اجتماع مختارات مقالات

تزويج القاصرات “بيدوفيليا ” تحت الظل

لماذا يجب محاربة تزويج القاصرات في البلدان العربية؟ 

بقلم/ إبتسام هيشر – المغرب

أخصائية في العلوم السجنية والعلاج النفسي السلوكي وباحثة في السوسيولوجيا.

رغم إنخراط المغرب في مشروع محاربة زواج القاصرات كباقي الدول النامية، إلا أن هذه الممارسات ما زالت تشهد تناميا مستمراً لاسيما في دولة المغرب، مواصلين اغتصاب الطفولة والبراءة وقتل الأفق المستقبلي لها، غير آبهين بخطورة ما سيترتب عن هذه الظاهرة من مآسي إجتماعية وعواقب جسدية ونفسية للقاصر.

رغم التقدم الملحوظ للقانون المغربي بشأن تجريم تزويج القاصرات إلا أننا مازلنا اليوم نسمع عن حالات هنا وهناك لزواج القاصرات. وحسب رأي استشاري للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الصادرحول زواج القاصرات الصادر بتاريخ 18 يوليو 2019م، فيقدر العدد السنوي لزواج القاصرات في العالم بحوالي 14,2 مليون، وحسبب منظمة إنقاذ الطفل ((save the children الدولية؛ فإنه خلال كل 7 ثواني تُرغم فتاة تبلغ أقل من 15 سنة على الزواج، وفي المغرب سجلت وزارة العدل خلال عام 2018 نحو 32,104 طلبات زواج مقابل 30,312 طلبا في 2016، وخلال الفترة ما بين 2011 و 2018م؛ حصلت 85 في المائة من طلبات الزواج على الموافقة الحكومية.

هذه الاحصائيات تشير إلى أن الظاهرة ما زالت في ارتفاع مستمر، وهذه الأرقام لا تأخد بعين الإعتبار الزواج غير الموثَّق شرعيا ” زواج الفاتحة “، بالإضافة إلى أن التعديل في مدونة الأسرة الذي أصبح يجرم تزويج الفتيات قبل سن 18 سنة، لم يسهم في الحد من هذه الظاهرة بل ساعد في تزايد الطلب على زواج “الفاتحة” وكذلك زواج “الكونطرا”، الذي يدخل في إطار الاتجار في البشر والذي يتم بواسطة عقود مبرمة بين رجال يعيشون غالبا في الخارج وأولياء الفتيات القاصرات مقابل الحصول على مبالغ مالية.

من الواضح أن تنامي هذه الظاهرة اليوم قد دفع للاعتقاد بأن الأمر تخطى مستوى الظاهرة وأصبح يشكل ثقافة مجتمعية مترسخة داخل أوساط عدة ولا سيما في المناطق القروية، والتي ظلت تفتقد منذ عقود لبرامج سوسيوإقتصادية تنموية تمكن أولياء الفتيات القاصرات من ضمان مستقبل أفضل لبناتهم وحمايتهم من الوقوع في براثين الضياع، وعلاقات لا ينتج عن غالبيتها سوى اضطرابات نفسية ومآسي اجتماعية.

الزواج المبكر وحقوق الانسان

تنص المادة 16 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان على أن للرجل والمرأة اذا بلغا سن البلوغ حق الزواج وتكوين أسرة دون أي قيد بسبب العرف أو الجنسية أو الدين، ولا يُعقد الزواج إلا برضى الطرفين المزمع زواجهما رضاءً كاملاً لا اكراه فيه، وبالتالي فإن زواج القاصرات هو بمثابة زواج قسري.

ويجب التأكيد على أن الزواج المبكر يشكل إنتهاكا لحقوق الانسان وفق مقررات الأمم المتحدة.

زواج القاصرة يكرس البيدوفيليا

يبرر البعض لجوءهم لتزويج بناتهم القاصرات هرباً من الفقر والعوز، ولكن ليس ثمَّة مبرر للجوء بعض الرجال للزواج من طفلات قاصرات سوى ميولاتهم المنحرفة التي تجسد الكبت الجنسي الذي لا يختلف عن البيدوفيليا (اشتهاء جماع الأطفال أو التحرش الجنسي بالأطفال) في سياقه العام، بحيث يعتبرون أن الجسد الأصلح لممارسة المتعة الجنسية هو الجسد الصغير الطري الذي لا يرى فيه البعض سوى وعاء لتفريغ الكبت، حيث لا تستطيع الطفلة أن تقول كلمة “لا” و في بعض الأحيان لا تستطيع التمييز بين العلاقة الجنسية الطبيعية والشاذة.

ويستغل بعض الأزواج الكبار غياب الوعي لدى القاصرات في استغلال أرحامهن الشابة إنجاب الأطفال، غير آخذين بعين الاعتبار البنية الجسدية والحالة النفسية للطفلة التي غالبا ما تتعرض لبعض المشكلات الصحية الناتجة عن ممارسة الجنس معها قبل اكتمال نضجها الجنسي أو عدم ملائمة أعضاءها الجنسية للزوج، مثل: تمزق في المهبل وانهيار جدار الرحم الذي يسبب في بعض الحالات سراطانات تهدد صحة الطفلة، وقد تجد نفسها فجأة دون استعداد أو تهيئ في مواجهة الأمومة ومايترتب عنها من مسؤوليات.

تأثير فارق السن بين الأزواج على جودة العلاقة الجنسية

يطرح موضوع فارق السن بين الأزواج اشكاليات كثيرة أهمها: غياب جودة العلاقة الجنسية التي قد تظهر في الأيام الأولى للزواج، حيث إن الزوجة قاصر وطفلة كان من المفترض أن تلعب في الشارع أو البيت مع رفيقاتها أو تمارس بعض الأعمال الخفيفة مثل ممارسة الرياضة أو القراءوة أو الموسيقى.

في حين أنَّ الزوج مشغول بالتفكير في كيفية تفريغ المخزون المنوي لديه خلال فترة قصيرة دون مراعاة الحاجات الجنسية لزوجته القاصر، فنجده يخفف ملامساته ومداعباته لأبعد الحدود، وقد لا يداعب، علماً بأن زوجته الصغيرة تحتاج إلى الكثير من المداعبات ولمدة أطول في العلاقة الحميمية للوصول إلى الإثارة ولكي تستطيع الشعور بالراحة النفسية والجسدية خلال الممارسة الجنسية.

وتذكر الكثير من الفتيات أنهن يشتهين الملامسة والمداعبات والإطالة في الممارسة الجنسية أو تغيير الوضعيات التي تساعد في الوصول الى الرعشة الجنسية “الأورغازم”، في حين يبتعد الزوج الأكبر سنا عن تطلعات زوجته الشابة ويكتفي بالممارسات الجنسية التقليدية إن وجدت.

وفضلاً عمَّا سبق؛ هناك مشكلات أخرى قد تظهر خلال الممارسات الجنسية نتيجة الزواج غير المتكافئ مثل سرعة القذف لدى الزوج الكبير عُمراً، فالمرأة تكره العيش مع زوج بعمرها في حال كان يعاني من سرعة القذف فما بالك بعجوز لديه سرعة القذف وضعف انتصاب وقلة ممارسة جنسية قد لا تصل إلى مرة واحدة أسبوعياً، هذا إن لم يكن مصابا بأمراض مزمنة كالتهاب البروستات أو إرتفاع ضغط الدم أو السكري أو أمراض القلب وتضخم الشرايين وأمراض العظام والمفاصل.

ما سبق من أمراض يحد من مقدرة الزوج على ممارسة الجنس مع زوجته، وهو أمر قد يجبره على الابتعاد عن تناول المنشطات الجنسية مثل “الفياجرا” لأنها تزيد من سرعة دقات القلب وقوة تدفق الدم، فيلجأ لأستعمال الإبر التي تكلف مبالغ طائلة شهريا إذا توفرت له الامكانيات والسؤال هنا الى متى سيتعاطى هذه الحقن؟ وإلى متى ستظل العلاقة على هذه الحالة؟

الحالات في الأعلى تسبب أزمات أو صدمات نفسية عند الزوجة، وذلك باعتبار أنها تعيش مرحلة الشباب ذات العنفوان الجنسي، وأنها بحاجة إلى الاشباع الجنسي بعدما تحولت من عذراء إلى زوجة، كما أنَّها صاحبة حاجة تتناسب مع عمرها هي وليس مع عمر زوجها كبير السن، وهو ما يدفع البعض منهن لممارسة العادة السرية بشكل قد يسبب لها العديد من الأمراض مثل التهابات الجهاز التناسلي أو قد يدفعها ذلك الى البحث عن شريك جنسي آخر يعوضها النقص والحرمان ويحقق لها خيالاتها الجنسية.

زواج القاصرات و العنف الأسري

يُعتبر مستوى الانسجام والتقارب الفكري بين الأزواج أحد أهم الاشكالات التي يطرحها فارق السن بين الازواج، حيث يعمل عدم الانسجام والتوافق الفكري بين الزوج والزوجة إلى زيادة احتمالات العنف الاسري. حيث يلجأ الزوج الكبير إلى محاولات تأديب زوجته الصغيرة بعقليته القديمة ودون مراعاة لمتطلبات هذه الزوجة، والحقيقة أنه لا يحاول تأديبها بقدر ما يحاول قتلها وهي على قيد الحياة، فيقوم بتحويلها من زوجة إلى خادمة أو آلة تسمع وتطيع دون أن تناقش.

يتبجح بعض الازواج بالقول بأنهم يريدون الزواج من فتاة قاصر حتى يقوموا بتربيتها او إعادة تشكيلها على يديهم مثل  قطعة العجين، وهو أمر يساهم في إرتفاع نسبة الطلاق والتفكك الأسري وتشرد الأطفال، وقد يدفع مستقبلاً إلى انتشار ظواهر سلبية مختلفة في المجمع مثل ظاهرة الميمات في المغرب أو زنا المحارم في بعض الدول العربية.

أخيراً؛

من الواضح أن ظاهرة الزواج من القاصرات معقدة جداً، لكن الحد منها يستدعي الإهتمام بالفئات المهمشة والعمل وفق خطط تنموية جديدة تركز على المجالات الحية وتأخذ بعين الإعتبار التفاوتات المجالية، خاصة وأننا اليوم بحاجة كبيرة لإعادة الإعتبار للإنسان المهمش والمنسي الذي تملَّكه اليأس.

ولعلني في هذه اللحظات أود أسأل الآباء والأمهات: كيف يكون شعوركم لو أخبركم أحد الجيران أن إبنتكم القاصر تعمل خادمة عند شخص يسمى زوجها، ويتم إغتصابها رغماً عنها تحت مسمى حق الزوج الذي يكبرها بسنوات عديدة، فتُصاب بإكتئاب كلما شاهدته مجرداً من ملابسه بشكله غير اللطيف؟

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
ابتسام هيشر
ا. ابتسام هيشر - المغرب؛ أخصائية في العلوم السجنية والعلاج النفسي السلوكي وباحثة في السوسيولوجيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.