أدب و تراث عروض كتب مختارات مقالات

عرض رواية شيكاجو للأسواني

سلسلة كتب تقرؤنا
رواية شيكاجو للروائي علاء الأسواني

بقلم أ. محمد عبد العاطي – مصر

تحكي رواية شيكاجو للأديب علاء الأسواني (1957-…..) قصة مجموعة من المبتَعَثين المصريين لدراسة الطب بجامعة إلينوي بولاية شيكاغو الأمريكية، وتستعرض حياة أساتذة طب وجراحة مصريين يحملون الجنسية الأمريكية ويعملون هناك منذ سنين، فتقدم للقارئ نماذج من شخصيات مختلفة تُعطي في مجموعها لمحة عن الشخصية المصرية لدى هذه الشريحة وما أصابها في الخمسين عامًا الأخيرة من تشوهات فكرية ونفسية.

تنقسم الرواية إلى أربعين فصلًا مُرقَّمًا، وتسير هذه الفصول جميعًا سيرًا متوازيًا، فنتعرف في الفصول الأولى على “ناجي عبد الصمد”، الثوري الذي حُرِمَ التعيين بالجامعة بسبب نشاطه السياسي فذهب لدراسة علم الأنسجة والخلايا (الهيستولوجي) في ألينوي، و”كرم دوس”، أستاذ الجراحة المسيحي الذي اضطهده زملاؤه المسلمون في قسم الجراحة بجامعة عين شمس، وحالوا دون استكماله للماجستير بسبب تعصبهم الديني، فاضطر للهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك حصل على الماجستير والدكتوراه، وتدرَّب على يد أشهر الجراحين، حتى أصبح رائدًا في جراحة القلب، وناشطًا بين أقباط المهجر.

و”شيماء محمدي”، ابنة مدير المدرسة الثانوية الذي ربَّاها على القيم وحب التفوق، والتي فازت ببعثة لدراسة علم الأنسجة في ألينوي، فذهبت بمفردها بعد جهد كبير بذلته في إقناع أمها التي كانت تخشى عليها الغربة. و”محمد صلاح”، أستاذ علم الأنسجة بألينوي، الذي هاجر قبل ثلاثين عامًا وتزوج عاملة بار ليحصل على الجنسية سريعًا، وأنجب منها ابنته سارة التي وقعت في حب شاب مدمن عاطل فأدمنت مثله وتركت المنزل وذهبت معه للعيش في أحد الأحياء الفقيرة التي يقطنها الزنوج والتي تنتشر فيها الجريمة والمخدرات. و”محمد دنانه”، رئيس الطلاب المبتعثين بشيكاغو، الذي يدرس في ذات الجامعة ويعمل في الوقت نفسه مرشدًا للأمن المصري، فيتجسس على أعضاء البعثة، ويقدم تقاريره لضابط المخابرات بالسفارة “صفوت شاكر”، الذي تُصوره الرواية بصورة الإنسان السادي، الشهواني، الذي يتلذذ بتعذيب ضحاياه، وتهديدهم باغتصاب زوجاتهم وأمهاتهم لانتزاع الاعترافات منهم. ومجموعة أخرى من الأساتذة الأمريكان أبرزهم “كارول”، الثوري القديم، الذي يعتبر الأديان اختراعًا بشريًّا، والذي تزوج على كِبَرٍ من أمريكية من جذور إفريقية بعد أن هرب زوجها تاركًا ابنه.

الرواية، كما نرى، حافلة بالشخصيات، ولكلٍّ منها قصة مستقلة، يستعرضها المؤلف مجزَّأة على فصول، ثم تتجمع الخيوط وتصل القصص لنهاياتها بنهاية الرواية. الدكتور دنانه يُطلِّقُ زوجته، ابنة التاجر الغني، وتعود للقاهرة بعد أن خبرت دناءته وطمعه في مال أبيها ووشايته بزملائه وعدم غيرته على عِرْضِه رغم ادعاء التدين. وسارة، ابنة الدكتور محمد صلاح، تموت بعد أن دهستها سيارة وهي مخمورة، وينتحر أبوها حزنًا عليها، وعلى سنواته التي أضاعها في المهجر ولم يجن منها السعادة المرجوَّة. وشيماء محمدي، بنت الأصول، خضعت لغواية زميلها، وعاشت معه عيشة الأزواج، فلمَّا حملت منه، وطلبت الزواج به، رفض بحجة انشغاله بالبعثة، فذهبت لإجهاض الجنين، وبعد العملية تُفاجأ بأنه واقف عند سريرها لا ندري حقيقة نواياه، وهل يريد مواصلة العلاقة أم تصحيح الخطأ. وناجي الذي أحب “وندي” اليهودية وعاش معها فترات من المتعة، نراه، يتخلى عنها عندما علم بأنها يهودية ثم يحاول الرجوع إليها فترفض.

وهكذا، تدور وقائع هذه الرواية الطويلة، التي تجاوزت 450 صفحة، والتي تميزت بتماسك الوقائع والأحداث، وتصاعدها بطريقة مثيرة وجذابة، وبمهارة المؤلف في رسم الشخصيات بأبعادها النفسية، ما جعلنا نتعرَّف بدقة على كل واحد منها كأننا نراه ونعايشه ونتوقع طريقة تفكيره وردود أفعاله، كما تميزت بهذا التأثير المتبادل بين البيئة وأبطال الرواية، والقدرة على تبيان أثر المتغيرات السياسية والثقافية على سلوكهم وأنماط تفكيرهم.

أما ما لم تتميز به وربما يكون مثلبة في بنائها فهو هذه المبالغة المفرطة في تصوير ضعف الإنسان أمام شهواته، خاصة الجنسية منها، واستسلامه لها دون وازع ديني أو رادع أخلاقي، لا يُستثنى من ذلك رجل أو امرأة ورد ذكره في الرواية، كما يتساءل القارئ عن القيمة الفنية لكل هذا الوصف الذي اشتملته لليالي المتعة، حتى غدت تلك المتع المُحرَّمة وكأنها هي الأصل بينما الحياة الطبيعية السويَّة هي الاستثناء.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.