سياسة مختارات مقالات

العلاقات الصينية الفلسطينية أثناء وبعد كورونا

مدى استفادة السلطة الوطنية الفلسطينية من التجربة الصينية في جائحة أزمة كورونا

بقلم/ رزان السعافين

هنئ الرئيس الصيني شي جين بينغ الرئيس محمود عباس في الذكرى الثلاثين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين وفلسطين، وأكد على أن الصين تدعم دائما القضية العادلة للشعب الفلسطيني لاستعادة حقوقه الوطنية المشروعة وتدعم بقوة إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة على أساس حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وهذا يعزز ويؤكد موقف الصين الثابت تجاه القضية الفلسطينية وكما تبذل الجهود الواضحة في دفع حل للقضية، حيث تشارك باعتبارها عضوا دائما في مجلس الأمن الدولي في التنسيق مع المجتمع الدولي لتسوية القضية، وتدعو دوما إلى حل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي عبر المفاوضات السلمية وإلى التزام الأطراف ذات الصلة الحفاظ على الهدوء وضبط النفس، وبهذا، تساهم الصين في إيجاد حل شامل للقضية الفلسطينية.

وعلى مدار ثلاثين عاما منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين وفلسطين، ساعدت الصين فلسطين على إنجاز أكثر من 40 مشروعا وتدريب 4500 من الأكفاء في شتى المجالات. وعلى أساس الإنجازات المثمرة بين البلدين، ضخت مبادرة الحزام والطريق التي طرحتها الصين قوة دفع جديدة لتعزيز العلاقات الصينية الفلسطينية.

علاوة على ذلك، قام نائب الرئيس الصيني وانغ تشي شان بزيارة إلى فلسطين في أكتوبر الماضي، حيث تعهد بأن تعمل الصين على تعزيز التعاون العملي المتكامل مع فلسطين في هذا الإطار بما يخدم المصالح المشتركة للشعبين. وخلال زيارة نائب الرئيس الصيني وانغ تشي شان، شهد الجانبان توقيع مذكرة تفاهم بشأن بدء محادثات التجارة الحرة بين الصين وفلسطين، وهو ما يسهم في الارتقاء بالتعاون البراغماتي الثنائي في إطار “الحزام والطريق” إلى مستوى جديد.

تطور العلاقات الصينية الفلسطينية

تعود بداية تاريخ العلاقات الثنائية بين جمهورية الصين الشعبية ودولة فلسطين إلى عهد الرئيس “ماوتسي تونغ”، دعمت سياسة ماو الخارجية حركات التحرر الوطني في العالم الثالث. حيث كانت الصين أولى الدول غير العربية التي اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية، ورفضت في الوقت نفسه الاعتراف بإسرائيل، رغم اعتراف الأخيرة بها وهكذا فمنذ الأيام الأولى لانتصار الثورة الاشتراكية في الصين دشنت هذه الثورة وجمهوريتها الوليدة علاقاتها القوية بالقضية الفلسطينية وبالصراع العربي – الإسرائيلي، على نحو مبدئي، إذ صفعت الصين الشعبية الباب في وجه إسرائيل التي سارعت إلى الاعتراف بالصين الشعبية.

يمكن القول إن مؤتمر “باوندونغ” عام 1955، شكل بداية الانفتاح الصيني على القضية الفلسطينية، من خلال انفتاحها التدريجي على العالم العربي، بعد اللقاء التاريخي الذي جمع بين الرئيس المصري الراحل “جمال عبد الناصر” ورئيس وزراء الصين آنذاك “شوآن لاي”.
أصبحت الصين هي الدولة الكبرى التي لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل خلال هذه المرحلة. حيث بدأت الصين الكفاح الفلسطيني المسلح، على أساس أنه جزء من حركة الثورة العالمية الهادفة إلى إضعاف الاستعمار العالمي، الذي تتزعمه الولايات المتحدة.

كانت الصين أول دولة أجنبية توجه دعوة رسمية لرئيس منظمة التحرير لزيارتها، فقام وفد فلسطيني برئاسة الشقيري في 17 مارس 1965 بزيارة رسمية إلى بكين وأجرى مباحثات مع “شوآن لاي”، وأكد “ماوتسي تونغ” التأييد الصيني لعدالة القضية الفلسطيني، وتم حينها فتح مكتب للمنظمة في بكين وقد كان لذلك الموقف أثر واضح في تعزيز الشخصية الدولية للمنظمة.

من الواضح أنَّ هناك عاملان أثرا بشكل مباشر في الموقف الصيني تجاه القضية الفلسطينية أولهما، العامل الخارجي بأن الصين كانت ترى بالأمة العربية أنها أمة كبيرة، وبالتالي فقد سعت لكسب تأييدها، وثانيهما العامل الداخلي بأن السياسة الخارجية الصينية التي كانت تقوم على الأيديولوجيا المؤيدة للحركات التحررية الثورية ضد الإمبريالية الغربية الاستعمارية.

لقد قيد موقف الصين من قضية فلسطين عقب دخول الصين الأمم المتحدة في 25 نوفمبر عام 1971، بسبب الخلافات العربية حول السياسات التي يجب اتباعها بعد وفاة جمال عبد الناصر مطلع سبعينيات القرن الماضي، ولأنه لم يكن لدى الصين موقف عربي موحد يمكنها الانحياز إليه، فقد اختارت سياستها حسب ما تمليه الأهداف الصينية، وبالتالي فإن تصويتها على الحل السياسي عكس أولوياتها الدولية.

وفي 29 نوفمبر عام 1979 أعلن رئيس وزراء الصين المبادئ التي يقوم عليها السلام في الشرق الأوسط، وهي تأييد الشعب الفلسطيني في كفاحه من أجل استرجاع حقوقه المغتصبة: حق العودة إلى وطنه، وحق تقرير المصير، وحق إقامة دولته، واسترجاع الأراضي المحتلة.

بدأت الصين مند منتصف الثمانينيات تتراجع عن مواقفها المؤيدة علناً للدول العربية في صراعها مع إسرائيل، ونلمس ذلك بالتحديد في عام 1985 عندما ألقى رئيس مجلس الدولة الصيني محاضرة في المعهد الملكي للشؤون الدولية، وعبر فيها عن الموقف الصيني من القضية الفلسطينية، فلم يتطرق خلال هذه المحاضرة إلى أية تفصيلات حول هذه الحقوق، ولم يشر إطلاقاً إلى إصرار الصين التقليدي على الكفاح المسلح.

هذا التطور في موقف الصين أصبح يمثل نهجاً مختلفاً عن النهج السابق، وأدى في النهاية إلى إجراء اتصالات دبلوماسية بين الصين وإسرائيل، وصولاً إلى تبادل الاعتراف الدبلوماسي وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة في يناير 1992.

ويدل هذا الموقف الصيني على تغير واضح في سياستها تجاه القضية الفلسطينية، فلم تعد تطالب بحل جذري وشامل للقضية الفلسطينية، بل أصبحت تنادي بحل كل قضية على حدة، كذلك لم تعد تدعم المنادين بإخراج إسرائيل من الضفة الغربية وقطاع غزة بالقوة والتهديد، بل لابد من إتباع الوسائل السلمية لاستعادة الأرض.

 أعلنت الصين تأييدها لاتفاق إعلان المبادئ الفلسطيني – الإسرائيلي الموقع في أوسلو عام 1993، والتمسك بمبدأ الأرض مقابل السلام، وأن حل القضية الفلسطينية يتم عن طريق الجهود السلمية والمشتركة بين فلسطين وإسرائيل وبمساعدة المجتمع الدولي.

مما يؤكد على موقف الصين تجاه القضية الفلسطينية والفلسطينيين الاستقبال الحافل الذي لقيه الرئيس الفلسطيني “ياسر عرفات” في زيارته للعاصمة الصينية بكين في يوليو 1998، وبحضور الرئيس الصيني “جيانغ زيمين” في ساحة “تيان أتمين” الكبرى، حيث يستقبل رؤساء الدول والشخصيات الدولية المرموقة – دور في لفت الانتباه مجدداً للدور الصيني من القضية الفلسطينية، وهو دور تاريخي سباق ومميز في مساندة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة منذ بدايتها الأولى.

والذي يسترعي الاهتمام حقاً أن التطورات التي مر بها الصراع العربي – الإسرائيلي منذ سنة 2000، وأبرزها فشل قمة “كامب ديفيد” الثانية، واشتعال انتفاضة الأقصى، واتجاه إسرائيل إلى نسف خطوات التسوية، لم تؤثر في مضمون الموقف الصيني، وواصلت بكين سياستها الداعية إلى ضرورة التزام الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني بطريق المفاوضات، ونبذ العنف، واحترام الشرعية الدولية.

وهكذا أعلنت الصين دعمها لخارطة الطريق ولخيار المفاوضات وللجنة الرباعية (الولايات المتحدة، روسيا، الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي)، وتجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ترفضان عضوية الصين في اللجنة الرباعية.

وقد تقدمت الصين بمبادرة جديدة لحل القضية الفلسطينية أثناء استقبالها رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” والرئيس الفلسطيني محمود عباس في مايو 2013، وترى في هذه القضية كجوهر لكل قضايا الشرق الأوسط، ولقد طرح الرئيس الصيني “شي جين بينغ” الرؤية الصينية ذات النقاط الأربع حول تسوية القضية الفلسطينية خلال مباحثاته مع الرئيس الفلسطيني “محمود عباس”، وهي إقامة دولة فلسطين المستقلة على حدودج 1967 والتعايش السلمي بين الدولتين، والمفاوضات طريق السلام، والرضا مقابل السلام، وأخيرا دعم المجتمع الدولية لعملية السلام.

وبناء عليه، فيمكن وصف السياسة الخارجية الصينية في الشرق الأوسط بعد الربيع العربي باثنين من السمات الرئيسية تتمثل الأولى بأنها سياسة عملية وواقعية من خلال: استمرارية دعمها اللامتناهي للقضية الفلسطينية ونبذ كل أشكال العنف الإسرائيلي، ومن جهة أخرى تتمثل السمة الثانية بالثبات أي أن موقفها تجاه القضية الفلسطينية ظل ثابتاً بدعمها المادي والمعنوي للشعب الفلسطيني، بالرغم من العراقيل والتهديدات الأمنية التي كانت تواجهها في مجال الطاقة وانخفاض فرصها في الاستثمار التي تلقاها في الخارج، ذلك أن جوهر السياسة الصينية هو الحفاظ على بيئة دولية مستقرة لتسهيل استمرار الاصلاح والتنمية في الوطن العربي، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط تؤيد الصين التعامل مع النزاعات مثل أحداث الربيع العربي في مناخ من التعاون والتفاوض السلمي وإدارة الصراع.

أما الآن، فدخلت العلاقات الثنائية الصينية – الفلسطينية مرحلة جديدة، تتعزز بحسب الثقة السياسية المتبادلة ويزداد التعاون الاقتصادي، ويتطور التبادل الثقافي، كما أن مبادرة الحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين تعد فرصاً جديدة لتعميق العلاقات الصينية – الفلسطينية، وفي الصين قول مأثور: سفر ميزان الخيل، ووقت ميزان الصداقة، فسيظل الشعب الصيني صديقاً حميماً وحقيقياً للشعب الفلسطيني.

ونستطيع القول بأن شكل التغيير في السياسة الخارجية الصينية تجاه القضية الفلسطينية، نموذجاً للبراغماتية في السياسة الدولية، ونذكر هنا أهم ملامح الموقف الصيني تجاه القضية: أولاً: سلمية الطرح الصيني، وثانياً: المواءمة بين الأطراف المتناقضة، وثالثاُ: الرؤية والعقيدة الصينية للقضية الفلسطينية، تأكيدها على أنها قضية لا يجوز تهميشها، ولا يجب وضعها في زاوية النسيان.

ويتجلى الدور الصيني المبادر في زيارات الرئيس الصيني “شي جين بينغ” والرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي زار الصين في العام 2013م.

في عام 2016م قام بينغ بجولة في الشرق الأوسط وألقى خطاباً في الجامعة العربية أكد فيه حرص الصين على حل القضية الفلسطينية.

في يوليو 2017، اجتمع الرئيس الصيني شي جين بينغ مع الرئيس محمود عباس في بكين، حيث طرح الأول “الرؤية الصينية” حول تسوية القضية الفلسطينية. ويتألف اقتراح الرئيس شي من أربع نقاط، تدور حول الدعم السياسي، والأمن المستدام، وتنسيق جهود المجتمع الدولي، وتحقيق السلام من خلال التنمية.

وارتكازا على حل الدولتين، قدمت “الرؤية الصينية” بعض النواحي المبتكرة، حيث أشار المبعوث الصيني الخاص السابق إلى الشرق الأوسط السفير وو سي كه إلى أن رؤية 2017 تعكس بوضوح فكرة جديدة للصين تجاه حل القضية الفلسطينية، ألا وهي تحقيق السلام من خلال التنمية فضلا عن المفاوضات السياسية.

طبيعة العلاقة بين فلسطين والصين في ظل أزمة كورونا

الجانب السياسي:

شكل فايروس كورونا أكبر مهدد للأمن القومي الفلسطيني، واستدعى استنفارا كبيرا وحالة غير مسبوقة من الطوارئ في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث وضعت السلطة الفلسطينية خطة طوارئ متميزة للتعامل مع الأزمة المستجدة، لدرجة أن منظمة الصحة العالمية قد أشادت بهذه الإجراءات.

في قطاع غزة؛ كانت المخاوف أقل بالنظر إلى الحصار المفروض على القطاع ومحدودية حركة المسافرين، لكن تزداد الخطورة في بعض الأحيان بالنظر إلى حجم الكثافة السكانية باعتبارها الأعلى في العالم، بجانب أن الغزيين لا يتمتعون بثقافة الطاعة والالتزام في بيوتهم مثل الفلسطينيين في الضفة الغربية، لذلك قامت الحكومة في غزة بوضح خطة طوارئ والتزمت بها.

تمكنت السفارة الفلسطينية في الصين منذ اليوم الأول لانتشار فايروس كورونا من تنسيق وتلبية طلبات كل الراغبين من الجالية والطلبة في مدينة أوهان، وتأمين سفرهم يوم 31 يناير الماضي على متن الطائرة الأردنية الخاصة التي بادر الملك عبد الله الثاني، بإيفادها إلى الصين.

لقد تعرض أحد طلبة الدكتوراه الدارسين في (أوهان) محمد أبو ناموس، لعدوى، وأصيب بالفيروس أثناء تواجده في مدينة كوانزو، مع بدء إجازة الأعياد الصينية، والتي تم تأكيدها بعد مرور أسبوع من دخوله المستشفى هناك.

وقد تماثل للشفاء والحمد لله بتاريخ 19 فبراير الماضي، وهو على وشك الانتهاء من فترة المراقبة والنقاهة، وهو الأمر الذي حظي باهتمام شديد من الرئيس أبو مازن، الذي هاتفه شخصياً للاطمئنان، وتهنئته بالسلامة.

وعلى مستوى السفارة فقد تمت المتابعة المباشرة لأحوال المقيمين في عموم الصين، وتم القيام بتسهيل سفر الراغبين منهم الى أرض الوطن بالتعاون والتنسيق مع وزارة الخارجية وسفارات فلسطين في عمان والقاهرة.

أكدت وزيرة فلسطينية أن فلسطين حكومة وشعبا تقف إلى جانب جمهورية الصين الشعبية الصديقة وتتضامن معها في مواجهة انتشار فيروس كورونا الجديد

وأعلنت وزيرة الصحة مي كيلة في بيان صحفي حصلت وكالة أنباء (شينخوا) على نسخة منه، عقب لقائها بالسفير الصيني لدى فلسطين قوه وي في رام الله، أن فلسطين مستعدة لتقديم كل الممكن من الدعم والمساندة في حصر فيروس كورونا الجديد والقضاء عليه.

وسلطت كيلة الضوء على “حجم الدعم الكبير الذي توليه الصين لفلسطين، ووقوفها إلى جانبنا ودعمها في مختلف المجالات، لاسيما الصحية”.

ولفت تاو إلى أن الصين بذلت جهوداً كبيرة، واتخذت إجراءات شاملة وصارمة للوقاية من الفيروس، وأنها حققت نتائج هامة للسيطرة على تفشيه، مؤكدا أن جهود بلاده لاحتواء تفشي “كورونا” ليست من أجل حماية الشعب الصيني فحسب، وإنما لتقديم إسهامات للصحة العامة العالمية.

وأكد تاو أن الحزب الشيوعي الصيني يتطلع باهتمام كبير لتطوير علاقات الصداقة مع حركة فتح، ولتعزيز التبادل والتعاون بين الحزبين على أساس “إيجاد الأرضية المشتركة مع ترك الخلافات جانباً والاحترام المتبادل والاستفادة المتبادلة”، وبالشكل الذي يدفع باتجاه تطور العلاقات الصينية الفلسطينية إلى الأمام باستمرار.

الجانب الاقتصادي:

توقف الاستيراد من الصين بشكل كامل مع بداية فبراير من العام الجاري، في حين دخلت بعض الحاويات التي وصلت ميناء أسدود خلال يناير، ويشار إلى أن التجّار في قطاع غزة يقومون بتوصيل البضائع من الصين عبر شحنه إلى ميناء أسدود في الداخل الفلسطيني المحتل، ومن ثم تصل عبر معبر كرم أبو سالم الذي يخضع للإدارة الإسرائيلية.

إن أكثر من 90% من البضائع والمنتجات في قطاع غزة مستوردة من الصين، والتأثير الأكبر للأزمة ستتم ملاحظته بشكل متصاعد مع مرور الوقت ونفاد المخزون لدى التجار.

ليس ذلك فحسب فأزمة فيروس كورونا جاءت في الوقت الذي يعاني منه السوق في غزة من حالة كساد كبيرة، بسبب تردي الوضع الاقتصادي، والانتقال من موسم الشتاء إلى الصيف.

وعن البدائل في حال استمرت الأزمة فأي بديل عن الصين سيزيد من الأعباء المالية على التجار، في وقت يعانون من خسائر كبيرة بسبب الوضع الاقتصادي، وضعف الحركة الشرائية بشكل غير مسبوق.

وتشهد المنتجات التركية قبولا في قطاع غزة خاصة سوق الملابس، لكن وبحسب التجار فإن أسعار هذه المنتجات في المجالات الأخرى أعلى بكثير مما هي عليه في الصين، لذا تعدُّ بديلًا صعبًا عليهم.

ومن أبرز الأسواق المتأثرة بالأزمة الصينية سوق المنتجات الإلكترونية وخاصة الهواتف الذكية، مما أدى إلى ارتفاع واضح في أسعار الهواتف ومستلزماتها، ونقص في بعض قطع الغيار والإكسسوارات التي تشهد إقبالا واسعا.

يبدأ العجز بالظهور شيئا فشيئا مع فقد عدد من المنتجات، فلو استطعنا مجاراة السوق في الفترة الحالية، فسنشهد انتكاسة الفترة القادمة إذا استمرت الأزمة دون وجود أي بدائل.

يُذكر أن وزارة الاقتصاد في غزة لم تصدر مرسوما رسميا بمنع الاستيراد من الصين، لكن جميع التجار أصبحوا غير قادرين على الوصول، إضافة إلى تعطل الحياة بشكل شبه كامل في الصين ووقف حركة التوريد.

لم يقتصر الأمر على الضرر المباشر من عدم وصول المنتجات، بل تعدى ليصل إلى عدم القدرة على الاستفادة من بعض المنتجات الموجودة بالفعل بسبب انقطاع الاتصال بالدعم الفني في الصين، والعديد من المنتجات مثل كاميرات المراقبة والأجهزة الخاصة بها تحتاج إلى مراجعة ودعم فني، وهذا بسبب تعطل الحياة بشكل شبه كامل في الصين.

وخلال شهر فقط ارتفعت أسعار أسلاك الإنترنت من سبعة أغورات إلى 2 شيكل إسرائيلي بسبب الأزمة الصينية، الأمر الذي ينطبق على الكثير من الإكسسوارات وقطع غيار أجهزة الحواسيب.

إن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار أولا، وظهور عجز كبير نظرا إلى أن سوق غزة يعتمد بشكل كلي على المنتجات الصينية.

وعليه سجلت الصين تراجعا بنسبة 17.2 بالمئة في صادراتها خلال يناير وفبراير بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي، تحت وطأة المخاوف حول انتشار فيروس كورونا المستجد الذي شلّ النشاط الاقتصادي في هذا البلد، وفق ما أعلنت الجمارك الصينية. ويعد هذا أكبر تراجع في صادرات العملاق الآسيوي منذ فبراير 2019 حين كانت الحرب التجارية الأميركية الصينية في أشدها، وهو أعلى من متوسط 16.2 بالمئة توقعه خبراء اقتصاد استطلعت وكالة “بلومبيرغ” آراءهم.

وتجعل تدابير الحجر الصحي البالغة الشدة والقيود المستمرة على حركة الناس وتنقلاتهم من الصعب عودة العمال إلى نشاطهم، ما ينعكس على شبكات الإمداد، فيما لا تزال حركة نقل البضائع معطلة.

وفي مؤشر إلى تراجع الطلب في هذا البلد في حين بقيت مصانع عديدة شبه متوقفة في فبراير ولزم المستهلكون منازلهم خشية أن تنتقل العدوى إليهم، تراجعت الواردات الصينية بنسبة 4 بالمئة في الشهرين الأولين من السنة بالمقارنة مع الفترة ذاتها من السنة السابقة، بحسب أرقام الجمارك.

وفي ظل هذه الظروف، تقلص الفائض في الميزان التجاري الصيني حيال الولايات المتحدة بشكل تلقائي بنسبة 40 بالمئة في الفترة نفسها مع انهيار صادرات الصين، وفق الجمارك.

ويقع هذا الفائض الذي يثير غضب الإدارة الأميركية، في صلب الحرب التجارية والجمركية بين القوتين الاقتصاديتين الأوليين، وهو تراجع إلى 25.4 مليار دولار في يناير وفبراير، بالمقارنة مع 42 مليار دولار للفترة نفسها من العام 2019م.

مستقبل العلاقة بين البلدين وتطوره بعد أزمة كورونا

لاحظنا من العرض السابق لتطورات العلاقات بين الطرفين أنَّ ثمَّة علاقات متميزة واستراتيجية ربطت الطرفين، خاصة وأن القواسم المشتركة بين الطرفين كبيرة إلى حدٍ ما، وعلى وجه التحديد ما يتعلق بمعاداة الولايات المتحد الأمريكية التي تحاول الهيمنة على العالم وتنحاز بشكل كبير إلى إسرائيل.

وعلى أساس موقفها الثابت ذي الرؤية الجديدة التي تطرح فكرة جديدة وتضخ قوة دفع جديدة، تستعد الصين لفتح فصل جديد من العلاقات مع فلسطين وتتطلع إلى آفاق مشرقة معها.

وأشارت إلى أنها سترسل برقية تضامن لوزير الصحة الصيني، دعما لهم في مواجهة الفيروس، ووقوفا بجانب الصين في كافة المواقف، وتقديرا لمواقفهم العظيمة تجاه الشعب الفلسطيني.

وأيضا لقد سلم وزير دائرة العلاقات الخارجية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني سونغ تاو، أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح جبريل الرجوب، رسالة شكر على الموقف الداعم من حركته والشعب الفلسطيني لبلاده في مواجهة فيروس “كورونا”.

ستبقى العلاقات بين الدولتين مرنة ودبلوماسية، كي تحافظ السلطة الوطنية على عمق الصين وتصورها الاستراتيجي المستقبلي لصالح القضية الفلسطينية.

 

الخاتمة:

لقد أشادت منظمة الصحة العالمية بشكل كبير بكل من الصين وفلسطين فقط من بين كل دول العالم، حيث الأولى اتخذت إجراءات حازمة وقامت بالتضحية بالموارد المالية مقابل سلامة المواطن في فترة قياسية، والثانية تحركت سياسيا وإنسانيا بإجراءات الوقاية الصحية رغم قلة الإمكانيات والموارد، دون الاعتماد بشكل كلي على الإحتلال الإسرائيلي، سوى التنسيق على الأرض، كما التنسيق مع بلدان الجوار لأجل المصلحة العامة للمواطنين؛ وهذا دليل أن عدد الحالات في الضفة وغزة لم تتفشى بسرعة كبيرة كما في إسرائيل مثالا، وتماثل حالات للشفاء بإطراد واضح في مدينة بيت لحم.

ولعل أبرز الدروس المستفادة هو الالتفات للتجربة الصينية والأدوات التي استخدمتها لمواجهة أزمة كادت أن تطيح بسكان دولتها إن لم تتخذ الإجراءات الصارمة لحمايتهم، إلى جانب اتحاد سكانها ووحدتهم، وتضافر جهود العاملين في مختلف المحافل والجيش والمواطنين أجمعهم لحماية بعضهم بعضا، والوقوف على قدم وساق في تتبع أصل هذا الفايروس وتركيبه الجيني من أجل الحد منه والقضاء عليه، بقوتي التكنولوجيا والعلم.

ولا بد أن نقتنع أن سلاح الاقتصاد لو انهار فإنه يكون بشكل جزئي، ما دامت هناك قوى أخرى تؤثر بإنقاذ البلاد من معركة كأسلحة التكنولوجيا والبحث العلمي.

فتعاضد القوى مهم جدا في مواجهة أي معركة كانت، وإن تمت التضحية بأحد القوى كما فعلت الصين بتسخير الموارد المالية وتوظيفها في البحث والتكنولوجيا بفترة زمنية قصيرة، فإن هذا ينم عن اعتماد مناهج متكاملة في مختلف العلوم وأساليبها فيما بتعلق بإدارة المخاطر المختلفة والأزمات المفاجئة لأجل مستقبل البلاد وازدهارها.

المراجع:

توقف الاستيراد من الصين.. تجارة غزة تعاني بسبب فيروس كورونا، (عبد الرؤوي زقوت، 7 مارس، 2020)، موقع الجزيرة. نت

https://cutt.us/pi8PA

على وقع انتشار كورونا .. الصادرات الصينية تسجل تراجعا (7 مارس، 2020)، موقع فلسطين الآن.
https://cutt.us/c3JBB

السفير الفلسطيني بالصين يكشف حالة الفلسطيني المصاب بكورونا .. واتفاقية التجارة مع الصين، (أمنية أبو الخير، 4 مارس، 2020)، صحيفة دنيا الوطن.

https://cutt.us/3GX6j

 

فلسطين حكومة وشعبا تقف إلى جانب الصين بمواجهة فايروس كورونا الجديد، (وكالة شينخوا، 6 فبراير 2020)، صحيفة الشعب اليومية “الصينية”.

 https://cutt.us/MQNVZ

مقالة خاصة: بين سارس وكورونا .. قصة نجاح وكفاح، (فايزة كاب، 2 مارس 2020)، صحيفة الشعب اليومية أونلاين.

https://cutt.us/9ve5G

الصين تشكر فلسطين على موقفها الداعم في مواجهة “كورونا”، (28 فبراير، 2020)، وكالة شمس نيوز.

https://cutt.us/ZrLHP

العلاقات الصينية الفلسطينية على مدار ثلاثين عاما… موقف ثابت برؤية جديدة، (21 نوفمبر، 2018). وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية “وفا”.
https://cutt.us/dmlk5

كورونا والاقتصاد العالمي والأراضي الفلسطينية، (د. أحمد دلول، 26 مارس 2020)، منصة روافد بوست.
https://www.rawafidpost.com/archives/4773

المنظور الصيني للقضية الفلسطينية (د. إسلام عيادي، 4 نوفمبر 2019)، ورقة بحثية عن المركز الديمقراطي العربي.
https://democraticac.de/?p=63226

استراتيجيات مواجهة أزمة كورونا، (رزان السعافين، 25 مارس 2020)، منصة روافد بوست.
https://www.rawafidpost.com/archives/4967

 

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.