أدب و تراث مختارات مقالات

ما بين إرنست همنجواي والحاج أبو شوقي أبو لبدة

العجوز والبحر
ما بين إرنست همنجواي والحاج أبوشوقي أبولبدة

 

بقلم/ د. جهاد حماد – فلسطين

في عام 1987 بيع البيت المقابل لبيتنا في حي البرازيل في مدينة رفح لعائلة المدهون من خانيونس والذين قاموا بدورهم بتحويله إلى مصنع خياطة كبير

ووبعد فترة قصيرة بدأت برؤية رجل عجوز نحيل الجسم لكن خفيف الحركة يجلس كثيرا على باب المصنع.

كان أبي رحمه الله أول من افتتح مكتبة لبيع الكتب والقرطاسية في حي البرازيل.

وتعاقب اخواني الأكبر مني عماد وإياد في الجلوس في المكتبة وما أن وصلت للصف الرابع الابتدائي عام 1985 حتى سلمني اخوتي المكتبة وانطلقوا هم للعب في حي البرازيل وخارجه.

وكان من المعتاد أن أجلس على الكرسي الصغير أمام باب المكتبة أو على جدران البيوت المحيطة بها عندما تدور الشمس الحارقة باتجاه باب المكتبة.

وبسرعة تعرفت على الحاج أبو شوقي أبولبدة الذي اكتشفت أنه الحارس الجديد لمصنع الخياطة.

كان أبوشوقي قد تجاوز السبعين من عمره لكنه مازال يتمتع بخفة الحركة وروح مرحة إلى أبعد حد. والأهم من ذلك أنه عاشق للقراءة والمطالعة مثلي.

وكان كثيرا ما يجلس أبو شوقي مع أبي وأصدقائه المدرسين أمام باب المكتبة التي كانت وقتها واحدة من المجالس الثقافية والاجتماعية المهمة في حي البرازيل. وتوطدت العلاقة كثيرا بيننا وبين هذا العجوز المرح والمتحدث اللبق.

كان كثيرا ما يأتي إلى المكتبة ليأخذ مني جميع القصص والروايات المتاحة وحتى لو كانت سلاسل المغامرات المصرية الشهيرة الموجهة للشباب والفتيان مثل “تختخ والمغامرون الخمسة” أو “رجل المستحيل أدهم صبري” .

حدثنا أبوشوقي أبو شوقي كثيرا عن قصص تجنيده الإجباري في الجيش الإنجليزي في الحرب العالمية الثانية وطوافه مع سفن البحرية الانجليزية البحار والموانئ حتى وصوله إلى ميناء ليفربول الانجليزي.

ولربما كان ذلك العجوز النحيل هو أول انسان اقابله في حياتي الذي استطاع العبور إلى ماوراء البحار حتى الشواطئ الانجليزية البعيدة لذلك كانت تشدني قصصه المسلية واسلوبه المرح كثيرا.

وعند دخوله المكتبة ذات يوم كان أخي عماد قد أحضر شريطا جديدا لمطرب مغمور اسمه علي حميدة يغني بطريقة عير مألوفة اغنية جديدة عنوانها “لولاكي”

فقال لنا ابو شوقي مستنكرا “شو الهبل هذا ؟”

فرد عليه اخي عماد ضاحكا

“هذا معمر القذافي بيغني يا ابو شوقي” وذلك للشبه بين ذلك المطرب المصري الذي ينحدر من أصول ليبية والزعيم القذافي.

ولم نكن ندري وقتها أن هذه الأغنية الجديدة بهذه الألحان الغريبة ستكون نقطة فاصلة في تاريخ الفن العربي وانقلاب على مرحلة أم كلثوم وعبدالوهاب تمهيدا لظهور موسيقي عرفت وقتها بالموسيقى الشبايبة والتي مرت بمراحل متقلبة عديدة حتى وصلت إلى حمو بيكا وشاكوش.

ذات يوم أحضر أخي عماد الرواية الشهيرة “لمن تقرع الأجراس” للكاتب الشهير الحائز على جائزة نوبل إرنست همنجواي وبعد أن قرأتها أعطيتها لأبو شوقي لكي يقرأها.

ولم تشدني الرواية أبدا ولم أكملها ولم تعجب أبو شوقي أيضا الذي شن هجوما قاسيا عليها رغم الشهرة العالمية الطاغية للؤلف.

هناك روايات عالمية كثيرة لم تعجبني عندما قرأتها في المرحلة الابتدائية والاعدادية لكنها عادت لتشدني كثيرا بعد ذلك.

ولكن عندما أعدت قراءة روايات أرنست همنجواي سواء طالبا أو دكتور في الجامعة لم تعجبني أيضا ولم يتغير حكمي علها الذي شاركني فيه أبو شوقي قبل أكثر من ثلاثين عاما.

الرواية الوحيدة التي شدتني لإرنست همنجواي كانت “العجوز والبحر”.

ومات العجوز الفلسطيني أبو شوقي قبل حوالي عشرين عاما وكبر الطفل الفضولي الجالس على باب المكتبة وعبر البحار مرات عديدة واستقر به المقام لسنوات طويلة في بريطانيا حتي أصبح يعرف شواع لندن عن ظهر قلب أكثر من معرفته بشوارع مدينته الصغيرة رفح.

رحم الله ابوشوقي ورحم الله أيامه.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.