عروض كتب مقالات

قراءة في كتاب ” قلق السعي إلى المكانة” الحلقة 1

قراءة في كتاب ” قلق السعي إلى المكانة” ل “آلان دو بوتون
الحلقة 1 من 5

بقلم: ماجد الصالح خليفات

المؤلف: آلان دو بوتون

المترجم: محمد عبدالنبي

كنت قد قرأت هذا الكتاب من أسبوعين تقريبا، فوجدته من الكتب البسيطة ذات اللغة اليسيرة للجميع، بدون إيغال من صاحبها في صياغة أكاديمية متخصصة أو مترفعة عن القارئ الهاوي. لكن هذه السمة فيه لم تكن ما دفعني لإعادة قراءته، بل لأن موضوعه -بأهمية بالغة- يستحوذ على مقصود البشرية من أيام كان الإنسان منفردا في حياته، إلى أن تدرج في تشكيل مجموعات تختلف في الأواصر الأولية التي تجمعها، مرورا بنمو هذه الأواصر لتظهر الدول المحكومة بقوانين ناظمة لعناصرها. هذا المقصود هو “المكانة”. أن يكون لك موطئ قدم في محيط ما، في أرض ما، في زمن ما، في تاريخ ما، في حضارة ما، في إنجاز ما.

لقد آمنت البشرية بأن حياتها مرهونة بتطوير أدوات حمايتها مما يهدد بقاءها، وذلك نتج عنه في البداية أنْ برزت مكانة مجموعات بدرجة أكبر من مجموعات أخرى؛ كنتيجة طبيعية، لكن دون أن تتداخل أو تؤثر في بعضها، إلا أنه مع مرور الوقت، فهمت هذه المجموعات بأن مكانتها عند الآخرين هي عنصر القوة الأهم لدفع أذاهم المحتمل -أي الآخرين- وكسب ودهم. وعليه نقول بأن كل ما عمله الإنسان -فردا أو مجتمع أو أمّة- أو خطط لعمله، هو لتحقيق مكانة يصبوا لتغذيتها.

قد يكون هناك استثناءات قليلة قامت على غايات عقائدية في بدايات نشأتها أشارت بعضها -مثلا- إلى أن التكليف هو الغاية المحضة لوجود الإنسان على الأرض. مع ذلك فلم ينزع عنه حاجته الملحة المستمرة في صحوه ورقاده إلى إبراز نفسه. كما أنني لا أظن أنه يمكن استثناء الفنون بكافة فروعها من هذه الغاية. باختصار غير مخل، نقول بان قلق الإنسان المزمن تجاه المكانة عبر العصور يمكن أن يتحول إلى دافع له للارتقاء في بشريته.

يعتبر هذا الكتاب في أغلب أجزائه وفي أسلوبه عرضه استعراضا فلسفيا وتاريخيا لمكانة الإنسان الفرد عبر العصور، وموقع وقرب هذه المكانة منه واهتمامه به وتعاطيه معها. والحركات والأفكار والتوجهات التي برزت واندثرت خلال القرون في محاولة تصور أبلغ لهذا السعي المحموم إلى المكانة سواء بالأدب أو الرسم أو العمران أو حتى الانعزال كما صوّرَت البوهيمية.

يمكنني بعد قراءة هذا الكتاب الذي أنصح بشدة بقراءته أن أعيد وأكرر على الفكرة التي استعرضها في غير موضع داخله؛ بان معضلة مكانتنا قد نشأت بالأصل عند الآخرين. لولا رغبتنا الشرسة للاطلاع على هذه الصورة الغامضة والمهيبة التي تسكن أذهان الآخرين عنا لما أرعينا هذا الموضوع كل الاهتمام المشتعل منذ أول إنسان على هذه الأرض.

أعتقد بان قابيل قد قتل هابيل لما اعتمل في صدره من المكانة التي حظيها الأخير عند الله إذ اكلت النار قربانه. من هنا تبدأ قصة صراع الإنسان لبلوغ أعلى درجات المكانة. لكن ماذا لو قلنا بأن الوهم هو عدونا الأول، هو الذي رسم في مخيلتنا صورا متشابكة ومزيفة في أجزاء عظيمة منها عن مكانتنا المتخيلة لدى الآخرين فبنينا مشاعر وردات فعل غمستنا أكثر فأكثر ف مستنقع تفاعلاتنا النفسية. ماذا لو لم ينتبه الآخرين لأخطائنا أو أفعالنا. ماذا لو كانوا على قدر أدنى -بدرجات- مما نحن عليه فعلا، ولن تساوي -بالمنطق الرياضي- إذاً مكانتنا عندهم شيئا مهما. 

ما ضر لو أن تخففنا من هذا الكم الكبير من المادة التي تحيط بنا وتخنقنا بلا انتهاء، فتجعل منا -من حيث لا ندري- مهووسون بجمع ما لا يهمنا. إن الاهتمام الذي نطلبه عند الآخرين -وإن وجدناه- لن ينهي اضطرابنا نحو المزيد. قد لا تكون هذه البيئات التي عشنا فيها إلا صناعة آلات دعاية وإعلام لا هم لها إلا الترويج للمادة وبالتالي التربح بخلق منافسة شرسة حول الماديات.

إن التفاتة بسيط منا ناحية مظاهر السعي المميت ناحية المكانة ترينا كيف يدفع الناس في مختلف البقاع حياتهم لقاء مكانة معلبة على شكل إعجاب إلكتروني أو عدد مشاهدات عال في تطبيق برمجي. ما لذي نفعله للتحصن من كل هذا؟ نجد الإجابة بتفصيلات متشعبة ومتعددة في هذا الكتاب الراقي. كما يمكنك الاكتفاء إلى حد كبير بالمراجعة التفصيلية أدنا. علما بأني فضّلت تقسيم الأفكار إلى نقاط منفصلة، لتسهيل الرجوع إليها، ولاستقلال مواضيعها.

ملاحظة: هناك معضلة واجهتها بوضوح خلال قراءة الكتاب بصيغته الإلكترونية عبر الحاسوب، وهي عدم وضوح الرسومات واللوحات التي فيه، بل إنها باهتة لدرجة لا تُظهر تفاصيلها، ولكن كان من الممكن تجاوز عن طريق البحث في المتصفح عنها وتأمل تفاصيلها وربطها بالكلام المشار عنها في الكتاب.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
ماجد الصالح خليفات
ماجد الصالح خليفات؛ كاتب أردني في الموضوعات الإنسانية والأدبية، وحاصل على درجة البكالوريوس في القانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.