عروض كتب مقالات

عرض كتاب قصة الحضارة – محمد النبي

سلسلة كتب تقرؤنا
كتاب ” قصة الحضارة – محمد النبي ” ل ” ول ديورانت “

بقلم أ. محمد عبد العاطي

قصة الحضارة، للمؤرخ الأمريكي، ول ديورانت (1885- 1981) كتاب ذائع الصيت؛ تُرجم إلى لغات عديدة. في هذا الكتاب أفرد قسمًا مهمًّا عن رسول الإسلام، محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم)، وعن دينه، وذلك باعتباره محطة بارزقصة الحضارة، للمؤرخ الأمريكي، ول ديورانت (1885- 1981) كتاب ذائع الصيت؛ تُرجم إلى لغات عديدة. في هذا الكتاب أفرد قسمًا مهمًّا عن رسول الإسلام، محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم)، وعن دينه، وذلك باعتباره محطة بارزة من محطات الحضارة الإنسانية، وبخاصة خلال القرون الوسطى، وتقديري أن قراءة هذا القسم مناسَبَة لأن نرى الإسلام منذ منشئه حتى اكتماله (بوفاة النبي) بعين غير العين التي اعتدنا النظر بها إليه؛ ولشد ما كانت النظرة مثيرة للـتأمل.

أول ما يستوقفك في هذا القسم من الكتاب هو منهج التناول، فديورانت -بثقافته الموسوعية وإفادته من تخصصات علمية مختلفة مثل علم الجغرافيا والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس- استطاع تقديم قراءة في الإسلام وتاريخه لا تخلو من جدة وعمق يستحقان التوقف عندهما.

قدَّم ديورانت تاريخ النبي محمد خصوصًا والدين الإسلامي والمسلمين الأوائل عمومًا في سياق بيئتهم الجغرافية وتأثيرها عليهم، فتحدث عن الموقع والمناخ وطبيعة الأرض وأنواع المحاصيل وأنماط النشاط البشري وطرق ووسائل المواصلات وبخاصة الخيل والإبل. كما نظر إلى محيطهم السياسي والقوى الإقليمية والدولية صاحبة النفوذ والتأثير كالرومان، والفرس، والغساسنة، والمناذرة. ونظر إليهم كذلك من خلال عاداتهم وتقاليدهم وقيمهم الاجتماعية السائدة ولاسيما دور القبيلة وموقع المرأة في المجتمع وتفضيل الذكور على الإناث. ونظر ديورانت كذلك من منظور التحليل النفسي لشخصية الإنسان العربي البدوي وذلك كله وهو يؤرخ للفترة المذكورة بادئًا من فترة ما قبل ميلاد النبي ثم ميلاده مرورًا بلحظة الوحي ومسيرته رسولًا نبيًّا وحاكمًا سياسيًّا وقائدًا عسكريًّا.

وخلاصة ما أراد ديورانت قوله، بحسب ما ورد في الكتاب: إنَّ مفتاح شخصية الإنسان العربي البدوي تكمن في كلمتي “الحب والحرب”، حب النساء بالمعني العذري حينًا وبالمعني الجنسي أحيانًا، وشن الحرب دفاعًا عن النفس وإغارةً على الآخرين من أجل الاستيلاء على ما في أيديهم ونهبه في إطار الصراع من أجل البقاء في هذه البيئة القاحلة. وهو شخصية انفعالية سريعة الغضب خاصة إذا تعلق الأمر بالشرف، كريم وبخيل، شجاع وجبان، شهم ونذل، متقلبٌ بين هذا ذاك.. كما أنه قصير القامة، صلب البنيان، يتميز بالقدرة على تحمل شظف العيش وقسوة الطبيعة.

وإن البيئة الدينية في شبه الجزيرة العربية كانت في ترقب للمهدي المنتظر نظرًا لشيوع هذه الفكرة مما ساعد على عدم الاندهاش حينما أخبرهم محمد (صلَّى الله عليه وسلَّم) بأنه هو النبي المنتظر، لكنهم طالبوه بمعجزة تثبت ادعاءه. والسبب الرئيس الذي حدا بقريش وزعمائها لمحاربة النبي والدعوة الجديدة لا يعود لأسباب دينية بقدر ما يعود لأسباب اقتصادية وسياسية واجتماعية. ويقول: إنَّ محمدًا النبي الفقير الضعيف استفاد من أموال خديجة وأبي بكر ومن مكانة ومهابة عمر وحمزة إلى أن قرر الهجرة إلى المدينة فرارًا بدينه وبحثًا عن قاعدة انطلاق جديدة لدعوته بعد أن ضاقت به مكة وجرَّب الحبشة، وأنه في المدينة قد أضيفت إلى شخصية محمد النبي الرسول أبعاد جديدة تتمثل في محمد الحاكم السياسي والقائد العسكري، واستعمل ذات الأدوات التي كانت معروفة في عصره لترتيب أمور الدولة الجديدة وتثبت أركانها في الداخل والخارج، فحل مشكلة صعوبة العيش المشترك بين القبائل والطوائف المختلفة في المدينة بتلك الوثيقة المنظمة للشأن العام والمسماة بوثيقة المدينة والتي بمقتضاها تحددت هوية الجماعة المؤمنة وحلفائها من اليهود وما لكل مكوّنٍ اجتماعي وديني وما عليهم، كما حل مشكلة الموارد المالية للدولة الوليدة بالإغارة على قوافل مكة كما هي عادة العرب آنذاك فشنَّ في ثلاثة عشر عامًا قضاها بالمدينة أكثر من 60 غزوة ومعركة وغارة ثلثها تقريبًا شارك فيها بنفسه مما أكسبه حنكة القائد وخبرة المحارب، وكان في حربه وسلمه، وفي تعامله مع أعدائه، يضع نصب عينيه تأمين هذه الدولة الوليدة، فكانت أحكام القتل وشن الحروب وعقد المعاهدات واستهداف أفراد بعينهم بقطع رؤوسهم تتم وفق هذا المنظور وتجد لها تبريرًا دينيًّا. كذلك كانت حالات الزواج والمصاهرة وتعدد الزوجات والفيء ومِلك اليمين والسراري تخضع لذات المعيار. كل ذلك بالطبع وفق رؤية ول ديورانت الخاصة به.

وتوفي النبي بعد أن فتح مكة التي خرج منها هاربًا متخفيًا قبل ثمانية أعوام، وبعد أن فرض سيطرته عليها وعلى أجزاء واسعة من شبه الجزيرة العربية، وبعد أن كثر أتباعه وبدأ الناس يدخلون في دينه أفواجًا، واستكمل المسيرة من بعده خلفاؤه.

هذه هي الأفكار الأساسية في هذا القسم من كتاب ول ديورانت الذي خصصه للنبي محمد ودينه. والحق أن الحكم عليه يحتاج إلى حديث مطول لكن ما يمكن قوله في عجالة أنه كتاب ثري في معلوماته التي بعضها تُقرأ لأول مرة، وثري في منهجه الذي مزج فيه أدوات الفلسفة وعلم النفس والأنثروبولوجيا والحضارة والتاريخ مزجًا فريدًا فجاءت قراءته جديدة ومثيرة وقادحة لزناد الفكر بشكل ربما لم يعتده القارئ المسلم من قبل، والأهم -أو إن شئت الدقة- فقل: والنتيجة المترتبة على ذلك أننا ربما لأول مرة نقرأ تاريخ النبي وتاريخ الإسلام من منظورٍ “موضوعي محايد” إلى حدٍّ كبير، وقد ساعد على تلك القراءة المهمة نزع القداسة عن أحداث تاريخية لها في قلوب المسلمين مكانة بينما هي عند مؤرخ كديورانت مجرد وقائع لها أسباب ومعطيات، أقدامها راسخة في الأرض، رغم كل ما يقال عن عيونها المحلقة في السماء.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.