اجتماع مقالات

الإنسان المستأنس

الإنسان المستأنس

بقلم أ. ماجد الصالح خليفات – الأردن

شاهدت من سنوات حلقة من برنامج وثائقي على قناة ناشونال جيوغرافيك تحاكي سيناريو/فرضية اختفاء البشر مرة واحدة عن الأرض. وتطرح تخيلا لسلسلة الأحداث التي ستقع للأرض بعد ثوان أو ساعات وأيام وشهور إلخ.

برغم قصر الحلقة؛ إلا أنها -في ظني- مهمة جدا لمعرفة مدى تأثير الإنسان على الأرض والعكس كذلك. فاندفعت أحاول الاطلاع على قراءات تدور حول هذه الفرضية فوقفت أمام حائط عظيم يفيد بأن الحضارة العربية المعاصرة لا تملك دراسات خاصة بها حوله؛ بل لا يمكن لها ذلك  لأنها لم تساهم بشروى نقير فيما عليه الأرض الآن، وفاقد الشيء في هذه تحديدا لا يعطيه. إذ لا يمكن أن تقدر على إعادة محرّك إلى هيئته الأولى ما دمت لم تشارك في تصنيعه.

وللإشارة يمكن القول -ولله المثل الأعلى- بأن الله عز وجل قد أشار إلى مسألة الخلق وإعادة الخلق في كتابه الكريم حيث قال: (بلى قادرين على أن نسوّي بنانه) وهي إجابة من الصانع الخالق على من ينكر إمكانية إعادة الأجزاء الأساسية للجسد البشري بعد فنائه.

على أي حال، نعود للحلقة/التقرير التي تقول بأنه بعد أيام قليلة جدا من اختفاء البشرية سيقع نفوق جماعي للحيوانات الأليفة التي تعتمد كليا في بقائها على الإنسان ككلاب الزينة المهجنة المدللة (المستأنسة) وكذلك الخراف التي لا تجيد الذهاب إلى المرعى بلا راع يرافقها في الغداة والرواح، ومثالها حيوانات المزارع، والمليارات من الدجاج وملايين الأبقار مما فقدت فطرتها الأساسية في الدفاع والذود عن أنفسها جيلا فجيل. فيما ستتشكل مجاميع من الكلاب الكبيرة والمفترسات لصيد هذه الحيوانات الضعيفة بسهولة لا تجعلها تطور من أدوات افتراسها فتصير التالية على سلم الفناء المفترض.

حرفيا، ستتنفس الطبيعة، ستجد طريقها لتصلح ما أفسده الإنسان فيها، صحيح أنها سوف تحتاج إلى فترات مختلفة للتخلص من مخلفات الإنسان المتعددة كالبلاستيك الذي سوف يعيش أطول من الأهرامات إلى المركّبات المتعددة التي تتباين في المدد التي تحتاجها للعودة إلى سيرتها الأولى.

قد تحتاج الأرض إلى آلاف السنين لتأخذ شكلها الذي كانت عليه قبل البشرية، إلا أنها بالتأكيد سوف تكون على راحتها تماما خلال هذه القرون، بل من منّا من سيحسب لها أيامها؟

وعلى السيرة، أعرج على ذكر منطقة وقوع كارثة التسرب الإشعاعي النووي لمفاعل تشيرنوبل في كيرل الأوكرانية، فقد أقرت السلطات بأن كامل منطقة الخطر على مساحة أكم2 تقريبا هي محمية طبيعية لا يُسمح بالدخول إليها وسُميت بمناطق الاستبعاد.

والاستبعاد هناك خاص بالإنسان، إلا أن الحيوانات وسائر عناصر الطبيعة لا تقرّ لسلطة البشر في غيابهم، مما سمح بتشكل جنة حقيقية زحفت تدريجا وطغت على كل شيء. ويُنقل عن أحد المشاركين في مشروع استكشاف الحياة الفطرية في تشيرنوبل أنه قال: عبر عملنا مع البرمائيات هنا، اكتشفنا أعدادا وفيرة في منطقة الاستبعاد، حتى في المناطق الأكثر تلوثا بالإشعاع، المحيط القريب من منطقة التسرب.

لا يخفى علينا جميعا أن وجود الإنسان بحد ذاته على الأرض هو أمر كارثي لها مهما تحلى بالأخلاق أو حاول الحفاظ عليها مع استحالة ذلك بالنظر للتاريخ. وقد قالت الملائكة في الإنسان من قبل: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك).

نلاحظ الآن نحن المحجور علينا جزئيا كيف أن الطبيعية قد رممت كثيرا من الممرات التي محوناها باتخاذنا إياها طرقا نمشي عليها، وكيف انخفضت الضوضاء إلى مستويات سمحت لنا بسماع العصافير التي شعرت بأمان ربما لم يمر عليها لعقود. وغيرها من المظاهر التي لا نحتاج إلى تركيز لملاحظتها، نحن آفة الأرض التي تنخر في تفاحتها، لا تخافوا لن نبيد قبل أن يأذن الله بذلك. ولكنا قد نقبل على سنين أشد قسوة نقيم خلالها على أعراف الأرض، نتمنى الفناء جماعات ولا يستجاب لنا. نلتفت للماضي المدون في بطون الكتب ونقول: هل من رجوع؟!

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.