أدب و تراث عروض كتب مقالات

قراءة في رواية موسم الهجرة الى الشمال

قراءة وعرض رواية موسم الهجرة الى الشمال
للكاتب السوداني الطيب صالح

بقلم م. حسام شلش – مصر

قبل البدء في قراءة (موسم الهجرة الى الشمال) وكالعادة الدائمة أحاول جمع المعلومات عما سأبدأ في قراءته وقد وجدت الرواية مصنفة كأفضل 100 عمل ادبى في القرن العشرين على مستوى الوطن العربي ورغم الآراء المتناقضة حول الرواية حيث التضارب الكبير خلال اراء النقاد والقراء المختلفة حول الرواية ومحاولة الكثير للوصول الى رسالتها ومضمونها والذي يسعى الكاتب (الطيب صالح) في مناقشته وبتالي قادني الحماس والفضول لتكوين رائ شخصي بخصوصها.

(موسم الهجرة الى الشمال) من أفضل الاعمال الأدبية الحقيقية والتي قراءتها حتى الان لما تناقشه في داخلها في العديد من القضايا والتي ما زلنا حتى يومنا الحالي نعانى منها كقضية اختلاف الهوية للأشخاص ما بين الشرق والغرب وكذلك طريقة تأثير المجتمع في الفرد والعكس مثل ما حدث مع بطل الرواية (مصطفى سعيد) وما حدث بداخله من تغييرات وتأثيرات تأثر بها في مجتمعه الإنجليزي رغم اصوله الشرقية السودانية.

في البداية تدور الرواية من خلال محورين رئيسين يتم من خلالهما مناقشة القضايا، فالمحور الأول يمثل الراوي وهو احد الشباب السوداني القادم من لندن بعد حصوله على الدكتوراه في الادب ليتم تعيينه في الحكومة السودانية والمحور الثاني يمثل بطل الرواية (مصطفى سعيد) المهاجر منذ بداية شبابه الى لندن لاستكمال دراسته وليعمل كمحاضر مرموق بأحد الجامعات الإنجليزية متبنيا الثقافة الغربية كشخص شرقي من دولة محتلة ثم يعود مرة أخرى الى بلده السودان بعد سنوات طويلة متخفيا وغير معلنا عن شخصيته الحقيقية ليستقر ويتزوج بداخل قرية راوي الرواية الى ان يقابل الراوي وتبدا الاحداث المختلفة ليكتشف كل من الراوي وبطل الرواية نقاط التشابه بينهم والقرارات المختلفة التي كان يتخذها كل منهم في رحلته بلندن وتأثيرها على مستقبله وطريقة تفكيره.

في وجهة نظري الشخصية للرواية وجهين، وجه سطحي يظهر للقارئ في صورة رواية عادية تعبر عن حياة احد الافراد في السودان حيث يسافر الى لندن في بعثة علمية ويعيش كزير نساء ماشيا خلف اشباع شهواته المدفونة ثم يتعرض لبعض المشكلات ويعود مرة أخرى الى بلده، لكن الجانب العميق يختلف تماما فالرواية تناقش العديد من القضايا الهامة الخاصة بحقبة الاحتلال الأجنبي في السودان وتأثيرها على بطل الرواية ( مصطفى سعيد) حيث يجد نفسه متفوق دراسيا وعلميا ويكون من أوائل الطلاب دخولا للمدرسة ثم انبهاره بحضارة الغرب وسفره الى لندن في بعثة علمية الى ان يكتشف انه مجرد ضحية للاستعمار وما هو الا وجهة للاستعمار الأجنبي لتحسين صورة المستعمر امام العالم حيث نجد بطل الرواية اصبح يتبنى لا إراديا قضايا الغرب بل واصبح مدافعا عنها ويدرك ان اهتمام الاحتلال بالتعليم في تلك الفترة ما هو الا ساتر كما قال كاتب الرواية “وقد انشأوا المدارس ليعلمونا كيف نقول (نعم) بلغتهم” مما يوضح الاختلاف الفكري داخل بطل الرواية .

أيضا يوضح الكاتب بعض العادات المنتشرة في الريف في ذلك الوقت كالزواج والافراح وطرق التعامل في الازمات واهتمام حكومة الدولة بالمدن الكبيرة فقط وعدم اهتمامها بالقرى الريفية الصغيرة بدليل تعيين كل الافراد أصحاب التعليم المرموق في الحكومة بالعاصمة.

أعجبتني جدا نهاية الرواية وموقف الراوي بعد خروجه من غرفة (مصطفى سعيد) والاطلاع على بعض كتبه ومذكراته ومعرفة حقيقته وطريقة تفكيره وما تعرض له بالخارج وأدى لرجوعه الى السودان وطريقة تغيير تفكير الراوي في النهاية من خلال قول الكاتب جملة “طوال حياتي لم اختر ولم اقرر، اننى اقرر الان اننى اختار الحياة” وبإمعان التفكير نجد انها ليست مجرد جملة بسيطة ولكنها جملة تلخص الرواية كاملة ذو دلالة عميقة.

محور الشخصيات في الرواية أكثر من رائع من حيث التشبيهات وتصوير ما يدور بداخل كل شخصية باستخدام الكثير من الاستعارات للتوضيح وشرح الحالة النفسية التي مرت بها كل شخصية وطريقة تكوينها وكيف وصلت الى مرحلتها النهائية في الرواية، جميعها أساليب اتقنها الكاتب لتوضيح الشخصيات وشرحها.

أعتقد ان الادب السوداني بشكل عام سيكون أحد أفضل أنواع الادب لي كقارئ فحتى الان لا توجد تجارب سيئة لهذا الادب الممتع وخاصة أسلوب الكتابة الذي يتميز به ادباء تلك البقعة الجنوبية واتلى لم نعرف عنها الكثير حتى الان لعدم تسليط الضوء الكافي عليها.

يعيب الرواية بوجهة نظري عدم السلالة في الانتقال بالزمن والاحداث فتارة يتكلم الراوي وفجاءة يتدخل بطل الرواية ثم نعود الى الماضي وفجاءة الى الحاضر مما أدى لتشتيت تركيزي في بعض الفصول ولكنها لم تؤثر على إجمالي فكرة الرواية بدرجة مؤثرة او ملحوظة.

الرواية أكثر من رائعة وصاحبة إيقاع بديع وهادئ وانصح بقراءتها بتركيز.

ملحوظة: في النهاية تفسيري للكتاب كان من وجهة نظري الشخصية فقط.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
حسام شلش
مهندس مصري، كاتب ومهتم بتقديم عروض الكتب والروايات.. حائز على المرتبة الثانية على مستوى الجمهورية في مسابقة “اقرا ودون” من وزارة الشباب والرياضة المصرية لعام 2020م.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.