عروض كتب مختارات مقالات

قراءة في كتاب ” قلق السعي إلى المكانة” الحلقة 2

قراءة في كتاب ” قلق السعي إلى المكانة” ل “آلان دو بوتون
الحلقة 2 من 5


بقلم: ماجد الصالح خليفات – الاردن

المؤلف: آلان دو بوتون

المترجم: محمد عبدالنبي

فيما يلي استعراض تفصيلي للكتاب يشمل أكثر أفكاره ويحاول جمع وتحديد كل ما يريد الكاتب قوله مع إسقاط الأمثلة المكررة.

لا يوجد على الأرض من بشر إلا عاش في حالة سعي مستمر وراء الحصول على مكانة ما في مجال ما.

الوصول إلى المكانة صعب، (والأصعب هو الحفاظ على هذه المكانة لعمر كامل)، باستثناء أنواع المكانة التي تورث للأمراء في الملكيات والأشراف -الآغات- في الإقطاعيات ومن على نحوهم.

لا يمكن اعتبار سعينا وراء حب الناس لنا -مكانتنا عندهم- أقل أهمية أو سرية أو ألما من سعينا وراء الحب العاطفي المرتبط بالجنس ذكرانا وإناثا.

(نقطة مهمة) – قد يمكن احتمال الفقر والعوز لفترات طويلة من عمر الفقير لولا أنه -أي الفقر- مصاحب لتدني نظرة المجتمع التاريخية لشخص الفقير وبالتالي تدني حصته من الحب والاهتمام والرعاية سواء من الناس. ويمكنني الإشارة إلى الحديث النبوي الذي جاء فيه: (مرَّ رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لرجل عنده، جالس: ما رأيك في هذا؟ فقال: رجل من أشراف الناس، هذا -والله- حريُّ إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يُشفّع. قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم مر رجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما رأيك في هذا ؟ فقال: يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حريّ إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع -كان وسيطا في أمر- أن لا يُشفّع، وإن قال أن لا يسمع لقوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “هذا خير من ملء الأرض مثل هذا”).

عطفا على النقطة السابقة، فإن بعض فئات المجتمع، من التي تعاني فقرا وعوزا واضحا قد يحتملون حاجتهم المادية مقابل الاهتمام التاريخي أو الموسمي والاجتماعي الواضح بهم سواء كأفراد الجيش أو العاملين في القطاع الصحي والتعليمي وبعض رجال الدين، والشعراء. هل لديك أمثلة أخرى؟

نحن ممتنون لاهتمام الآخرين بنا ولطفهم معنا ومجاملتهم لنا، فبفضلها يمكننا تحمّل أنفسنا.

كانت كليات كامبردج وأكسفورد البريطانية الشهيرة إلى زمن قريب تميّز الطلاب العاديين عن الطلاب الذين ينحدرون من طبقة النبلاء باختصار اصطلاحي (أس.نوب) ويعني أن الطالب ليس من أسرة نبيلة.

لا ينسى الناس المكانة والاهتمام اللتين حصلوا عليها في الطفولة من أمهاتهم والمجتمعات المحيطة؛ بلا مقابل مادي منهم، وهذا تماما ما يسعون إليه في رشدهم.

كل متغطرس هو دونيّ لمتغطرس فوقه. حتى أولئك الذين هم رؤوس في بلادهم، يجدون من يدينون له في دول أخرى. وهكذا دواليك. أعتقد بأن أعلى متغطرس في العالم هو دونيّ لزوجته التي لا تخرج من بيتها. وعليه أذكر اقتباس الكاتب عن كاريكتير في مجلة بنش البريطانية سنة 1892 لسيدة ترد على ابنتها التي طلبت منها دعوة أسرة لأنها سمعت بأنهم يرغبون بلقائها: (بالطبع لا تدعيهم لمخالطتنا؛ يا عزيزتي، إذا كانوا يتحرقون للقائنا فهم لا يستحقون ذلك، إن الأشخاص الذين يستحقون مخالطتنا هم من يعرضون عنّا).

راحة البال هي المزية التي خسرتها الأجيال اللاحقة للثورة الصناعية والزراعية وانتشار المذهب الديمقراطي، إذ لم يكن ليشعر أجدادهم البائسين والفقراء بهذا المستوى من التشاحن والتحاسد والسعي المحموم للانتقال من درجة إلى أخرى بغرض تجاوز الأقران.  كذلك قال المتنبي بشكل ما (وفي تعب من يحسد الشمس نورها، ويجهد أن يأتي لها بضريب) ضريب = شبيه.

(الآن صار جميع المواطنين تقريبا في الدول المتحضرة يتمتعون بالطرق الممهدة، والمياه الخالية من الميكروبات، وحماية الشرطة، …، صار الغني والفقير يقرآن الكتب نفسها، ويشاهدان أيضا الأفلام نفسها، ويسمعان أيضا برامج الراديو نفسها، وقد تقلص الفارق بين حياتيهما بفضل الانتاج الضخم للملابس الرخيصة والتطورات التي شهدها العمران) جورج أورويل.

إن الارتفاع المفاجئ للقدرة الشرائية للإنسان الغربي، وامتلاكه من أجهزة وعناصر تبسيط الحياة اليومية إلى درجة لم يكن متوفرا لأسلافه الذين حرثوا الحقول من جيلين على الأقل بوصفهم عبيدا؛ إلا أنه أظهر انزعاجه من عدم كفاية هذه الحياة الجديدة ومظاهرها لمتطلباته.. ربما يكون مرد ذلك إلى حاجته الدائمة للتمايز عن غيره ولتطلعه إلى مكانة أعلى.

إن الحياة القاسية لمجموعة من الخدم يعيشون في بيوت ضيقة متهالكة، لن تكون تربة خصبة لنمو الحسد بينهم على الرغم من أساها بالنسبة لهم، لكن قد ينمو هذا الحسد ويزدهر فيما لو اكتشفوا صدفة بأن أحد زملائهم السابقين قد تغيّر حاله للأفضل. إن الحسد النامي هنا موجه بالتحديد لمن كان يشاركنا ذات المستوى فيما مضى، أو قد ربطتنا به علاقة شخصية وإن بعيدة، بمعزل عن الأثرياء البعيدين الذين قد لا نفكر بما بين أيديهم. وقد اقتبس الكتاب مثالا على هذه النقطة المهمة من “رسالة في الطبيعة البشرية” لدافيد هيوم: (إن أي جندي عادي لن يحمل حسدا نحو قائده الجنرال مقارنة بما سوف يشعر به نحو رقيبه المباشر أو زميله العريف)

(من الواضح أن أن بعض الرجال أحرار، وآخرين بطبيعتهم عبيد، والعبودية بالنسبة لهؤلاء الأخيرِين أمر مستحسن وصائب في الحين نفسه” كتاب السياسة، أرسطو.

(من دون محاولة لن يكون هناك إخفاق، ومن دون إخفاق لن تكون هناك مهانة. …. إن التخلي عن الطموحات الكبيرة، لهو نعمة جالبة للارتياح بمثل قدر تحقيقها تماما) وليام جيمس- عالم نفس أمريكي شهير. أورد الكتاب مقولته أعلاه للإشارة إلى (كل ارتفاع في مستويات التطلعات، يستتبع بالضرورة ارتفاعا في مخاطر الشعور بالمهانة).

يمكن اختصار عشرين صفحة من الكتاب في إيجاز قصير يشير إلى أن رفع أفراد المجتمعات لسقف طموحاتها بوتيرة متسارعة سوف يجعل قدرتهم على تقدير ذاتهم أمرا مستحيلا. في حين أن العلاقة طردية بين الإيمان باليوم الآخر والحساب بعد الموت وبين تقدير الذات والسلامة من الحسد.

كانت وجهة نظر جان جاك روسو التنويري الكلاسيكي والأب الفكري والروحي للثورة الفرنسية، بأن الفجوة الدائمة والواسعة جدا تكمن بين ما نريد وما نستطيع. حيث على العكس (لم يشعر البدائيون بأنهم يفتقرون إلى أي شيء في العالم مادام عندهم سقف فوق رؤوسهم وبضع ثمار يأكلونها). ولا يمكنني هنا إغفال ذكر الحديث الشريف الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا).

إن التحول العظيم في نمط الحياة بين سادة إقطاعيون برجوازيون وعبيد أو عمال ومزارعين متساوين في القيمة والمنزلة، إن هذا التحول إلى انفتاح آفاق جديدة سهّلت من انتقال الأفراد بين الطبقات؛ هو تحول لم يلغِ من فكرة أن رأس المال الذي استحوذ على المشهد أعاد تفريخ الفكرة القديمة من خلق موظفين -قطاع حكومي أو خاص- مستعبدين لمتطلباتهم الشخصية. الأمر الذي يجعل أصحاب رأس المال سادة على موظفيهم بشكل يشبه ما كانت عليه الحياة قبل قرون. (ذلك لأن الرأسمالية، رغم كل شحها -يعني انحسارها في أيدٍ قليلة- تسرف وتهدر بكل طيش المادة البشرية) كما ذكر كارل ماركس.

أورد الكتاب اقتباسا لقصيدة الطبيب والاقتصادي برنارد ماندفيل اسمها (حكاية النحل) قال في بعضها: (في غضون نصف عام، سوف يهلك جوعا، كل من تجار الأقمشة، ومنجّدي الأثاث، والخياطين، إذا ما اجتثثنا حب التفاخر والترف من البلاد معا). وظاهر من هذه الفكرة أنها تورد أهمية الأثرياء في ديمومة حياة قطاع عريض -أو لنقل باقي قطاعات المجتمع- الذي يعتمد في بقائه على متطلبات المشترين أصحاب رأس المال. هناك تفصيل طويل في الكتاب حول هذه الفكرة. كما يمكن قياس ما ورد على واقعنا في ظل حظر عام للبيع والشراء خارج حدود المأكل والمشرب، حيث تضررت قطاعات عديدة في أيام قليلة، وتأثّرت فئات عمال المياومة وكثير من موظفي القطاع الخاص تأثيرا قد لا يجد أكثرهم معه قوت أيامهم.

(رُبّ امرئ يتحلى بالذكاء، والطيبة، وسعة الحيلة، والسرعة، والإبداع، نجده كناسا للشارع. ورُبّ آخر منحط وضعيف الشخصية، وفاسد، وساديّ وأحمق، نجده حاكما لدولة.) وهذا ربما يكون ناتج مزية توريث المكانة التي لا تستدعي بأن يكون الوارث بمنزل المورِّث.

حلّ الوسام مكان الألقاب في فرنسا النابليونية، مما أتاح المجال للمهنية والاجتهاد أن يساعدا في صنع مكانة الفرد.

دائما ما نواجه فكرة أن التقاءنا بالأشخاص لأول مرة يصطدم بضرورة تعريفنا عن أنفسنا من مدخل أعمالنا -أو مراكزنا الوظيفية والمهنية- التي باتت علامة أساسية في تشكل صورة عن مكانتنا في ذهن الطرف الآخر.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
ماجد الصالح خليفات
ماجد الصالح خليفات؛ كاتب أردني في الموضوعات الإنسانية والأدبية، وحاصل على درجة البكالوريوس في القانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.