سياسة مختارات

هل بدأ اليسار السوداني يغير نظرته للاستعمار

هل بدأ اليسار السوداني يغير نظرته للاستعمار

بقلم/ عبد الرحمن عبد الله – السودان 

في مرحلة ما بعد الاستعمار post-colonialism، ظهرت في افريقا و امريكا اللاتينية/الكاريبي حركة ال Pan-Africanism والتي جندت في صفها عددا من المفكرين والأكاديميين من ذوي الأصول الأفريقية. استطاعت الحركة ان تقدم طرحًا موضوعيًا لكمية ونوعية المظالم التي لحقت بالشعوب الأفريقية من قبل المستعمر الأوروبي. الجامعات الأمريكية بدورها احتوت عددا من هؤلاء المفكرين ووفرت لهم فرص الدراسة والبحث في ارقى الجامعات الامريكية مثل هارفارد، ييل، كولومبيا،….

الملاحظ ان الفكر اليساري كان يغلب على مفكري الحركة؛ يتساوى في ذلك المسيحيين منهم والمسلمين. لكن يحمد لهذه النخبة انها كانت معتزة بافريقانيتها وهو ما مكنها من التحرر من روح التبعية للمستعمر الأوروبي. اليسار السوداني لم يكن بعيدًا عن افكار ال Pan-AfroAmericanism؛ ودونكم الأستاذة فاطمة احمد ابراهيم (رحمها الله وأحسن اليها) عضو الحزب الشيوعي السوداني؛ والتي كانت تعي تماما التشوهات التي خلقها المستعمر، وقد ذكرت بعضا من هذه التشوهات في الشريط الشهير المسرب لها وهي تخاطب عددًا من كوادر حزبها، والذي هاجمت فيه الرأسمالية العالمية ومحاولتها تقديم المرأة وكأنها سلعة استهلاكية تحت دعاوى “التحرر والحرية”.

لكن الملاحظ ان النسخة الحديثة من اليسار السوداني والتي تتحكم في مفاصل الحكم في سودان ما بعد الثورة تخلت عن تلك الادبيات. ففي خطابه الشهير امام المركز الأطلسي للدراسات في واشنطون The Atlantic Council، ذكر رئيس الوزراء السوداني الدكتور عبدالله حمدوك (والمنتمي تاريخيا للحزب الشيوعي السوداني) ان الاستعمار الإنجليزي خلق في السودان مؤسسات فاعلة ودولة عظيمة، لكن الحكومات الوطنية فشلت في الحفاظ على تلك المؤسسات وهدمت البناء العظيم الذي استلمته من الإنجليز. قد يكون الدكتور محقًا في بعض ما ذهب اليه؛ لكنه لسبب ما اخفى باقي الحقيقة؛ فقد صمت عن ذكر التشوهات السياسية والاجتماعية التي خلقها المستعمر، والتي ظلت تلازم الدولة السودانية في مرحلة ما بعد الاستقلال. لقد كان أمرًا محزنًا ان يرسل رئيس حكومة الثوار من واشنطون رسالة مفادها (أعيدوا لنا الاستعمار؛ فقد فشلنا في حكم بلادنا). لا يمكن الفصل بين روح الخضوع هذه وبين قرار الدكتور حمدوك المضي قدمًا في دفع تعويضات ضحايا المدمرة كول، في وقت رفض فيه القضاء الأمريكي عددا من الدعاوى المرفوعة ضد السودان.

لابد لنا هنا من عمل بعض المقاربات بين موقف الدكتور حمدوك و مواقف اسلافه من السياسيين السودانيين. فالسيد الصادق المهدي (آخر رئيس وزراء منتخب)، ظل يحلل الواقع السوداني بحنكة وخبرة ، مشيرا الى الدور السلبي لسياسات المستعمر في تقويض الوحدة الوطنية. اما الدكتور الترابي (رحمة الله عليه) فقد قدم خطابين شهيرين في زيارته الأخيرة لواشنطن؛ احداهما امام الكونغرس والأخر في جامعة هارفارد. قدم فيهما سردًا تاريخيًا لقضايا البلاد، وكيف ساهمت سياسات الإنجليز في خلق الواقع المأزوم الذي تعيشه البلاد.

لاشك عندي ان اليسار السوداني لايزال يذخر بالكوادر الوطنية المؤهلة والمحنكة؛ فينبغي على هذه الكوادر الإحاطة برئيس الوزراء ووضع الخطوط التفصيلية لخطابه السياسي. فالكوادر الفطيرة التي ظهرت على السطح (من أمثال وزير العدل، وزير الأوقاف، وزير الدولة للخارجية، ووكيل الإعلام) ليست مؤهلة لتقديم النصح والمشاركة بالرأي.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
عبدالرحمن عبدالله
كاتب وباحث سوداني مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، ومتخصص في قضايا السياسة والاقتصاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.