مقالات موسوعة روافد بوست

قراءة تحليلية في عملية نبع السلام العسكرية

عملية نبع السلام العسكرية: قراءة تحليلية 

بقلم/ أحمد دلول

كان من المتوقع أن تتدخل تركيا عسكرياً في الأراضي السورية، وذلك بهدف الحفاظ على أمنها القومي في ضوء استمرار الثورة السورية وما خلَّفته من فوضى وفلتان أمني وتهجير للسكان السوريين إلى تركيا وتنامى قوة الميليشيات الكردية المسلحة في المنطقة الحدودية بين سوريا وتركيا، خاصة بعدما صرَّح الرئيس التركي في الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 24 سبتمبر بأنَّه “يعتزم القضاء على الهيكل الإرهابي للأكراد وإنشاء ممر للسلام”. وفي 9 أكتوبر 2019م أعلن الرئيس أردوغان عن بدء “عملية نبع السلام” العسكرية التركية شرق نهر الفرات على الحدود بين تركيا وسوريا.

أهداف العملية

لقد بدأ التجهيز للعملية العسكرية عندما أعلن الرئيس الأمريكي في ديسمبر 2018م عن سحب القوات الأمريكية البالغ عددها 2000 جندي من سوريا بعد هزيمة تنظيم داعش. وجاء تنفيذ العملية بهدف القضاء على خطر الإرهاب الموجه نحوها وتحديداً من حزب العمال الكردستاني، ووحدات حماية الشعب الكردية وقوات سوريا الديمقراطية وتنظيم داعش، وهي تنظيمات تصنفها تركيا على أنها إرهابية، وكذلك التخلص من النفوذ الإسرائيلي في مناطق الأكراد على الحدود بين تركيا وسوريا، وإيجاد منطقة آمنة على جزء من الحدود التركية السورية بمسافة 480 كم وبعمق 32 كم داخل الأراضي السورية، وإنشاء ممر للسلام بين البلدين، وإيجاد حزام ديموغرافي عربي على الحدود التركية – السورية بدلاً من الأكراد.

الأهداف سابقة الذكر جاءت تباعاً لسعي أردوغان إلى بناء 10 مناطق حيوية و140 قرية على الحدود السورية التركية، وذلك لإسكان ما لا يقل عن مليوني لاجئ سوري مقيم في تركيا، خاصة في ظل تزايد شكاوى المواطنين الأتراك من السوريين المقيمين في تركيا والذين زاد عددهم عن 3 مليون لاجئ.

الإنجازات التركية

لقد توقفت العملية العسكرية مؤقتا مع دخول الاتفاق التركي-الأمريكي حيز التنفيذ، ولا يعني ذلك أن العملية قد انتهت، حيث اتفق الطرفان على أن توقف تركيا النار خلال 120 ساعة خلال (17 -22 أكتوبر)، وقدَّم الرئيس الأمريكي الشكر لنظيره التركي، وذلك بعدما توترت العلاقة بين البلدين إثر تهديدات ترامب لتركيا ورسالته الموجهة إلى أردوغان. ولعل أهم ما في الأمر أنَّ أمريكا قد تخلَّت عن حليفها الكردي وتركه في مواجهة الآلة العسكرية التركية.

تمكَّنت تركيا من الدخول في العمق السوري نحو 35 كيلومتر، وقامت بالسيطرة على المنطقة الواقعة بين رأس العين وتل أبيض بطول يصل إلى 120 كيلومتر، وتمكنت من إنشاء جزء كبير نسبياً من المنطقة الآمنة (العازلة)، كما استطاعت تفادي العقوبات الاقتصادية التي فرضتها عليها الولايات المتحدة الأمريكية، وحققت تركيا إنجازاً سياسياً يتمثل في إبقائها ضمن أطراف الحل السياسي في سوريا.

وبجانب ما سبق؛ أدَّت هذه العملية لتقليص مساحة سيطرة الميليشيات الكردية المسلحة بعدما كانت قد وسَّعت نطاق سيطرتها العسكرية خلال السنوات الماضية في شمال سوريا وشرقها بمساعدة تحالف الولايات المتحدة ضد داعش. كما قضت العملية على كل المؤسسات التي شكلها الأكراد بالتعاون مع حلفائهم الأمريكان والإسرائيليين تمهيداً لإقامة دولة أو منطقة حكم ذاتي لهم على الحدود التركية السورية، خاصة في ظل أنَّ الأكراد كانوا الطرف الأكثر تحقيقاً للمكاسب جرَّاء الثورة في سوريا منذ 2011م، لذلك رأينا كيف أنَّ إيران والنظام السوري راضون إلى حدٍ كبيرٍ عن العملية العسكرية “نبع السلام”، ولا مشكلة لديهم في دخول الجيش التركي للأراضي السورية طالما أنَّ هذا التدخل يخلصهم من عدو قديم متجدد.

الموقف الدولي والعربي

بدت الولايات المتحدة مرتبكة في موقفها من العملية، حيث أعلن الجمهوريون والديمقراطيون وحلفاء ترامب رفضهم الكامل لتلك العملية، في حين اعتبرت الصحف الأمريكية أنَّ ترامب هو من أعطى تركيا الضوء الأخضر لتنفيذ العملية، ومهما يكن من أمر؛ أظهر الموقف الأمريكي تراجعاً واضحاً لنفوذ الولايات المتحدة في سوريا، وذلك بالتزامن مع تطبيق سياسات ترامب الرامية لإعادة التموضع في الشرق الأوسط.

أما الدول الأوروبية الأعضاء بمجلس الأمن فطالبت تركيا بوقف العملية إثر اجتماع طارئ ومغلق للمجلس، وبعدها بدت هذه الدول متخوفة جداً، لأنَّ أردوغان هدد بفتح أبواب أوروبا أمام ملايين اللاجئين في تركيا رداً على الانتقادات الأوروبية التي حاولت النيل من تركيا وليس وقوفاً مع الأكراد.

في حين وافقت موسكو على العملية، ولم تكن قلقة على مصالحها أو مصالح النظام السوري جرَّاء تنفيذ العملية، لأنَّ الروس هم أكبر المستفيدين من التدخل التركي، وذلك على اعتبار أنه يمكِّنها من التخلص من الأكراد وتنظيم داعش هناك، كما أن موسكو ما زالت مخولة برعاية أي حل سياسي ينهي الصراع في سوريا.

اعترضت الدول العربية على هذه العملية، وطالبت تركيا بالانسحاب، ودعت الجامعة العربية تركيا لوقف عملياتها العسكرية في سوريا. لقد اتفقت أغلب الدول العربية على إدانة العملية العسكرية في مشهد لم تحظَ به تطورات مدينة القدس، في حين تحفظت كل من قطر والصومال على البيان الختامي لاجتماع الجامعة العربية والقاضي بإدانة العملية، ورفضته ليبيا.

وحاول الجانب “الإسرائيلي” شيطنة تركيا. وكانت إسرائيل أكثر قلقاً من العملية العسكرية، وذلك لأنَّها ستفقد حليفاً قوياً وقادراً على إشغال تركيا في محيطها الجغرافي بعيداً عن التطلعات الإقليمية في الشرق الأوسط، خاصة وأنَّ تركيا هي أقدر على تحجيم نفوذ الأكراد من إيران التي لا تجمعها بالأكراد تاريخ أو ثقافة أو لغة أو حتى مذهب ديني.

وفي الأراضي الفلسطينية؛ رفضت السلطة الفلسطينية التعقيب على العملية، وأعربت الخارجية في رام الله عن تحفظ فلسطين على التعليق على العملية العسكرية التركية. وأصدرت حماس بياناً صحفياً أيدت فيه حق تركيا في حماية حدودها والدفاع عن نفسها، وأكَّدت على وحدة الأراضي السورية. في حين اعترض 13 فصيل فلسطيني في بيانين صحفيين، على العملية بشكلٍ كاد أن يسهم في طرد الفلسطينيين من تركيا.

أخيراً؛

خاضت تركيا عملية “نبع السلام” بتقديرات سياسية وأمنية صحيحة، وحققت أهدافاً مختلفة خلال أيام معدودة، وتمكَّنت من تقويض نفوذ الأكراد في الشمال السوري، وكانت “إسرائيل” والعرب هم الخاسر الأكبر من هذا التدخل، خاصة وأنَّ “إسرائيل” تقدم الدعم المتواصل للأكراد، لأنَّها تدرك أنَّه كلما كانت تركيا مستقرة كلما تقدَّم نفوذها على حساب “إسرائيل” في الشرق الأوسط وكانت أكثر استغناءً عن إسرائيل، وبالتالي؛ أصبحت إسرائيل بحاجة لها أكثر من حاجة تركيا لإسرائيل.

ويُحسب لحماس والسلطة الفلسطينية وقوفهم على الحياد أو عدم اعتراضهم على العملية العسكرية، وهو أمر يساعدهم في وقوف تركيا إلى جانبهم في المحافل الدولية. وهناك من يتوقع أن تتحسن العلاقات التركية – الإسرائيلية لصالح تركيا، وقد يستفيد الفلسطينيون من هذا التحسن، خاصة فيما يتعلق بتغيير شكل التعامل الإسرائيلي مع غزة المحاصرة منذ سنوات. وتجدر الإشارة إلى أنَّ اعتراض الفصائل الفلسطينية على العملية التركية قد انعكس سلباً على الموقف التركي من الفلسطينيين المقيمين في تركيا، حيث كاد مشهد طرد الفلسطينيين من الكويت أن يتكرر لولا بيان حماس المؤيد للعملية.

ومن المتوقع أنَّ يقود الموقفان الإيراني والروسي من العملية إلى تشكيل وسيط يعمل على تقريب وجهات النظر بين سوريا وتركيا؛ إلى أن تنتهي الخلافات بين البلدين بشكلٍ تدريجيٍ، خاصة وأنَّهما التقيا على ضرورة تقويض التمدد الكردي، وهذا الأمر سيجري الحديث فيه خلال لقاء أردوغان-بوتين في سوتشي يوم 22 أكتوبر الجاري، حيث يتوقف نجاح العملية على مدى التوافق التركي الروسي، لأنَّ ذلك سيعطي تركيا الضوء الأخضر الروسي لاستكمال العملية، خاصة وأنَّ الموقف الروسي في سوريا يعتبر أقوى من موقف الرئيس الأمريكي المتذبذب.

اقرأ المزيد:

قراءة تحليلية في عملية نبع السلام العسكرية

بنود اتفاق وقف إطلاق النار الـ 13 في شمال سوريا

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
احمد دلول
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.