهالة مديح الآخرين واستحسانهم).

لا يمكن بأي حال -حسنا أم قبيحا- الاعتماد على رأي الأغلبية وميولهم لاعتماده في إصدار الأحكام على عناصر غير منطقية بتاتا. يقول الفيلسوف شامفور: (للمرء أن يكون على ثقة تامة من أن كل فكرة يتبناها عموم الناس، وكل تصور يتلقفونه، سيكون ضربا من الحماقة والبلاهة، وذلك لمجرد أنه كان قادرا على اجتذاب الأغلبية إليه) وكذلك على سبيل التندر: (الرأي العام هو أسوأ رأي على الإطلاق). أعتقد بأنه يمكننا ملاحظة هذه النقطة بوضوح بالنظر إلى استحسان آلاف من الأشخاص -أو الملايين- بمواد وضيعة المحتوى في أيامنا هذه.

أعتقد أن أهم نقطة يمكننا أن نرتكز عليها في سعينا نحو المكانة المقدّرة هي في أننا نخلط دائما في طلب استحسان أناس قد لا يشكل استحسانهم في حال حدوثه أي وزن بالنظر لوزنهم الفكري. (نسعى لمحبة أشخاص لن نكن لهم احتراما كبيرا إذا ما استكشفنا ما تحويه عقولهم). وكذلك في فقرة لاحقة نقلا عن الفيلسوف شبنهاور (سوف نغدو بالتدريج لا مبالين تجاه ما يجري في عقول الآخرين، عندما نكتسب معرفة كافية بضحالة أفكارهم وتفاهتها وتعصب رؤاهم،…، ولسوف نرى عندئذ أن كل من يضفي قيمة كبيرة على آراء الآخرين يوليهم شرفا أكثر مما يستحقون).

تجاهل الآراء وفرزها بصرامة على مبدأ كراهية البشر الذي اُستُعرض باستفاضة في الكتاب لا يلغي أهمية النقد بالعموم لحماية البشر من المخاطر الأساسية المحدقة بهم مثل الحئول دون (سقوط النفس ضحية للتفاهة والضلال). وكذلك لإبراز الجمال وتأييده.

تجدر الإشارة إلى أنه كان يوجد في بريطانيا حتى عهد قريب، دليل ديبريت الذي يحصي ويبرز ويحتفي بالعائلات الراقية وتسلسلها. وكان لهذا لدليل اسم شائع هو: (مَن يكون مَن).

في رواية مانسفيلد بارك للبريطانية جاين أوستن التي استعرض فيها بعض أهم أفكارها، نجد كيف أن فتاة فقيرة ذهبت للعيش في قصر أحد أقاربها الذي تبناها لتعيش بجانب ابنتيه، وكيف أنه على الرغم من ذلك لم يتخل المتبني عن خيلائه ونظرته الوضيعة لهذه الفتاة وكذلك فعل باقي أفراد أسرته الذين -برغم كونهم نبلاء- إلا أنهم فشلوا جميعا بالعيش كنبلاء حقيقيين باستثناء الفتاة الفقيرة.

في رواية ميدلمارش للروائية الإنجليزية ماري إيفانس التي استعرضها الكتاب كمثال مختلف على تحديد المكانة رغم الفضائل؛ نجد مثالين هما قديسة اسمها تريزا من عائلة نبيلة ثرية وبين شخصية أخرى تدعى دورثيا انحدرت من أسرة متواضعة. قدمت الشخصيتان جهودا محترمة في خدمة المجتمع بأشكال متعددة، إلا أن التقدير قد برز وتضخم للقديسة التي استثمرت نفوذها ونفوذ عائلتها في أعمال الخير الطيبة. (ربما تحوز دورثيا كثيرا من فضائل القديسة تريزا، لكنها فضائل غير ظاهرة لعالم لا يلتفت إلا لرموز المكانة).

لك أن تتخيل أن الأكاديمية الفرنسية للفنون الجميلة التي أسسها لويس الرابع عشر في القرن السابع عشر (قد صنف أعضاؤها موضوعات التصوير “الرسم” المختلفة في نظام تراتبي بحسب الأهمية) فكانت الشخصيات الإغريقية والرومانية على رأس هذه التراتبية، تليها البورتريهات الشخصية للنبلاء وعلى رأسهم الملوك المعاصرين. ثالثا تأتي الطبيعة. وعدة موضوعات أخرى، إلا أن العجيب هو وضعهم لموضوعات تصور الحياة اليومية للبسطاء في ذيل هذه القائمة. لذلك عندما اهتم الرسام الفرنسي شاردان برسم اللقطات الطبيعية لحياة العامة؛ فقد أثار حنق واستغراب زملائه لكونها موضوعات لا تحتاج إلى كل هذا الاستغراق. لم يكونوا ليتخيّلوا بأن امرأة ريفية بسيطة تقشر البيض في غرفة متواضعة تستحق هذه المكانة. أُرفق بالمنشور رسما لذات الفنان بعنوان: وجبة لمريض يتعافى، أو الممرضة النبيهة.

على الأعمال الفنية التراجيدية “المأساوية” أن تركز جهدها حول الإنسان العادي الذي يرتكب الخطأ لدوافع ليس بينها كونه شرير، بل لأنه إنسان قد يقع في (سوء التقدير) كما أشار أرسطو. الأمر الذي يجعل المتابعين لهذه الأعمال متعاطفين أكثر مع شخصياتهم، أو الحالات التي هي مثلهم وتعيش بينهم، ممن يقعون في أخطاء كارثية ينتج عنها تغيرا حادا في حياة المخطئ.

 (والآن ينبغي علينا أن نبقى مراقبين حتى اليوم الأخير، فلا تحسبوا أحدا من الناس سعيدا حتى تحين ساعته وهو مبرأ من كل ألم، أخيرا) من خاتمة مسرحية أوديب الشهيرة للكاتب سوفوكليس، التي مُثّلت أول مرة في أثينا سنة 430 قبل الميلاد.

عطفا على النقطة السابقة، وفي إشارة من أحداث رواية مدام بوفاري للفرنسي جوستاف فلوبير، حيث تقع البطلة ضحية أخطائها العميقة والمتلاحقة التي تنتهي بتجرعها الزرنيخ في محاولة انتحار يائسة. فإن من طبع الجمهور في هذه الأعمال أن يتعاطف أو أن يتفهّم الأمواج المتداخلة التي أدت إلى أن يرتكب شخص ما هذه الجملة من الأخطاء ثم يربطها -المتلقي- بنفسه، الذي قد يقع بدون عوائق في ذات الأخطاء او في أعظم منها. وعليه نفصّل: (من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر) كلمة رواها أحد الأناجيل عن المسيح عليه السلام، في قصة امرأة متهمة بالفاحشة، وأرادوا رجمها، وأرادوا أن يحرجوا المسيح بأن يشارك هو في رجمها، أو أن يقف موقف المعترض على شريعة موسى عليه السلام. فقال لهم تلك العبارة، لما رآهم يتعاملون معها بقسوة المتعالي وبغلظة المتكبر. فلما قالها لهم، رجعوا، فلم يرجمها أحد، لأنهم قالوا لأنفسهم: من منا بلا خطيئة؟

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
ماجد الصالح خليفات
ماجد الصالح خليفات؛ كاتب أردني في الموضوعات الإنسانية والأدبية، وحاصل على درجة البكالوريوس في القانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.